#adsense

الشرعية في صناديق الاقتراع لا في المقاومة وسراياها

حجم الخط

 

في أحد أحياء رأس النبع، يلفت الانتباه تجمع لشبان في زاوية إحدى البنايات، شبان يحتلون الرصيف علناً، يمنعون وقوف السيارات، أسلحتهم مخبأة تحت القمصان، ظاهرة للعيان المدققين، سيارة فقط مسموح لها البقاء في مكانها، هي ذلك “الفان” الذي يبيع القهوة وتبعاتها من دون أن يعرف أي شخص مَن هو صاحبه ومَن يعمل عليه، إذ لا أحد يقف أمامه بشكل دائم مما يؤكد أنّ “الفان” ليس للاسترزاق وإنما لشيء مختلف تماماً، تكشفه هيئة الشباب المتجمعين الذين يلعبون الورق وسط “الأراكيل” المنتشرة حولهم وعيونهم على المارة، مَن يدخل ومَن يخرج ومَن يركن السيارة ومَن يشتري من بائع الخضار أو “السوبر ماركت” القريبة، وبحميتهم طبعاً، هناك ممنوعات ومسموحات، بحسب المزاج وبحسب المعارف، إنها بؤرة أمنية واضحة، تتبع “حزب الله” وحليفه في حركة “أمل”، شباب لا يعمل من مجموعات “سرايا المقاومة” بالتأكيد، لكونهم يضمون أحياناً في مجموعتهم شباناً من الحي قاتلوا خلال الحرب الأهلية الى جانب أحزاب يسارية وعلمانية، لم يكن يجمعهم أي جامع بعصابات “أمل” التي كانت تزرع الرعب في نفوس أهالي ذلك الحي بعد هيمنتها إثر ما يسمى انتفاضة 6 شباط، وتهجير العائلات المسيحية والاستيلاء على منازل ومصادرة ممتلكات من المحال وغيرها، وفتحها الطريق أمام دخول “حزب الله” إلى المنطقة لاحقاً عبر انتشار مشاهد كانت غريبة عن المنطقة المختلطة طائفياً ومذهبياً، من نوع “التشادور” الأسود وانتشار الشعارات الصفر عن الاستكبار.

ظهرت هذه المجموعة وأخرى غيرها في بيروت إثر أحداث 7 أيار 2008 وبقيت موجودة، تارة ترتدي القمصان السود علناً وتارة أخرى تتخفّى باللباس المدني، مرة تظهر سلاحها لتخيف علناً ومراراً تخفيه وتبقى سلطته قائمة.

هؤلاء الشبان هم من خلايا “سرايا المقاومة” التي يزرعها “حزب الله” في المدن والمناطق اللبنانية التي لا يسيطر عليها ضمن مربعاته الأمنية الخالصة الانتماء، ووظيفتهم معروفة في إطار مخططات “حزب الله” الفتنوية، على غرار شقق عبرا والمجموعات التي يسلحها ويرعاها في طرابلس أو تلك التي تنفذ له أوامره بطريقة غير مباشرة، على طريقة قبضايات الأحياء، التي لا يستطيع أحد التصدّي لها طالما أنها مستعدة للقيام بالمهمّات القذرة من أجل نصرة الحزب الإلهي تحت مروحة “المقاومة” التي تتسع للكثيرين من أيتام النظام السوري.

مجدداً تتناول وسائل الاعلام قيام “حزب الله” بتدريب مجموعات من السرايا في البقاع، وتشير الى أن “تربية الشبيحة” مستمرة من أجل انطلاقة جديدة بعد عبرا حيث هناك أكثر من منطقة مرشحة لاعتداءات فرق “السرايا” مع احتدام الصراع في سوريا وانشغال مقاتلي الحزب هناك، التي فرغها الحزب للمواجهة الداخلية عبر افتعال أحداث أمنية تزيد الشرخ بين اللبنانيين وتتسبب بصراعات لن ينجو منها أي فريق في البلد.

الدور الذي أراده “حزب الله” للسرايا كما يقول الناشط السياسي أحمد اسماعيل هو إنهاء المقاومة الوطنية وتعويم فكرة أنّ “حزب الله” يشرك أفراداً في المقاومة، فهي فكرة وسيناريو وحوار وإعداد الحزب من أجل استيعاب أفراد من الأحزاب الأخرى يستهوون المقاومة ولا يريدون العمل تحت اسم الحزب مباشرة. ومن أجل تجميع شباب تحت مظلته وإمرته المباشرة لكي لا يذهبوا الى تيارات سياسية أخرى”.

