نعي بري لقوى 8 آذار لم يغيّر سلوكها وهي ماضية في سياسة إحداث الفراغ الشامل
يبدو أن نعي الرئيس نبيه بري لقوى 8 آذار لم ينفع في تغيير عادتها التي دأبت على ممارستها منذ عام 2005 من دون كلل ولا ملل، أي إما أن تحكم وحدها أو تتحكّم بحكم غيرها حتى لو أدى ذلك إلى الفراغ. لذا نجحت في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة وشكل الحكومة كما تريد من خلال تهديدها بالفراغ أو فوضى الشارع.
لقد اقترح الرئيس بري أن يقدم كل مكوّن من مكونات 8 آذار أسماء من يرشح لدخول الوزارة، فكان الجواب أن كل مكوّن من مكوناتها يريد أن يعرف أولاً الحقائب التي ستسند إليه كي يعطي لكل حقيبة الاسم المناسب لها… مع تمسك العماد ميشال عون بحقيبة النفط والطاقة لكي يكمل الوزير جبران باسيل ما بدأ فيها.
وهذه بدعة في تاريخ تأليف الحكومات لم ينص عليها أي دستور. واقترح الرئيس بري أيضاً إسقاط “الثلث المعطل” في تأليف الحكومة كي لا يظل موضوع خلاف، فكان الرد على ذلك وجوب احترام الميثاق شرطاً لاستمرار الحكومة، أي إن أي مذهب يسحب وزراءه من الحكومة تصبح غير ميثاقية إذا لم يعين بدائل منهم، وهو شرط لا نصّ له في الدستور الذي يعدد الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة.
وعلى رغم نعي الرئيس بري لقوى 8 آذار وتوقّع البعض ابتعاد العماد عون عن “حزب الله” بعد تركه وحيداً في مواضيع كثيرة منها التمديد لمجلس النواب واستعداد للتمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، فإن عون ردّ على من توقّعوا ذلك بتأكيد استمرار تفاهمه مع “حزب الله” خصوصا في المواضيع الاستراتيجية وقوله انه لن يشارك في الحكومة إذا لم يشارك “حزب الله”.
وبعودة قوى 8 آذار الى عادتها القديمة الجديدة يكون الأدهى أي تعريض البلاد لخطر فوضى الفراغ الشامل بدءاً بالخلاف المفتعل على قانون الانتخاب ليصبح التمديد لمجلس النواب أمراً لا مفرّ منه، والاصرار على تشكيل حكومة “وحدة وطنية” مع علمها أن هذا مستحيل بسبب الخلاف على الموقف من الأزمة السورية، وهو خلاف إذا لم يعالج فإنه قد يشعل فتنة داخلية تدمر لبنان وقد لا تقوم له قيامة بعدها، وإلا فماذا يعني إصرار قوى 8 آذار على تشكيل حكومة “وحدة وطنية” في ظل الخلاف على الموقف من الأزمة السورية، عدا الخلاف على السلاح خارج الدولة.
إن موقف قوى 8 آذار هذا يضع الرئيس المكلف تمام سلام بين خيارين: إما الاعتذار وهو ما تريده كي تستمر حكومة تصريف الاعمال لأن أي رئيس آخر يكلف تشكيل الحكومة سوف يواجه ما يواجهه الرئيس سلام في ظل الظروف الراهنة فتكون النتيجة واحدة وهي الفراغ، وهو ما تريده قوى 8 آذار عندما لا يكون الحكم لها، وإما أن يشكل الرئيس سلام حكومة من شخصيات مستقلة بألوانها السياسية الرمادية وغير الفاقعة توحي بالثقة وترضي الجميع بأعمالها وليتحمّل عندئذ من يحجب الثقة عنها المسؤولية أمام الله والوطن والمواطن فيضطر الرئيس ميشال سليمان الى التنبيه والتحذير من عواقب حجب الثقة ومن الفراغ القاتل في كتاب يوجهه الى مجلس النواب ويضع فيه الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والوطنية.
ولا بد للنائب وليد جنبلاط في هذه الحالة من أن يختار بين منح الثقة للحكومة أو الفراغ فيتصرف كما تصرف قبلا حرصا منه على السلم الاهلي عندما ساعد على تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لأن المسدس كان مصوباً على رأسه، أما الآن فالمسدس مصوب إلى رأس لبنان وكل اللبنانيين… أفلا يستحق ذلك من جميع القادة المخلصين إنقاذه بحكومة من خارج القوى المتخاصمة والمتناحرة؟
الواقع أن قوى 8 آذار إذا كانت مصممة على المضي في تنفيذ سياسة الفراغ الشامل فلا شيء يثنيها عن ذلك سوى تبدل الوضع في سوريا لمصلحة الثائرين على النظام، أو قيام تفاهم سعودي – ايراني، وإلا فإن لبنان سائر نحو الفراغ الشامل وربما الفتنة. وقد بدأ الفراغ بتعطيل إجراء الانتخابات النيابية في موعدها بافتعال خلافات على قانون الانتخاب بحيث انه إما يكون لمصلحة قوى 8 آذار أو لا يكون قانون، فصار التمديد لمجلس النواب، وخلاف آخر على جدول أعمال جلسات المجلس وإلا فلا جلسات، وإما حكومة ترضى بها قوى 8 آذار أو لا حكومة، وإما تعيين قادة جدد أمنيين وعسكريين أو التمديد للحاليين أو يكون فراغ، وليحل بالبلاد والعباد ما يحل، فهذا آخر هموم 8 آذار… والأخطر من كل ذلك ان يتعرض لبنان لخطر الفراغ الرئاسي إذا أصرت 8 آذار على رفض التمديد للرئيس ميشال سليمان إذا كان هذا هو الحل الوحيد المتاح ولم يتم التوصل إلى اتفاق على مرشح مقبول من كل القوى السياسية الاساسية في البلاد، وكان العماد عون لا يزال عند رأيه، وهو أنه المرشح الوحيد المستحق أكثر من سواه لمنصب الرئاسة الأولى، وإلا فلا نصاب لجلسات الانتخاب.
والسؤال الذي يقلق بال كل الناس هو: هل تبلغ سياسة الحقد والكيد والنكايات عند بعض القادة حد التضحية بمصالح البلاد والعباد ولا من يرحم؟!