#adsense

بكركي في مواجهة السلاح… “لا نورَا ولا زيتَا شحّ”

حجم الخط

«مَن لا وطن له لا دين له» عبارة تلخص ببساطتها اللغوية نظرة الموارنة لأهميّة لبنان الوطن والكيان. ليس غريباً أن يلخّص هؤلاء نظرتهم الفلسفيّة السياسيّة للبنان بعبارة مماثلة، وهم الذين عاشوا حياة البساطة المليئة بعمق المعرفة فقادهم عبر العصور بطاركةٌ أصحاب عصي من خشب وقلوبٍ من ذهب، وكانت بكركي دوماً ضمير لبنان لأنّ مجده أُعطي لسيّدها.

لم تتوانَ هذه الكنيسة يوماً عن اتخاذ المواقف الوطنيّة الصرفة في اللحظات المصيريّة من أجل دعم الشرعيّة حفاظاً على الكيان. وفي هذا الإطار، أتى على سبيل المثال نداء الأساقفة الموارنة في 20 أيلول 2000 كما نداؤهم في 3 تموز 2013. إلّا أنّ هذه المرّة وعلى غير عادة يحاول بعضهم إيقاعنا في جدليّة مخادعة انطلاقاً من سؤال ملتبس: “لمن يتوجّه الأساقفة الموارنة في ندائهم الأخير؟” وهنا لا نرى إمكاناً للإجابة على الإلتباس من دون العودة إلى دور الموارنة والميثاق وموقف الكنيسة المارونيّة من السلاح والأزمة السياسيّة.

أولاً، تميّز دور الموارنة في لبنان عن سائر مسيحيّي المشرق من خلال “تعاطيهم المباشر في السياسة على مستويات ثلاثة: داخل الإطار الكنسي برعاية البطريركيّة المارونيّة، وعلى مستوى السياسيّين، ولا سيّما النافذين منهم، وعلى المستوى الشعبي العام”[1]. وهذا التميّز أتى نتاجاً لمساهمة الموارنة عبر العصور في نشر العلم والمعرفة انطلاقاً من الحريّة المتأصلة فيهم دينياً واجتماعياً، والتي كانت عامل اطمئنان للانفتاح على اتجاهات وتيارات في الداخل والخارج، وإن كانت هذه التيارات تختلف معهم ثقافيّاً وسياسيّاً. هذا الإنفتاح على العالم أكسب الموارنة المعرفة وأغناهم برؤية حرّة ركيزتها الأساس هي الحريّة. والحريّة بالنسبة لهم هي “الحريّة المدنيّة السياسيّة، التي بدونها لا مجال للحفاظ على أيّ حريّة أخرى، دينيّة كانت أم غير دينيّة”[2]. من هنا، تكمن أهميّة مسيرة الموارنة في أنها قامت أساساً على مستوى اللغة والثقافة العربيّة المتنوّعة من دون أن تفرض نمطاً معيّناً بالتفكير. فحدّد مصير الموارنة السياسي والإجتماعي، أسسَهم، مفاهيمهم الدينيّة والثقافيّة، وقد عبّروا عن هذه الأسس والمفاهيم من خلال تغليبهم مبدأ الإنفتاح والتواصل في الخيارات الوطنيّة الأسياسية على الإنغلاق والتقوقع، وكان أن “تعاونوا مع الغير بغية خلق إرادة عيش مشترك وهذا ما يشرح رفض الموارنة في أن يكون لهم بلد يتفرّدون به وحدهم، وتفضيلهم دوماً العيش المشترك”[3]. إنطلاقاً مما سبق، كيف يمكن لنا ألّا نفهم موقف الأساقفة الموارنة في 3 تموز 2013 القائل: “لبنان يمرّ في لحظة مصيريّة حرجة يصعب توقّع ما ستؤول إليه إذا لم يحصّن اللبنانيّون عيشهم المشترك ويتمسكوا بالمؤسسات الدستوريّة”؟[4] فهل من الممكن لمن فضّل عبر العصور العيش المشترك أن يرضى لما تشهده البلاد من شحن طائفي ومذهبي؟

من جهة ثانية، ترى الكنيسة المارونيّة أنّ “الميثاق الوطني مشروع حياة، لا لأن اللبنانيين توافقوا على جميع المسائل المطروحة فيما بينهم، بل لأنهم توافقوا على صيغة تقوم على مشاركة حقيقيّة فيما بينهم قائمة على مستوى التوافق والمساواة والتوازن”[5]، لذا، من الطبيعي جداً ان تقف الكنيسة في وجه من يضرب عرض الحائط بـ”المشاركة الحقيقيّة”، ويستأثر بقرار السلم والحرب، ويجرّ اللبنانيين طوعاً إلى أتون حروب وفتن، فقط لغاية لا تتضّح إلّا في نفس الولي. وإنطلاقاً من هذه النظرة للميثاق شدّد الاساقفة الموارنة في ندائهم الأخير على عدم التدخل في النزاع السوري “تحت أيّ مبرّر”[6].

