#adsense

ماذا بقي من رئاسة الحكومة؟!

حجم الخط
«الحلقة الأضعف» بين الرئاستين..
ماذا بقي من رئاسة الحكومة؟!
 

تفاعلات الحديث عن مناخات الإحباط والغليان التي يعيشها «المزاج السنّي» ما زالت مستمرة، على أكثر من صعيد: سياسي ومناطقي، تغذيها هذه الحملات المسمومة ضد رموز الاعتدال في الوطن، وتلك العرقلات المتعمدة لولادة الحكومة العتيدة!

لم تنفع الجهود المضنية التي بذلها رؤساء الحكومات، ومعهم تيّار المستقبل، وخاصة النائب بهية الحريري، لاستيعاب صدمة أحداث عبرا، وإشكالاتها المختلفة، في الحد من الحملات التحريضية والمغرضة، ضد قادة الحكمة والاعتدال في الطائفة السنّية، بل ذهبت سهام بعض المحرّضين، إلى حدّ اتهام العقلاء، الذين سارعوا إلى تطويق حريق عبرا، وإخماد نار الفتنة مع الجيش، بالعمل على تمويل ظاهرة الأسير، والتعاون معه!

وبدا واضحاً أن أصحاب تلك المخططات الهوجاء، لا يهدفون إلى تشويه صورة رموز الاعتدال وحسب، بل وأيضاً، وهذا الأخطر، العمل على إظهار أكبر طوائف لبنان على غير حقيقتها، بخلع صفات التطرف على قادتها، وكأن الجميع أصبح على شاكلة الأسير!

ويدرك أصحاب تلك الحملات، سواء كانوا نواب «حزب الله» أم من الحلفاء في 8 آذار، أكثر من غيرهم، أن الصدام غير المبرر مع تيّار المستقبل، والمبالغة في تصوير الخلافات مع رئيس الحزب السنّي الأكبر، أديا بشكل غير مباشر، إلى ظهور التيارات المتشددة في الشارع الإسلامي، وساعدا على إيجاد البيئة المناسبة لنمو مشاعر الغضب والإحباط ، والتي فاقمتها ممارسات التحدي والاستفزاز على الأرض، والاستقواء بالسلاح، على نحو ما حصل في 7 أيار الأسود، وما تبعها من تظاهرة القمصان السود، وما كان سبقها من اعتصامات في ساحات بيروت، عطّلت الحركة الاقتصادية، وزادت الشرخ الاسلامي والوطني عمقاً!

* * *
لم تقتصر عمليات الاستهداف على رموز الاعتدال والوفاق، بل شملت أيضاً رئاسة الحكومة: الموقع والدور، وبأساليب حاولت التركيز على إضعاف رئيس الحكومة، وتطويق صلاحياته، وكأن المطلوب إعادته «باشكاتب» في التركيبة الحكومية، على نحو ما كان حاصلاً في مرحلة ما قبل الطائف!

وخُيّل لكثير من اللبنانيين أن الإجماع السياسي والنيابي غير المسبوق، على تسمية النائب تمام سلام لتأليف الحكومة الجديدة، قد يشكّل منعطفاً مفصلاً، نحو استعادة بعض أجواء الوفاق، والابتعاد عن متاريس الصراعات والخلافات المزمنة، ولكن سرعان ما تبين أن المسألة لا تعدو أكثر من مناورة، هدفها الأول والأساس من فريق 8 آذار، حجز الحصة الوزارية الوازنة سلفاً، وقبل فتح ملف المشاورات والتأليف!

وكانت النتيجة أن البلد وقع في مراوحة قاتلة، بين حكومة مستقيلة، وأخرى عصية على التشكيل والتظهير، وفي كلتي الحالتين، فان موقع رئاسة الحكومة، ودور رئيس الحكومة، يدفعان أثمان هذا المخطط التعطيلي، الذي يزيد الأوضاع الداخلية تردياً!

رئيس الحكومة المستقيل لا يستطيع أن يمارس صلاحياته الدستورية إلا في «الإطار الضيّق لتصريف الأعمال»، وتكاد مهمته الحالية تقتصر على الاستقبالات والتشريفات!

في حين أن الرئيس المكلف تشكيل الحكومة، ينتظر منذ ثلاثة أشهر ونيّف، حلحلة عُقَد التأليف، وخاصة عقدة الثلث المعطل، بعدما تمّ تجاوز صلاحياته التي نص عليها الدستور في تأليف الحكومات بالتعاون مع رئيس الجمهورية، بعد إجراء الاستشارات النيابية (المادة 65 من الدستور).

وكأن المطلوب أن يتحوّل الرئيس المكلف إلى مجرّد صندوق بريد، تتولى الأطراف السياسية، ليس فقط ابلاغه بأسماء مرشحيها لدخول جنة الوزارة، بل وأيضاً تحديد الوزارات التي يرغب كل طرف في الحصول عليها!

ماذا بقي، إذاً، من موقع رئاسة الحكومة؟
وأين الصلاحيات الدستورية التي حدّدت دور رئيس الحكومة في إدارة السلطة التنفيذية ومجلس الوزراء؟

وإلى متى يبقى رئيس الحكومة هو الحلقة الأضعف في تركيبة الرؤساء الثلاثة؟
«الحلقة الأضعف» بالذات، كانت محور نقاش في إحدى جلسات مؤتمر الطائف، حيث اقترح الرئيس حسين الحسيني أن تكون ولاية رئيس مجلس النواب من عمر المجلس، عوض أن يُنتخب في مطلع السنة التشريعية في تشرين من كل عام. احتدم النقاش بين مؤيد ومعارض، عندها اقترح الرئيس صائب سلام أن تكون ولاية رئيس الحكومة أربع سنوات أيضاً طالما بقي فريقه حائزاً على الأكثرية النيابية، وذلك بهدف تحقيق توازن بين الرئاسات، على اعتبار أن رئاسة الجمهورية كُرّست للطائفة المارونية بولاية مدتها ست سنوات، ورئاسة مجلس النواب كُرّست للطائفة الشيعية بولاية أربع سنوات، فلا بدّ من إشعار الطائفة السنّية بشيء من الاستقرار في موقعها بالسلطة، وبين الرئاستين الأولى والثانية.

لم يتوصل النقاش في جلسة الطائف الشهيرة إلى نتيجة، وكان أن تمّ اعتماد نص بإمكانية سحب الثقة من رئيس مجلس النواب بعد سنتين على انتخابه، وذلك إرضاء للرئيس سلام المُطالِب بتحقيق التوازن بين الرئاسات الثلاث!

«الحلقة الأضعف» ظهرت بوضوح في السنوات الأربع الماضية، عندما تجاوز الاستقواء بالسلاح نصوص الدستور، وراح يفرض أعرافاً ومعادلات في الحياة السياسية عامة، وفي تشكيل الحكومات بشكل خاص، لا علاقة لها بأصول اللعبة الديمقراطية، ولا بنص الدستور، ولا حتى بروح وثيقة الطائف!

* * *
بين استمرار الحملة على رموز الاعتدال والانفتاح، والتمادي بتعطيل عملية ولادة الحكومة العتيدة، تتسع مساحة الفراغ في الشارع السياسي السنّي، وتفسح المجال واسعاً أمام الحركات الدينية المتشددة وحلفائها في الإقليم وخارجه، والتي لم تكن، حتى الأمس القريب، تحظى بالرضى والقبول من المزاج السنّي!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل