إذاً يتفرّغ نواب كتلة “الوفاء للمقاومة” والمسؤولون في “حزب الله” للهجوم على “المستقبل”، منطلقين في الحديث عن الأحجام، أي أحجام الكتل، وعن التمثيل الحكومي للكتل النيابية، وصولاً الى اتّهام “المستقبل” بالتعطيل، مروراً بالمزايدة عليه في احترام الجيش اللبناني…
فالمفارقة منذ البداية تكمن في توصيف “حزب الله” لـ”المستقبل” على أنه حزب وليس تياراً. والواقع أن ما ينطبق على “حزب الله” لا ينطبق على تيار “المستقبل”. فسياسياً الحزب معروف بأنه يطبّق الأفكار التي يرسمها مسبقاً ويلزم بها كل أعضائه وعادة ما يتّخذ مجالاً لنفسه، فيما التيار هو التقاء أشخاص حول منهج معيّن أو فكرة معيّنة… والدليل على ذلك أن “المستقبل” متعدد طائفياً ويملك أعضاؤه نواباً وناشطين في حرية التعبير عن رأيهم… فهل هذا هو حال “حزب الله” إن كان الحزب هو الذي يضع بنفسه إطار علاقة حليفه به؟
أما المنطق الجديد الذي يتبنّاه “حزب الله” اليوم فهو منطق “المصلحة الوطنية” الذي قلّصه الحزب في العام 2011 إلى المصلحة الحزبية أو مصلحة النظام السوري… ما زال من المبكر الحديث عن مصلحة وطنية! وأين كانت المصلحة الوطنية أو المصلحة العامة التي يحتكم إليها الحزب اليوم حينما شكّل حكومة بشار الأسد في لبنان وحين اقتحم بيروت… فهل ما يقوم به يندرج في خانة الوحدة الوطنية، والمواقف التي يدلي بها شركاؤه في الوطن تنطوي على المصالح الضيّقة؟ وهل يحقّ للحزب أن يتحدث عن مصلحة الوطن بعدما عاث في الوطن فساد السلاح والمسلّحين والقتل أمام السفارة الإيرانية وبعدما قاد لبنان الى أبواب الحرب الأهلية؟
في هذا الإطار يسأل عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب نواف الموسوي “هل يلتزم حزب المستقبل المصلحة الوطنية؟ بل على العكس من ذلك فإنه يعتمد سياسة التصعيد والمواجهة، ويبادر إلى افتعال المشكلات ووضع العراقيل والشروط لكي تكون الحكومة حكومة أمر واقع، وحكومة لا تشكل حقيقة ما يشكله لبنان من تنوع وتعدد”. فلو كان تيار “المستقبل” يسعى بالفعل إلى وضع العراقيل لما كان وافق في العام 2009 على تشكيل حكومة وحدة وطنية، والجرح كان لا يزال ينزف جراء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري… لكن “حزب الله”، الذي يريد أن يأكل العنب وأن يقتل الناطور في آن، أعلن انقلابه على حكومة الوحدة الوطنية واستبدلها بحكومة أقلية مزوّراً فيها إرادة الأكثرية… فلمَ يريد “حزب الله” اليوم إحياء الوحدة الوطنية التي قضى عليها في السابق؟
وبدوره، يقول نائب رئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق إن “حزب المستقبل ليس بحجم أن يضع أي فيتو على مشاركة حزب الله في الحكومة، بل هذا أكبر من حجمهم ودورهم”. ويتابع: “لا تضيعوا وقتكم ولا تلعبوا بمصير البلد”. بين الكمية والنوعية، يصبّ “حزب الله” كامل اهتمامه على الكمية أو الحجم، وهذا الحجم كان سيبدو واضحاً في حال أُجريت الانتخابات النيابية… أما وقد رفضت أحزاب قوى 8 آذار مناقشة كل المقترحات الجامعة بين الأحزاب، فقد يشكل عدم إجراء الانتخابات نقطة إضافية لإخفاء حجم الحزب الشعبوي الحقيقي خصوصاً بعدما باتت غالبية الجمهور حاقدة على ممارسات الحزب في سوريا.
وحده “حزب الله” من يجرؤ على استخدام الفيتو في لبنان، فشكّل حكومة لا تخدم المصلحة الوطنية، واليوم لو كان باستطاعته أن يشكل حكومة مماثلة لما كان سيقصّر، إلا أن الضائقة الداخلية والإقليمية التي يعيشها لا تسمح له بالحراك الموسّع… ويكشف عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد عن قدرات المقاومة فيقول: “إن المقاومة لا تزال تملك قدرة التسامح مع من أخطأ معها وفي حقها شرط أن يعيد هؤلاء النظر في رهاناتهم وخياراتهم البائسة”. ففي كل مرة تذكّر المقاومة الإيديولوجية الشعب اللبناني بأنها مترفّعة عن كل الأخطاء، وبأنها المرجع الوحيد لطلب المغفرة والسماح وبأنها كرسي الاعتراف للقلوب التائبة…
وبعد عامين من فشل “حزب الله” في إدارة أمور المواطنين، سيتفاجأ اللبنانيون طبعاً بكون “حزب الله” ليس مؤمناً فقط بفكرة التسامح، إنما هو يسوّق أيضاً لفكرة مشاركته في تذليل العقبات، حيث أكّد رعد “أننا نريد حلاً لمعضلة الحكومة ونريد أن نسهل على الرئيس المكلف تشكيل حكومة تستطيع أن تنهض بمسؤولياتها”. كان اللبنانيون يجهلون حتى الأمس بأن “حزب الله” يتحلّى بالقلب المنفتح على كل الآراء، وبأنه يضيء “أصابعه العشر” ليرضي اللبنانيين، لكنهم كانوا دائماً يطلبون المزيد… في ما مضى كانت صورة “حزب الله” تبدو مختلفة تماماً، كان الحزب بقمصانه السود يقتحم بيروت، يهدد بالسلاح، يوزّع البقلاوة، يطلق النار أمام السفارة الإيرانية، يقاتل الشعب السوري، يحكم البلد منفرداً، يفسّر المصلحة الوطنية كما كتبها في قاموسه… صورة الحزب لن تتغيّر في عيون اللبنانيين مهما وجّه من اتّهامات لتيار “المستقبل” لتسويق نفسه على أنه “نازل من القفة”، فلا ينتظر أحد من ممانعيه أن يطلب حرٌّ منه السماح…