#adsense

ربيع عربي “يخالف” الثورات المخملية

حجم الخط

 

صارَ شبه مسلّم به أنّه، وباستثناء الحالة التونسية ربّما، تسلك الانتفاضات المدرجة تحت عنوان “الربيع العربي” مساراً مختلفاً بشكل نوعيّ عن نموذج “الثورات المخملية”، أي النموذج الذي سادَ بأشكال متنوعة في موجات التوسّع الديموقراطيّ التي عرفها العالم في العقود الأخيرة، سواء مع سقوط الديكتاتوريات في الجنوب الأوروبيّ (اليونان، إسبانيا، البرتغال) في السبعينات، أو مع سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات، أو مع التحوّل في الاتجاه الديموقراطيّ في أكثر بلدان أميركا اللاتينية وفي كوريا الجنوبية وتايوان واندونيسيا وغيرها.

ونسترجع موجات “الثورات المخملية” هذه مع التنبيه الى ثلاثة أبعاد أساسية:
أوّلها، أنّه في كثير من البلدان التي عرفت “ثورات مخملية” ناجحة، كان النظام الديكتاتوريّ نفسه من أمّن موضوعياً شروط تجاوزه، إن يكن من حيث إحراز تحديث اقتصادي ناجح ولو قسراً (فرانكو، بينوشيه)، أو من خلال انشقاق المجتمع المدني عنه بشكل مزمن (النموذج البولوني بكنيسته ونقابيته). وفي بلدان أوروبا الشرقية أيضاً، فإن الهياكل الصدئة للأحزاب الشيوعية نفسها، كما الأحزاب الشكلية العلنية الأخرى التي كانت متواجدة في هذه البلدان (كحزب الاتحاد الزراعي في بلغاريا)، أمكن إعادة تدويرها واستخدامها بشكل ديموقراطي بعد ذلك، ولم يجر الفرز مطوّلاً بين “فلول” و”ثوار”.

وثاني الأبعاد، أن “مخملية” هذه الثورات كانت توازيها حروب أهلية ونزاعات عرقية دامية في بلدان وأقاليم متاخمة (يوغوسلافيا، ألبانيا، القوقاز، مولدافيا).

أما ثالثها، فيتصل بالانتكاسة التي أصيبت بها، خلافاً لسابقاتها، الموجة الأخيرة من التوسّع الديموقراطي الليبرالي، المتوغّل في العمق “السوفياتي” (أوكرانيا، جيورجيا، قرقيزيا)، والتي استوحت نماذجها هي أيضاً من “الثورات المخملية”، وألهمت بدورها “مشهدياً” الربيع العربي (أي جعلته قابلاً للتخيّل)، لأنها ركّزت بشكل محوريّ وسحريّ نوعاً ما (مع كل أوهام الـ”شبيك لبيك”) على مفهوم الساحة (ميدان نيزاليجنوستي في العاصمة الأوكرانية كتمهيد لميدان التحرير)، واستندت الى التغطية الإعلامية المكثفة.

لقد سبقت هذه الموجة الأخيرة انتفاضات “الربيع العربي” وانتكست قبل حدوثه. وما لم نتعلّمه من انتكاستها، لا سيما في أوكرانيا، هي أمور ثلاثة أساسية، تكفّل الربيع العربي بتعليمنا اياها، على طريقته، بقسوة.

أوّلها، سذاجة المنظار “الليبراليّ” البحت، المتوهّم أنّ العالم الحرّ يتوسّع بشكل تدريجي، انسيابي، وبحتمية ليس ثمة ما يوقفها أو يردعها، وبعين غربية ناظرة، وساهرة، وحامية. وثانيها، أنّ البنى والقوى المعادية للمسار الدستوري-التعدّدي هي بألف وجه، وتمتلك ديناميات تجدّد، تتقوى بهشاشة اقتصاد السوق الحرّ نفسه، وبسذاجة التصوّر الليبرالي الذي يعتبر أن “حسم الصراع” في ساحة العاصمة له فعل أوسترليتز سياسية “فاتحة” في مسيرة ترسيخ الديموقراطية. وثالث هذه الأمور، أنّه، وبدلاً من أن يتوقف طلاب التغيير في عالم اليوم مليّاً أمام هذه الموجة من المطالبة الشعبية بالحرّية، طغت تقليعة رمي هذا الحراك بأنه محض مؤامرة امبريالية غربية.

في البلدان العربية التي أصابها “الربيع” أيضاً، انتشر الاعتقاد الواهم بأنّ الديموقراطية لعبة دومينو لا يوقفها مانع، لكن شيئاً فشيئاً باتت مسحة من “الحرب الأهلية العربية” تغزو مشهد الربيع العربي، وتنزع عنه شبهة “المخملية” التي لفحت بداياته. وهذه المسحة، تتحوّل الى واقع مأسوي كامل، في بلد كسوريا، بين نظام لا يجد من شرعية لديه غير شرعية إدارته الحرب الأهلية، لا كحكم طبعاً، وإنما كالجزّار الأوّل فيها، وبين أجواء من الانقسام الحاد في البلدان الأخرى، المشغولة بالقسمة الأهلية بين إسلاميين وغير إسلاميين، إنما بأشكال تسمح للأهواء البونابرتية أن تجدّد نفسها. والبونابرتية نسبتها أساساً لنابليون الثالث، وانقلابه عام 1851 على الجمعية الوطنية والجمهورية من موقع الاحتكام الى الشرعية الشعبية التي كانت فعلاً معقودة اللواء له، وإيثاره تشييد صرح مركزي، سلطويّ، شخصه فيه مركز السلطة “المستمدة” من الشعب، و”المتصلة” بالشعب “مباشرة”.
الفارق أنّه يوم تمكّن رئيس الجمهورية الفرنسية الثانية لويس بونابرت، الذي سيصبح لاحقاً الامبراطور نابليون الثالث، من انقلابه على البرلمان والجمهورية، لم يواجه إلا بتظاهرات محدودة الحجم، ونداءات للتمسّك بـ”الشرعية الدستورية” ظلت حبراً على ورق إلا في حقد مزمن لكاتب كفيكتور هوغو عليه. أمّا الحالة المصرية اليوم، فهي أعقد من ذلك، ليس لأنه يعوّل كثيراً على تظاهرات “الإخوان”، خصوصاً وأن هؤلاء عندما يتمسّكون الآن بالشرعية الدستورية ضد تلك الانقلابية – الشعبية فإنهم بخلاف جمهوريي فرنسا اليائسين في مقاومتهم لنابليون الثالث عام 1851 يلبسون ثوباً لا يشبههم، ولا يعملون كثيراً كي يشبههم.
مع ذلك، فإنّ الإنقسام الأهلي لن يقلّ حدّة، خصوصاً وأنّ الربيع اليوم، وهو يتسم بمشهد “الحرب الأهلية العربية”، لا يزال يتحرّك بين خيارات إقصائية: إقصاء الأقليات الدينية، إقصاء التيارات الإسلامية، إقصاء المرأة، إقصاء الفلاحين. أنماط أساسية من خطاب الإقصاء، كلّها تجذّر الانقسام الأهلي الحاد.

والطامة الكبرى تبقى أن من يتعرّض لسياسة إقصائية (كالإخوان اليوم) يستمرّ في غيّه الإقصائي (ضد الأقباط، ضد المرأة)، في حين أنّ من يسعد بـ”الشرعية الشعبية” يرى مدناً وحواضر، ولا يرى الفلاحين، ولا الأرياف.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل