Site icon Lebanese Forces Official Website

صوتّنا من راسنا

في مواسم شحّ الشّفافيّة السياسيّة وتعدّد السّحنات لدى المُتزعّم الواحد، بات الوضع يتطلّب مساهمةً في تبديد السّموم التي حوّلت البلاد الى خيمة تهريج. والأمر هذا يتجاوز السياسة وتعاريجها الى الأخلاق، وكأنّ الخَيار اليتيم أمام بعض الغَيارى الوطنيّين من المسؤولين والقادة رَسا على الكذب. إنّ أقرب مثال إلينا، زَمَنيّاً ، كان تَشَدُّق واحدهم بالقول: “نحنا صوتنا من راسنا”، في حين الكلّ يعرف، ومن دون جهد أو استقصاء، أنّ هذا ” الصّوت”  العالي النّبرة ينطلق عبر الأثير من موقع بعيد عن مكان إقامة المُتَشَدِّق الذي يتلقّى الصّوت في حَلقه ويَنطُق بما يحمله.

 من المُبكر الإعلان عن إفلاس هذا النّموذج من زعماء التَلَقّي والإدّعاء والمُراوغة، الذين لا يغفلون، في قرارة نفوسهم، عن حقيقة صارخة وهي أنّه حيث يكون الصّوت، لا الصّدى، يكون القرار. وتأجيل الإفلاس رهنٌ بإستمرار إثنتين: حاجة المُرسِل الى استخدام حَلق الببّغاء لمَزيد من التّغطية، ولو الشّكلية؛ وقابليّة المُصفقّين الغائبين عن الوعي، في إيهام الببّغاء بأنّه كَنارٌ يطربون لتغريده. وإذا كنّا لا نتعاطف مع المُرسِل المُغرِض الذي بات مُنكَشِفاً في أهدافه المُدَمِّرة للكيان ولمشروع الدّولة، غير أنّه لا يمكننا الجَزم بأنّ المَسّ استشرى في المُصفّقين فباتت المعركة لإستئصاله خاسرة ولا تغيير في الأفق، لكنّنا نأمل في خضّة مفصليّة تعيد المّمسوسين الى الصحّة الوطنيّة والإعتدال العقلي، بعد أن نفّذ فيهم زعماؤهم إحتلالاً مُتَراكِماً لمناطق التفكير والإستدلال، وزعماؤهم ليسوا مُبتَدِئين في الإقتصاص من عناوين العقل.

 إنّ مَثَل هؤلاء الزّعماء هو كمَثَل مَكتومي القَيد ولكن أخلاقياً، فهم مُصابون بالكَذب المَرَضيّ، وأصحاب خَيال خَصب في التّزييف والغِشّ، حتى أنّ المَيل المُفرِط الى الكّذب صار معهم عقيدةً وسلوكاً مُتَعَلَّماً وبات بالتالي إلزاميّاً. أمّا نجاحهم ففي أنصارهم الذين يلتبس عليهم الأمر فيستمرّون في تصديق هذه الأكاذيب المُقَنَّعة والحِجج البائسة، كونهم لا يفتقرون الى مَرجَعيّة تقرّر منطقيّتها. وإذا كان الصّدق في الرّجال أصل المَحمودات، فأَسوأ الأدواء في الزّعماء عندنا، خُلق النِّفاق في ما يَنتُج عنه من ضرر وخطر جَماعيّين، حتى صُنِّف من الذّنوب الكبيرة .

 أيّها المُستَخِفّون بالحقيقة والمعصومون عن الصّدق، لقد نَظَمتم الأوهام حتى جعلتم الوطن قبراً مَفتوحاً وجَثَمتم على رؤوس أهله. إنّ صوتكم ليس من رأسكم، فهو لم يكن يوماً كذلك ليقلب الآية، فكفاكم كَذِباً.

Exit mobile version