
آثار أقدام ملطخة بالدماء في جميع أنحاء المنزل، في غرفة النوم خزانة خشبية مبعثرة المحتويات، ثياب، مناشف… مرمية أرضاً، في قاعة الجلوس مزهرية محطمة جزئياً، رائحة الموت تملأ أرجاء الشقة، لا حاجة لقرع الجرس أو لدقّ الباب، رائف ل. جثة في منزله من دون جواب. من قتله؟ ما هي دوافع الجريمة؟ ماذا عن مصير القتلى؟ ماذا تبيّن في التحقيقات؟
منذ أربع سنوات يتردّد عمر م.خ. إلى منزل رائف ل. بناء على إتصال هاتفي مسبق، من أجل ممارسة اللواط وتعاطي حشيشة الكيف معاً. يوم 23 أيلول 2008 “إنعكست الآية”، إذ اتصل عمر بـرائف، من سنترال في محلة الجناح، طالباً منه تزويده بكمية من حشيشىة الكيف، غير أنّ هذا الأخير رفض ذلك بحجّة أنه لا يتعاطى المخدرات في شهر رمضان، ورفض حتى التواعد معه.
بعدما لم يجد عمر مطلبه، توجّه إلى منزل علي م. الملقب بـ “علي كوستا”، الذي إصطحبه إلى منزل قريبه توفيق ح. علّهما “ينعمان” بحشيشة الكيف. نتيجة تبادل الأحاديث بين علي وقريبه توفيق، فهم عمر أنهما بصدد التخطيط لأعمال سرقة، لذا تشجّع وأخبرهما عن معرفته برائف لناحيتي اللواط والمخدّرات وعن احتمال وجود مخدّرات في شقته. بعد أخذ وردّ، وطول نقاش، إستقرّ الرأي على قصد منزل رائف.
“معي ناس”… إفتح الباب
لم ينتظر عمر وعلي اليوم التالي، ففي الليلة عينها، توجّها إلى منزل رائف، وفي تمام الساعة الحادية عشرة ليلاً قرعا باب البيت. للوهلة الأولى تردّد رائف في فتح الباب، لولا إلحاح عمر وقوله “معي ناس”، وما ان شقّ الباب حتى دخلا وطلبا منه تزويدهما بالحشيشة.
إلا انّ رائف أكد نفيه حيازته الحشيشة لا سيما في رمضان. حيال النتيجة السلبية بدأ عمر يفقد صوابه تدريجياً، ويغلي الدم في عروقه، متذكّراً ما سبق أن أوصاه به علي، بأن يضع شفرة “كاتر” على رقبة رائف لإخافته، لذا طلب من علي إنتظاره خارج الشقة. إلا أنّ عمر لم يقدم على أي خطوة سوى الطلب من رائف تزويده بأجرة طريق العودة، فأعطاه 4 آلاف ل. ل.
“هيدا لوطي… قتلو”
غادر عمر شقة رائف وأخبر علي ما حصل معه، وأنّ “سلتو فاضية”. لم ترق هذه النتيجة السلبية قطعاً لعلي، وسرعان ما انتفض قائلاً: “شو عم يضحك علينا وهوي لحالو بالبيت، زلمي لوطي وما حدا بيسأل عنو، قتلو”.
لذا عادا معاً وطرقا باب الشقة، وعندما سألهما رائف عن سبب عودتهما، تحجّجا بأنهما يريدان إعادة المبلغ اليه. ولكن ما ان فتح رائف باب شقته حتى رمى عمر الـ 4 آلاف ليرة أرضاً وطعنه في أنحاء مختلفة من جسده بالسكين التي سبق أن زوّده بها توفيق.
“يا عمر إنت مش هيك”، كلمات معدودة لفظها رائف بينما كان يتعرّض لطعنات سكين من عمر، ويتلقى ضربات على رأسه بقطعة جفصين و”فاز” نحاسي من علي، واستمرّ يتلقى الضربات والكدمات حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
مسرح الجريمة
تأكّد علي وعمر من وفاة رائف فدخلا إلى المطبخ وقاما بغسل أيديهم من الدماء، وكذلك إستبدلا ملابسهما الملطخة بالدماء بملابس تعود للضحية، وجداها في خزانة خشبية بعدما فتشا فيها وبعثرا محتوياتها. كما أخذ الجانيان هاتف المغدور الخليوي ومحفظته، وبعدما وضعا ملابسهما في أكياس، حملها علي ورماها داخل أحد مستوعبات النفايات، وحطم الخليوي المسروق خوفاً من افتضاح الأمر.
حاول عمر وعلي قدر المستطاع إخفاء كلّ ما يمكن أن يقود إلى حقيقة هوية الفعلة، وبعدما غادرا الشقة، إستقلا سيارة أجرة إلى محلّة الأوزاعي ليجتمعا مجدداً مع توفيق م.، قبل عودة كل منهم إلى منزله.
على رغم التدابير الإحترازية والتعديلات التي قام بها عمر وعلي على مسرح الجريمة، إلا أنّ أمرهما سرعان ما انكشف. ففي 24 أيلول عام 2008 تلقى عناصر فصيلة الدرك في فرن الشباك إتصالاً هاتفياً من حبيب ع. يفيد بوجود خاله المغدور رائف ل.
مقتولاً داخل شقته الكائنة في الطابق السابع. وبنتيجة التحقيقات والإستقصاءات، تبيّن أنّ المغدور كان يتعاطى اللواط مع بعض الشبّان حيث كان يرغب بممارسة دور المرأة، كما كان مدمناً على تعاطي المخدّرات، فوجّهت على الفور أصابع الإتهام إلى أحد الشبّان ممّن كان يمارس معه اللواط، وهو المتهم عمر م. خ. الذي تمّ توقيفه.
وفي التحقيق معه، إعترف عمر أنه أقدم على الجريمة مع علي وبتخطيط من توفيق، إذ انّ الأخير طلب منهما الإستحصال على المخدّرات من رائف قائلاً لهما: “قتلوا بس ما تخلّوا آثار خلفكم”، وزوّدهما بشفرة “كاتر” وبالمال لتأمين إنتقالهما من الأوزاعي إلى الشياح.
وفي اليوم التالي، ألقي القبض على علي م. بعد أن ضبط بحوزته سكين ممنوع، وإعترف انه على معرفة بعمر، وأنهما إنتقلا معا إلى منزل توفيق حيث تعاطوا جميعا الحبوب المخدرة قبل قصد منزل المغدور.
وبعد ان تمكّنت الاجهزة المختصّة من توقيف المتهم توفيق م. في الرابع من نيسان 2009، بوشر التحقيق معه، واعترف انه على معرفة بالمتهمين عمر خ. وعلي م. وأنه اعتاد على تعاطي المخدّرات معهما.
وفي 27 حزيران 2013، أصدرت محكمة الجنايات في جبل لبنان حكماً بتجريم المتهمين عمر م. خ. وعلي ح. م. وبإنزال عقوبة الإعدام بكلّ منهما، وبتخفيف هذه العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبّدة، أمّا المتهم توفيق ح. م. فإنزال به عقوبة الأشغال المؤقتة مدّة سبع سنوات.
رأي علم النفس
في ضوء الظروف التي أحاطت الجريمة وبيَّنها لاحقاً التحقيق، يتوقّف المعالج النفسي نويل روكز عند مرحلة تعاطي المخدرات التي سبقت الجريمة وشكلت في الوقت عينه الدافع الأساسي لارتكابها، قائلاً: “لا شك في أنّ تعاطي علي وعمر المخدرات قبل ذهابهما عند رائف زادَ من حدّة تصرفاتهما، والدليل الوحشية التي تعاملا بها مع المغدور وضربه بآلات حادة”.
ويوضح لـ”الجمهورية”: “أي نوع من المخدرات يقتل نظام الرقابة عند الإنسان، يفقده وعيه تدريجياً، لذا يتصرّف بطريقة غير مدركة، لا مسؤولة. فالجرم تحت تأثير المخدّر يتفاعل أكثر في ظل فقدان المرء سيطرته على ذاته”. ويضيف: “كذلك، قد تزيد هذه المادة المخدرة من جرأة الفرد.
صحيح أن البعض قد ينزوي وتتلاشى عزيمته، إلا أنّ عدداً من المتعاطين يزيدون جرأة، فتتخطى تصرفاتهم القانون والطبيعة، والدليل أنّ لولا الحاجة إلى المخدرات لم تكن لتقع الجريمة”. ويشدد روكز على أهمية معالجة المدمن ضمن المراكز المتخصصة قبل انحرافه وتحوله إلى مجرم.