من جهة ثالثة، إنّ الكنيسة المارونيّة وعلى رغم موقفها الواضح من المقاومة إبان الحرب الأهليّة اللبنانيّة والذي عبّرت عنه في النصوص الصادرة عن المجمع الماروني الثاني قائلةً: “إنها هي (أي الحرب) شهدت أيضاً مقاومة فاعلةً وشريفةً، قام بها شباب كثر، ضحّوا بحياتهم، دفاعاً عن اقتناعاتهم، وعن سيادة لبنان وحريّته وكرامته”[7]، لم تتوانَ عن رفض السلاح خارج إطار الشرعيّة. فقد طالبت الكنيسة دوماً، ولا تزال تطالب، بالعودة إلى الثوابت الوطنيّة رافضة الإحتكام إلى السلاح والإستقواء بالخارج لحلّ المشاكل الداخليّة. لأنّ الكنيسة تعتبر أنّ السلاح غير الشرعي “يضرب صيغة العيش المشترك القائمة على ثقافة الإنفتاح والتوسط والإعتدال، لأنّه، وفي مختلف الأحوال، يضرب قيم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان”[8]. من هنا، ليس غريباً على من رفض سلاح المقاومة اللبنانيّة، “الفاعلة والشريفة” والتي قاتلت “دفاعاً عن سيادة لبنان وحريّته وكرامته”، من أجل الحفاظ على العيش المشترك وقيم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان أن يرفض سلاح أيّ “مقاومة” أخرى ويصدر عنه كلام كالذي جاء في نداء الاساقفة الموارنة الأخير الداعي لـ”التخلي عن التنظيمات المسلّحة لصالح القوى العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة”[9]. ونبذ الكنيسة لـ”العمل الحزبي والسياسيّ المقتَرَن بحمل السلاح، بغية الوصول إلى أهدافه الخاصة والنفوذ وفرض إرادته”[10] يأتي في الإطار هذا نفسه.

من جهة رابعة، ترى الكنيسة أنّ “التطوّر الأهم الذي دخل الممارسة السياسيّة في لبنان ما بعد الحرب، تمثّل في تعطيل المساءلة والمبادرة القادرة على الممانعة في الشأن السياسي بالوسائل الديمقراطيّة”[11]. من هنا، تقف الكنيسة موقف الرافض لكلّ ما يعطّل العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة في لبنان، وهنا نسأل من يعطّل تشكيل الحكومة؟ أهو من طالب بحكومة تكنوقراط؟ أم من يطالب بالثلث المعطّل ويهدّد بعدم إمكان تشكيل حكومة من دونه؟ مَن ضرب استحقاق الإنتخابات النيابيّة؟ أهو مَن عمل على إيجاد قانون توافقي بين اللبنانيين يؤمّن صحة التمثيل ويحافظ على الوحدة الوطنيّة؟ أم من رفض هذا التوافق انطلاقاً من حسابات سياسيّة ضيّقة، وأقفل البرلمان ورفض الإحتكام إلى ديمقراطيّة التصويت؟ الإجابات الواضحة على هذه الأسئلة تؤكد لنا موقف الكنيسة من الحراك السياسي في لبنان وهي الرافضة لتقويض الديمقراطيّة والمتمسكة بمبدأ المساءلة والمبادرة القادرة على الممانعة. زد على ذلك، مطالبةَ الكنيسة الدائمة بتطبيق اتفاق الطائف نصاً وروحاً وبشكل عادل شامل غير مجتزأ او مسيّس. وهذه المطالبة تكرّرت مرات عدّة على لسان البطريرك وأتت واضحة في نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني “يجب قبل كلّ شيء تحقيق الوفاق الوطني، بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني نصاً وروحاً”[12]. وهنا، لا حاجة للتذكير ببند حلّ الميلشيات الوارد في هذه الوثيقة التي لم تأتِ بأيّ شكل من الأشكال على ذكر “المقاومة” أيّاً تكن هذه المقاومة.

إنطلاقاً مما تقدّم، وبالعودة إلى البدء هل من عاقل يسمح لنفسه مجرّد المجادلة في مسألة لمن تتوجه بكركي في بيان الأساقفة الموارنة الأخير؟ هل من عاقل يمكنه القول “إنني لم أرَ أيّ شيء في نداء المطارنة الأخير ضدّ “المقاومة” (أي حزب الله) وسلاحها، لأنّ سلاحها شرعي بحكم البيانات الوزاريّة للحكومات المتعاقبة، والبيان تحدّث عن السلاح غير الشرعي؟”[13]. فهل يمكن لعاقل إنكار دور “حزب الله” في الشحن الطائفي والمذهبي في البلاد؟ بكركي واضحة في نبذ هذا الشحن وكلّ من يساهم فيه. هل يمكن لعاقل إنكار استئثار الحزب بقرار السلم والحرب وضربه المشاركة الحقيقيّة في الدولة؟ الكنيسة المارونيّة واضحة في رفضها ضرب “المشاركة الحقيقيّة” في النص السياسي الصادر عن مجمعها البطريركي الثاني وهذا ما ذكرناه أعلاه. هل يمكن لعاقل أن ينكر أن شجب الأساقفة الموارنة للتدخل في النزاع السوري “تحت أيّ مبرّر” ليس موجهاً لـ”حزب الله” تحديداً؟ هل يمكن لعاقل أن ينكّر أنّ تعبير الأساقفة عن رفضهم لـ”العمل الحزبي والسياسيّ المقترن بحمل السلاح” ليس موجهاً حصراً لـ”حزب الله”؟ هل يمكن لأحد في ظلّ تمسك الكنيسة بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني أن ينكر انّ موقفها الرافض للسلاح غير الشرعي إنما ينطلق أساساً من رفضها لسلاح “حزب الله”؟.

بعد كلّ ما تقدّم إن لم نرتكز على ما قاله البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في أنّ “لبنان بحاجة لصوت الشباب من اجل دعم “القوات المسلحة” المنصوص عليها في المادة 49 من الدستور، التي قائدها الأعلى رئيس الجمهورية، وتخضع لسلطة مجلس الوزراء، فإنّ كل سلاح خارج هذا الإطار يعتبر غير شرعي، ويستجلب بالمقابل سلاحاً غير شرعي، فتعمّ شريعة الغاب وتكثر الجرائم، كما نرى بكثير من الأسف”[14]. في النهاية، يبقى الأساس هو الأساس “بكركي من عركي لعركي لا نورا ولا زيتا شحّ كلن عن يحكو تركي وحدا بكركي بتحكي صح”.



[1] نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني، الملف الثالث “الكنيسة المارونيّة وعالم اليوم”، النص 19 “الكنيسة المارونيّة والسياسة”، فقرة 1، ص. 363.

[2] نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني، الملف الثالث “الكنيسة المارونيّة وعالم اليوم”، النص 19 “الكنيسة المارونيّة والسياسة”، فقرة 8، ص. 364.

[3] نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني، الملف الثالث “الكنيسة المارونيّة وعالم اليوم”، النص 19 “الكنيسة المارونيّة والسياسة”، فقرة 3، ص. 363.

[4] نداء المطارنة الموارنة في 3 تموز 2013، الفقرة 1.

[5] نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني، الملف الثالث “الكنيسة المارونيّة وعالم اليوم”، النص 19 “الكنيسة المارونيّة والسياسة”، فقرة 17، ص. 367.

[6] نداء المطارنة الموارنة في 3 تموز 2013، الفقرة 6.

[7] نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني، الملف الثالث “الكنيسة المارونيّة وعالم اليوم”، النص 19 “الكنيسة المارونيّة والسياسة”، فقرة 27، ص. 369.

[8] المرجع ذاته.

[9] نداء الأساقفة الموارنة في 3 تموز 2013، فقرة 2.

[10] المرجع ذاته.

[11] نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني، الملف الثالث “الكنيسة المارونيّة وعالم اليوم”، النص 19 “الكنيسة المارونيّة والسياسة”، فقرة 30، ص. 370.

[12] نصوص المجمع البطريركي الماروني الثاني، الملف الثالث “الكنيسة المارونيّة وعالم اليوم”، النص 19 “الكنيسة المارونيّة والسياسة”، فقرة 31، ص. 370.

[13] عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب نواف الموسوي، برنامج “كلام الناس”، 4 تموز 2013.

[14] البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، عظة قداس الشبيبة الثاني في بازيليك سيدة لبنان، 14- تموز 2013.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

One response to “بكركي في مواجهة السلاح… “لا نورَا ولا زيتَا شحّ””

خبر عاجل