ومن خبرته كمقاوم سابق يرى أن “معظم مَن أدخلوهم في هذه السرايا غير مؤهلين لهذا الفعل، فهم لم يقوموا بهذا الدور ما قبل الانسحاب الاسرائيلي والحزب لم يشركهم بعمليات ابان الاحتلال، كان يشركهم إعلامياً فقط من خلال بيانات يصدرها كي يثبت وجودها ودورها الوهمي”.

ويشير إلى أن “حزب الله” كان يختار هؤلاء الشباب ويسعى الى “فلترتهم” من خلال التدريب والامتحان والمراقبة للإيفاء بشروط العضوية التي تؤهلهم ليصبحوا لاحقاً أعضاء في الحزب”.

وبرأيه أن “الحزب في البداية كان يقبل الأفراد بالسرايا من دون شروط مسبقة، لا يهم انتماؤه الحزبي السابق، ولا إذا كان مؤمناً أو غير متديّن، أو له سوابق أمنية، مطلوب للقضاء أو لا، يشرب الكحول أو لا يشرب، يتعاطى الممنوعات أو لا، ولم يكن يهتم بسمعة هؤلاء سيئة أو جيدة، المهم أن يكون الى جانبهم وطالما أن هناك شعاراً براقاً هو “المقاومة”.

لاحقاً، يشدد الحزب على تطبيق دفتر شروطه، يبدأ بالإجراءات التوجيهية، بحسب اسماعيل “يؤمر بالابتعاد عن الأصدقاء من الرأي الآخر، وتفرض عليه المشاركة في المسيرات والتظاهرات الحزبية والدينية، ويكلّف بمهمات معيّنة يُمتحن من خلالها، ثم يُفرض عليه واجب حضور مناسباته الحزبية والدينية والالتزام بها”.

وهنا يؤكد أن “كثيرين من الشيوعيين وقعوا في شرك “حزب الله” تمت استمالتهم بعدما تركوا الحزب الشيوعي ونفذوا اختباراتهم كي يتمموا دفتر الشروط، أي اقتنعوا بضرورة الالتزام الديني ومنهم مَن فرض على أخواته وزوجته الحجاب والذهاب الى المصلّى حتى يشهر انتماءه العلني لـ”حزب الله”، كما فرض الحزب عليهم ترك المشروبات الروحية، ومنهم مَن طبّق هذه الأشياء وكثيرون رفضوا بعدما تبين لهم أن هناك شروطاً يعجزون عن تنفيذها من أجل أن يقاوموا الاحتلال”.

ويشدّد اسماعيل على بروز دور السرايا في إعلام “حزب الله” عندما استعادها خلال حرب تموز 2006 لإقحام المقاومة في القضايا الداخلية واستعمالها في حروب الزواريب التي خاضها في 7 أيار حيث تبيّن في ما بعد انتشار هذه السرايا بكل لبنان, في طرابلس وبيروت والجبل والبقاع بعد أن كانت محصورة في الجنوب وتغلغلت في الطوائف الأخرى السنّية والدرزية والمسيحية لاحقاً، وجرى تدريب مجموعات منهم لا سيما خلال السنوات القليلة الماضية عندما تبين وجود مجموعات لهذه السرايا عند التيار العوني.

ويبقى السؤال لماذا كل هذه المجموعات من السرايا ما بعد التحرير ولماذا ازداد عددها وأبرز دورها في حين لم يستعملها الحزب أيام المقاومة الفعلية قبل العام 2000. ولماذا نشأت هذه الميليشيا بعد إنهاء دور المقاومة الوطنية الجامعة من كل الطوائف واللبنانيين بعد مؤامرة النظامين السوري والإيراني عليها لمصلحة ترويج مقاومة “ولاية الفقيه”، وهل سرايا المقاومة تجسّد ثلاثية “حزب الله” المقدسة الجيش والشعب والمقاومة أو تختصر الجيش وتبقي الشعب بعيداً عن القرارات ويصبح القول والفعل فقط للسرايا؟

أسئلة مطروحة أمام التطورات التي حصلت في صيدا، حيث تبيّن بحسب ما يستنتج اسماعيل أن “هناك مقاوماً معفى من القانون، وهناك مقاوم آخر يدفع الضريبة، والدولة كلها تصبح سرايا، وحين يطلب المواطن بسط سلطة الدولة بكل مؤسساتها ولا سيما الجيش يكون الرد بتوجيه الاتهامات”.

ويؤكد: “لا يمكن استبدال سرايا المقاومة بسرايا الحكومة مهما كانت الحجج والشعارات والدوافع، فإما أن نكون تحت سلطة الدولة والقانون وإلا الخراب، فلا أحد يستمد شرعيته من فعل سابق من مقاومة أو ثورة فالشرعية هي في صناديق الاقتراع في خيار الشعب وحده”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل