“الإخوان” ما بعد “مظلومية مرسي”

 

لم تُرزَق جماعة الإخوان المسلمين زعيماً يتحلّى بمواصفات “الهالة” أو “الكاريزما” بعد استشهاد مؤسّسها الإمام حسن البنا عام تسع وأربعين. ليسَ عن الزعامة الكاريزمية المتممة الشروط، بالطريقة التي يصفها عمدة علم الإجتماع الألماني ماكس فيبير يجري الحديث فقط، أي تلك الزعامة التي تتأمن بالانقياد التقديسيّ وراء شخص يجري التعامل معه على أنّه استثنائيّ لم يتكرّر، فهذا تأمّن مع الإمام البنا فحسب. لكن، حتى الكاريزما، بالمفهوم الأبسط والأكثر شيوعاً، لم يبرز قياديّ اخوانيّ واحد ليؤمّنها بعد رحيل البنا، وهو ما سهّل قمع الإخوان يوم انتهاء شهر العسل بينهم وبين “الضبّاط الأحرار”، وحكم غياب الكاريزما من ثمّ رجوع الجماعة الى الحيّز العام، من البوابات الشعبية، والنقابية، والبرلمانية، بدءاً من استعانة الرئيس انور السادات بالتيارات الدينية مطلع السبعينيات، وصولاً الى حاجة الرئيس حسني مبارك لفتح المجال للجماعة في الثمانينيات، بالشكل الذي يعرضه باتقان هشام العوضي في أطروحته “صراع على الشرعية: الاخوان المسلمون ومبارك”، مظهراً “معضلة” هذه الشرعية، حيث انّ المساحات التي فتحها النظام للإخوان كي يقتطع منها بعضاً من شرعيته هو سرعان ما شكّلت مصدر المطاعن بهذه الشرعية، ما ترتب عليه سياسة أكثر قمعية في التسعينيات مع الجماعة.
لقد تنامت شعبية الإخوان في ظلّ مبارك، وتحوّلت الجماعة إلى الأقليّة السياسية الأوسع والأكثر تنظيماً، وكان العمل على اخراجها من البرلمان على قاعدة الإتيان بـ”مجلس صفر إخوان” احد الأسباب الموجبة للثورة على حكم مبارك. مع ذلك، لم يظهر في الجماعة “مصلح كاريزماتي” طيلة ثلاثة عقود من حكم مبارك، ولا ظهر بعد سقوطه، وكان العام اليتيم من “حكم الإخوان” هو عام الابتعاد الكليّ عن أدنى معايير الكاريزمية، حتى بمعايير تصنيف “الدعاة التلفزيونيين”.
بدلاً من ذلك، اعتمد “الإخوان” تاكتيك “الصفر كاريزما”: أولاً من خلال ترشيح الرجل القوي في تنظيم الجماعة، خيرت الشاطر، وثانياً بعد منع الشاطر من الترشّح، من خلال تقديم الظاهرة المتلعثمة، الساذجة، الدكتور محمد مرسي. كان هناك بالتأكيد في الجماعة أسماء تحسن الحديث والتفاوض أفضل بكثير من مرسي. الا ان محمد بديع وخيرت الشاطر لم يكونا على الاستعداد بالاتيان بأي رئيس يمكنه أن يحيد قيد أنملة عن جهاز تحكّم “مكتب الإرشاد”، فكانت النكبة، انتكاسة سريعة للتجربة الديموقراطية المصرية بعد ثلاثة استحقاقات انتخابية، ونكبة الجماعة الإخوانية بتاريخ كامل من افتقادها الى “المصلح الكاريزمي”.
حتى الآن، لم تستفق الجماعة من الصدمة المباشرة كي تعي أبعاد الصدمة المزمنة، وهذه لا علاقة لها أبداً بكل “التحشيش” المتداول تحت شعار “نهاية الإسلام السياسي”، وانما بما من شأنه احداث زلزال ذهني وايديولوجي وبرنامجي في صميم تفكير الاخوان المسلمين، في اتجاه ينتقل من “المظلومية المتفجعة على مرسي” الى برنامج هادف لبلورة نظام دستوري مصريّ يسمح بالتداول على السلطة بين الاسلاميين وبين غير الاسلاميين، ويصون المساواة القانونية الكاملة بين المصريين، تلك المساواة التي لم يحترمها لا دستور مرسي، ولا الاعلان الدستوري الحالي، بالمناسبة.
