أثيرت في الأيام الأخيرة قضية إدراج لبنان على اللائحة السوداء الفرنسية، التي تضمّ الدول غير المتعاونة، الأمر الذي يهدّد بإلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد اللبناني. لكن مسؤولين اقتصاديين نفوا وجود مثل هذه المخاطر. ما هي خلفيات هذا الملف؟ وما هي الحقائق والأوهام التي تحيط به؟ ولماذا أُثير في هذا التوقيت؟
عندما عاد وفد جمعية المصارف من باريس، وزّع خبرا عن محادثات وأهداف الزيارة. وتحدث لماماً عن ملف يرتبط باتفاقية ضرائبية يجري البحث في توقيعها، ليتبيّن لاحقا، وجود مشكلة تتجاوز اللغة المبسّطة التي جرى استخدامها لتوصيف الوضع، إذ اتضح أن الأمر يتعلّق باحتمال إدراج لبنان على اللائحة السوداء الفرنسية، التي تضم البلدان الجانحة، او غير المتعاونة.
قبل الولوج الى هذه القضية، وتحديد المرحلة التي بلغتها، والمخاطر المتأتية منها، لا بد من الاشارة الى ان لائحة الدول غير المتعاونة، (Etats et territoires non coopératifs –ETNC-) تضم البلدان التي يتعارف البعض على تسميتها جنّات ضرائبية.

هذه الدول تتعرّض لنوع من الحظر والعقوبات التي لا يستطيع بلد مثل لبنان تحمّل نتائجها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بدولة صديقة مثل فرنسا، مجالات التعاون معها متعددة ومتشعبة، وتشمل كل المرافق الاقتصادية والحياتية والاجتماعية.
الى ذلك، فان الدولة التي يتمّ إدراجها على اللائحة السوداء الفرنسية، من البديهي انها ستكون مرشحة للإدراج على اللوائح السوداء لدى بلدان الاتحاد الاوروبي، بحيث أن المشكلة ستكون على مستوى اوروبا.
وهذا يعني من جملة ما يعنيه، حرمان البلد المُدرج على اللائحة السوداء من كل المساعدات التي تقدمها دول الاتحاد الاوروبي. كما ان التعاون المالي والتحويلات المصرفية تصبح أشد تعقيدا، ولن يكون من السهل مواصلة العلاقات التجارية والمالية بطريقة طبيعية.
هذا التوصيف الذي ينطبق حاليا على ثمانية دول تضعها فرنسا على اللائحة السوداء، ينطلق من مبدأ اساسي، يستند الى عدم تعاون هذه الدول مع السلطات الفرنسية من خلال الامتناع عن توقيع اتفاقية دعم اداري تتيح تبادّل المعلومات لضمان حسن تطبيق التشريعات الضرائبية. ولبنان لم يوقّع مع باريس مثل هذه الاتفاقية في السابق، انطلاقا من حرصه على السرية المصرفية.
لكن السلطات الفرنسية، ونظرا الى ظروف لبنان الخاصة، ومراعاة للعلاقات المميزة التاريخية التي تربط البلدين، لم تتخذ اية خطوة باتجاه إدراج لبنان على اللائحة السوداء.
وكان يمكن للأمر ان يستمر على هذه الحال، لولا دخول حدثين بدّلا في النظرة الفرنسية الى الوضع:
اولا – ظهور قانون “فاتكا” الاميركي ) The Foreign Account Tax Compliance Act- FATCA ( والذي يهدف الى وضع حد لتهرّب الرعايا الاميركيين خارج الولايات المتحدة من دفع ضرائبهم كاملة على الثروات والأموال والمداخيل.
ثانيا – الفضيحة التي أثارها وزير المالية الفرنسية السابق جيروم كاهوزاك، والذي اضطر بعدها الى الاستقالة، بعدما تبين انه يملك حسابا مصرفيا في سويسرا لم يصرّح عنه للسلطات الضرائبية. وصارت الفضيحة تُعرف اليوم بقضية كاهوزاك.
هذان الحدثان دفعا السلطات الفرنسية الى التخلّي، تحت الضغط، عن اسلوب التسامح الذي كان معتمدا في تطبيق قانون الضرائب. وفي ظل التشدّد المستجد، وجد لبنان نفسه مرشحا للانضمام رسميا الى اللائحة السوداء. أما القول ان لبنان لم يُدرج بعد على اللائحة، فهذا كلام صحيح، لكن ما لم يُعلن بوضوح هو ان لبنان صار مرشحا بقوة للانضمام الى اللائحة، والتي لا يتم تجديدها لجهة اضافة دول اليها أو حذف دول منها، سوى سنويا.
وبالتالي، جاء التحرّك الذي قامت به جمعية المصارف في موقعه الصحيح، بعدما علمت ان اسم لبنان مُدرج على لائحة الانتظار الى أن يحين موعد اعلان اللائحة الجديدة. لكن تحركات جمعية المصارف لم تصل الى نتيجة حاسمة لحل الاشكالية، على اعتبار ان السبيل الوحيد الى الغاء الادراج يكمن في توقيع لبنان اتفاقية تعاون لتبادّل المعلومات الضرائبية.وهذا الأمر غير مُتاح حاليا بسبب عدم وجود حكومة أصيلة. وهذه الاشكالية تحدث عنها بوضوح السفير الفرنسي في بيروت، وبالتالي، لم يعد منطقيا نفي هذا الوضع.
بانتظار تشكيل حكومة أصيلة تحلّ مكان الحكومة المستقيلة التي تصرّف الأعمال، قد تكون الجهود المبذولة من قبل أطراف وهيئات اقتصادية غير مجدية، لأن السلطات الفرنسية غير قادرة على التساهل، في ظل الضغوطات الداخلية في فرنسا، والتي تحتّم على الرئيس الفرنسي الذي أصيب عهده في بدايته بانتكاسة كاهوزاك، ابداء جدية في تطبيق القوانين الضرائبية.
على هامش هذه القضية لا بد من الاشارة الى ان توقيع الاتفاقية، على أهميته الحيوية للبنان، وهو أمر لا بد منه في النتيجة، سوف ينعكس سلبا على عدد كبير من اللبنانيين الذين يحملون الجنسية الفرنسية، وبينهم عدد كبير من النواب والوزراء الذين كانوا يستفيدون من التساهّل الفرنسي السابق، للتهرّب من دفع الضرائب. كما أن السرية المصرفية في لبنان كانت تحميهم من الملاحقة، بحيث ان السلطات الضرائبية الفرنسية كانت عاجزة عمليا عن كشف حساباتهم في بيروت، لتحصيل الضرائب منهم. هذا الوضع لن يدوم على حاله بعد توقيع الاتفاقية.
وهناك من يخشى أن يعرقل النافذون من بين هؤلاء توقيع الاتفاقية، لئلا يضطروا الى دفع الضرائب، أو التخلي عن جنسيتهم الفرنسية، وقد سبقهم الى هذا الخيار فرنسيون أصيلون، أشهرهم الممثل جيرار ديبارديو الذي تحوّل من فرنسي الى روسي، في ما صار يُعرف بالمُهجّر الضرائبي. فهل يتحوّل قسم من اللبنانيين الفرنسيين الى مُهجرين ضرائبيين ويتخلون عن فرنسيتهم لانقاذ ثرواتهم من الضرائب؟