اذا كان الرهان اليوم بين الافرقاء الخصوم، على سياسة عض الاصابع بانتظار من يقول آخ قبل الاخر، فان الفترة الانحدارية باتجاه الفراغ الكامل، ستكون هي المنتصر في هذه اللحظة الاسوأ من تاريخ لبنان – قديما وحديثا، حيث الشعب اللبناني، هو الفريق الثالث الذي يتألم ويتوجع ويصرخ آخ دون ان يلقى اهتماماً او تعاطفا مع ألمه ووجعه خصوصا من الفريق القادر على اعادة لبنان واحة سلام واستقرار، بمجرد ان يلتزم بالدستور والقوانين والاتفاقات التي تنص على امرين اثنين لا ثالث لهما: كل اللبنانيين من دون استثناء تحت سقف الدولة، ولبنان بلد حيادي ولو لفترة محددة.
مطلق لبناني حريص على مصلحة وطنه، واهدافه لبنانية بالكامل، لن يفكر لحظة بهذا الخيار، ولن يتلكأ عن تنفيذه، لان كل ما تبقى لا قيمة له في الوطنية واللبنانية، ولان الحسابات الاخرى تكون في مكان آخر، خصوصا ان اي تنازل في هذا الاتجاه هو تنازل لمصلحة لبنان اولا واخيرا، وليس لمصلحة هذا الفريق او ذاك، او هذا المذهب او الطائفة، ومن المفيد بالنسبة الى جميع اللبنانيين، بعد نزع فتيل تفجير لبنان، التوجه فورا الى حوار للتفاهم حول اي لبنان نريد ان نعيش فيه، هل في ظل حكم الطوائف والمذاهب ورجال الدين المنغمسين في السياسة والخلافات والمناكفات، او في ظل دولة مدنية حديثة، الدين فيها لله والوطن للجميع، او في لامركزية ادارية موسعة، تأخذ كل منطقة امورها بايدي اهلها وسكانها، مع دور جامع ومؤثر يتفق عليه للجيش الوطني والعملة الوطنية.
ان استمرار الامور، على ما هي عليه اليوم، هو انتحار جماعي، لانسداد الافق امام اي حل او تفاهم، واذا كان الجميع متفقين على ان الحلول العسكرية مستحيلة في لبنان، مهما كان هذا الفريق قوياً ومسلحاً، والاخر ضعيفاً واعزل فان التوافق والتفاهم يكونان عندها الممر الاجباري، لايجاد الحلول، لكن تجربة ثلاث عشرة سنة، هي عمر التحرر من الاحتلال الاسرائيلي، اثبتت ايضا استحالة التوافق والتفاهم بين مكونات الشعب اللبناني، لايجاد حل ينقذ لبنان وصيغة عيشه المشترك، والسبب بكل بساطة ان هناك جهة وصل حجمها الى درجة انها لم تعد ترى وتسمع وتقرأ اي مكون آخر يعيش معها وبقربها والى جانبها، تفعل ما تريد، وتفرض ما تريد وتعرقل ما تريد، الى درجة ان هناك زوايا هامشية يمكن تدويرها لحل اشكال او مشكل، ترفض هذه الجهة حتى البحث فيها، والمثل الاكثر تعبيرا عن هذه الحالة الرفضية، جلسة مجلس النواب التي دعا اليها رئيس المجلس نبيه بري وفخخها بعدد كبير من مشاريع القوانين، ورفضتها اكثرية كتل المجلس لخلفيات مختلفة، وتعطل النصاب بالامس بسبب هذا الرفض، ومع ذلك يصر رئيس المجلس على تحديد مواعيد جديدة لعقد هذه الجلسة رغم الخلاف العميق على دستوريتها. وكأنه يريد تفجير مجلس النواب بفائض القوة الموضوع بتصرفه، دون الاخذ في الاعتبار ان البلاد تئن من الضائقة الاقتصادية ومن ضائقة مالية منتظرة عند بدء ترحيل اللبنانيين من الخليج، ومن ضغط النازحين السوريين والفلسطينيين، ومن هدر المال العام في الوزارات المستقيلة، وفي الالتزامات المدبرة، وصرخة وزير الداخلية العميد مروان شربل بعد زيارته سجن روميه خير شاهد على ذلك بالاضافة الي الاحداث الامنية المتنقلة المقلقة، التي تربك الجيش والقوى الامنية لانها في معظمها تأخذ طابعا مذهبيا، ويجب مقاربتها بكثيرمن الحذر والوعي حتى لا تفرط نهائيا الدولة الواقفة على «صوص ونقطة».
***
هناك في لبنان وخارجه، محللون ومطلعون يجزمون بأنه لن تقوم قائمة بعد الان، لاي استحقاق دستوري، لا في موعده ولا في غير موعده، مما يعني ان النواب الممددة ولايتهم سيلازمون بيوتهم لان ابواب مجلس النواب ستقفل عمليا وطبيعيا لاسباب عدة، واي حكومة جديدة لن ترى النور، ولن تحصل انتخابات رئاسية في موعدها، والانتخابات النيابية على كف عفريت والغريب العجيب ان احد نواب 8 اذار صرح منذ مدة ان شروط 14 اذار وخصوصا تيار المستقبل هي المسؤولة عن الوضع القائم المتأزم وحتى لو وصلنا الى الفراغ لا تراجع من قبلنا.
وطننا لبنان اصبح برسم البيع!!!!