فأن يتفق المرء مع الجماعة على توصيف اللحظة الانقلابية باسمها، وعلى تسجيل وقائع الانتكاسة في تجربة الانتخابات المصرية، فهذا شيء، أما أن يرى الجماعة تمضي في “مظلومية مرسي” دون رغبة في وعي الصدمة المزمنة النازلة بها فهذا شيء آخر.
يوم ألغى الغازي مصطفى كمال الخلافة العثمانية، راح مشايخ أزهريون يعبّرون عن رفضهم لذلك في الأيام الأولى، معتبرين أنّ الخليفة عبد المجيد ما زال أمير المؤمنين الشرعي. لكن عندما اجتمعت الهيئة العلمية الدينية بالديار المصرية، كأعلى هيئة أزهرية، برئاسة الشيخ محمود ابو الفضل الجيزاوي، في الخامس والعشرين من آذار عام أربعة وعشرين، كان لها مقاربة أخرى. فقد شجبت الفعلة الالغائية التركية للخلافة، لكنها اعتبرت انه “ينحل عقد الإمامة بما يزول به المقصور منها كأسره بحيث لا يرجى خلاصه وعجزه عن تدبير مصالح الملة والأمة”. وعادت لتشكك بصحة البيعة للخليفة المعزول (وهو أول وآخر “خليفة غير سلطان” ينتخب من برلمان)، وتابعت انه كان يفتقد فوق ذلك الى “نفوذ الحكم الذي هو شرط شرعي لتحقيق معنى خلافته”، وفوق كل هذا “انحل عنه ذلك الوصف بعجزه حقيقة عن القيام بتدبير أمور الدين والدنيا، وعجزه عن الاقامة في بلده ومملكته وعن حماية نفسه وأسرته بعد أن تم للأتراك تغلّبهم عليه”.
وخلصت المرجعية الأزهرية يومها، انه “ليس للأمير عبد المجيد بيعة في أعناق المسلمين لزوال المقصود من الإمامة شرعاً، وأنه ليس من الحكمة ولا مما يلائم شرف الإسلام والمسلمين أن ينادوا ببقاء بيعة في أعناقهم لشخص لا يملك الإقامة في بلده ولا يملكون هم تمكينه منها.”
فهل تقتفي جماعة “الإخوان المسلمين” المصرية بعضاً من آثار “السياسة الشرعية” لتجاوز مرحلة “التظلّم” لمن لم يكن أساساً خليفة، ولم يتأمن له نفوذ الحكم من الأساس (اذ بقي مركز السلطة في قيد العسكر)، ومن ثم وقع في الاعتقال والأسر؟ بمعنى آخر، “مظلومية محمد مرسي” مفهومة، لكن ماذا بعدها؟ فالشخص لم يكن أساساً “مصلحاً كاريزمياً” كي تقام له كل هذه المظلومية ذات الطابع المهدوي، ولم يكن خليفة، فهل من داعي لخرق أبسط مفاهيم “السياسة الشرعية” أو الفقه السياسي السلطانيّ من أجله، أم أنّها المناسبة، للانتقال الى فقه سياسي جديد، ينطلق من “مظلومية مرسي” الى حيث استكمال اعتناق الجماعة للفكرة الدستورية، حتى وهي تتعرّض للاجراءات الانقلابية والقمعية والتحريضية عليها، وحيث يبرز في مواجهتهم ديموقراطيون وليبراليون كثر كمتخففين من أبسط التقاليد الدستورية؟
هذه الراية الليبرالية الدستورية التي ألقاها أصحابها المفترضين واستبدلوها بـ”الشرعية الثورية” والموشحات الشعبوية، والهوى البونابرتي بعودة العسكر، هذه الراية.. فلتلتقطها الجماعة!
لكن، على من تقرأ المزامير؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل