قال رجل لإحدى الإذاعات إن عمله يفرض عليه أن يتجوّل طوال النهار. روى أن شقاءَه ينهمر عليه من الخارج. سائق يقطع عليه الطريق، وآخر يشتمه، وآخر يبصق عليه ورابع يفقع الضوء عالياً في عينيه من الأمام. وخامس من الوراء.
طبعاً يذكّرك ذلك بيومياتك في بيروت. أو صيدا. أو جورة البلوط. أو يذكّرك بوليم لومان في مسرحية آرثر ميللر “موت بائع متجول”. أو بيوم تطلّع سارتر مليّاً حوله وقال: “الجحيم هو الآخرون”. هنا، الجحيم هو الأخوة المواطنون.
نحن بلد حريات مجانية ومجموعة ديكتاتوريين صغار. أدعياء حرية ومدَّعو ديموقراطية ومجموعة عبيد صغار في قافلة الرقّ. نحن، سويسرا الشرق، لسنا في حقيقة الأمر سوى شعب لا يزال يناقش أزمة “النقل المشترك” عام 2013. إنه موضوع مطروح أيضاً في زامبيا ومالي وجنوب ليبيريا. شمالها… ماشي الحال.
فات الرجل المتجول أن يذكر، أنه طوال النهار والأشهر والسنوات، لم يصادف أحداً يفسح له الطريق، أو يشكره على إفساحها. وفاتَه أن يحدّد ما يسميه المثقفون هذه الأيام “الجندر”، أي جنس المعتدي المعروف أيضاً بالمواطن. ولو فعل لأخبرنا أن أكثرية ذوي السلوك البربري، من جنس النساء. شكلاً على الأقل.
نحن في حاجة إلى مصحّ، لا إلى دولة. تأخر أمر الدولة إلى غير عودة. وكذلك أمر الوطن. كلاهما يتطلب حداً أدنى من معرفة المستوى الأخلاقي وتقبُّله. نحن نتمرّد لا على القانون، بل على كل قانون ارتضته المجتمعات البدائية. في أيامنا كانوا ينعتون المعتدي بأنه صاحب “أخلاق شوفيرية”. الآن أخلاق نسوان. والجندر.
لا تطلبوا وطناً افضل منكم، ولا دولة على غير ما أنتم. عدد الأوادم الباقين لم يعد يكفي لتصويب الشطط الأزلي. إنه سوء المتقلّب، الذي بلغناه ونحن ندّعي التحذير منه. شعب يُرسل إلى العالم أشهر رجلين في عالم السيارات (كارلوس غصن وجاك نصر)، وهنا يبحث في أزمة “النقل المشترك”. في دبي صار “المترو” معلقاً مثل جنائن بغداد في زمن المأمون.
ذكَّرتنا انتفاضة مصر أن الشعب الذي يحب بلده، لا يرتضي له السقوط. للسقوط نهاية واحدة هي التحطّم. اختطف الربيع العربي رجال لا يحبون الزهر ولا يعرفون أي سعادة في العطر والرحيق. أرادوا أن يحلّ المستبدّ المستنير مكان المستبدّ العادل، ولكن ليس في الاستبداد عدل ولا نور. ليس في الاستبداد سوى الاستبداد. والاستبداد جور وظلام وكهوف ورفض لكل نور.
سُمي فريديريك الثاني “المستبدّ المستنير”(1) لأنه كان رجل فكر ونهضة وأضواء. استبدّ في القانون، لكنه ترك الحرية كاملة للفلسفة والجدل والأدب والفكر. المستبدّ لا يصنع النهضة، بل عكسها. لو كان فيه خير، أو ضوء، لما استبدّ.
تردَّت “ثورة 25 يناير” لأنها وُلدت خارج الرحم. الحركات التي لا تولد في الفكر تغرق في الفوضى. “استنارة” فريديريك الثاني جاءت من تراث فلسفي لا سابق له إلا في اليونان، وبعض روما. هذه المرة كان غائباً في مصر طه حسين وعبدالرزاق السيد وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى ولويس عوض ومصطفى محمود وعبد الرحمن بدوي. حدثت الثورة في وهجهم، لكنهم كانوا غائبين.
الرغبة الأولى التي أبداها وزير الثقافة في حكومة هشام قنديل في حكم محمد مرسي، إقفال دار الأوبرا. يوازي ذلك نقل مهرجانات بعلبك من تحت أعمدتها السماوية إلى البوشرية. بأي محبة نتذكّر سعاد نجار ومي عريضة. وبأي حنين. كان ذلك عصر البحث عن الجمال من أجل ذرّه. ومن أجل تحويل الجمال إلى مهرجان في ضوء القمر وخفر نجمة الصبح.
ظلّ يضرب زوجته حتى قتلها، صبيّة وأم لثلاثة أطفال. اتفق العرب على أن محمد البوعزيزي هو رائد الربيع العربي. الشاب بياع الفواكه على عربة زهرية اللون. الحقيقة أن رائد الثورة العربية كان الحبيب بورقيبة، الرئيس الأول والأخير، الذي وضع قانوناً للأحوال الشخصية واعتبر المرأة إنساناً، تاركاً للمفسِّرين أن يقرروا من أي ضلع من أضلاع آدم قد جُعِلَتْ، وجُبلت مخلوقة تحب التفاح. ستاركن شغل ميروبا.
نحن، سويسرا الشرق، فينيقيا وبلاد أليسار التي منها قرطاج التي منها تونس، ما هي القضية التي نناقشها اليوم؟ إضافة إلى “النقل المشترك”؟ قضية “العنف الأسري”. كأنما لا علاقة له بالعنف اللفظي وبرامج الضرب على التلفزيونات ولغة بعض “ممثلي الأمة” وتعابير بعض الصحف وآداب “الشوفيرية”. والجندر.
المثقفون نيام أو تابعون في قطار الأنفاق ومتاهتها. والقلَّة منهم تخاف عليهم في بلدان محزنة ما بين ديكتاتور كبير وديكتاتوريين صغار. كان العرب يسكِّتون الناس بالخوذ فصاروا يسكِّتون بالعمامات. رجال يعرضون عليهم الجحيم في الأرض والجنة في السماء. تكرار لعصور الظلام التي مرت بها المسيحية. يقول لوك فيري(2): “هل نحاسب المسيح او الإنجيل على محاكم التفتيش التي لاحقت العلماء والمفكرين طيلة العصور الوسطى”؟ كم هو مرير أن تتكرر تلك العصور: بدل الكاثوليكي والبروتستانتي، السني والشيعي، السلَفي والإخواني، حتى بدء الصوم له موعدان، والقمر يهلّ في موعدين مختلفين على مكان واحد.
لا تزول من ذاكرة حاسة الشمّ الروائح غير الكريمة التي كانت تتصاعد من المطاعم البسيطة تحت قناطر المعرض والتياترو الكبير. روائح مقادم تُسلق وحمّص يُغلى ودوابق سوداء على بلاط الرصيف، ولكن فوق ذلك البلاط مفروشة أيضا كتب سارتر وكامو وهوغو والعلايلي ومارون عبود ونجيب محفوظ. ماذا حدث لعصرهم؟ لقد طعن الميكانيكي عبدالمنعم الشحات نجيب محفوظ في عنقه لأنه عار على مصر. لماذا هو عار على مصر؟ لأنه أُعطي جائزة نوبل، جزاء الكافرين.
كنا نبحث عن كتاب نعود به إلى البيت فرحنا نبحث عن أي طريق نعود منها. وكنا نبحث عن جار نلقي عليه التحية، فصرنا نبحث عن جار لا يُلقي الزجاجات الفارغة ومناديل الورق على الطريق. وكنا نتطلع على السيارة التي في محاذاتنا لنرى إذا كان فيها مَن نعرفه، فصرنا نتحاشى ذلك كي لا يسبّنا السائق المجاور. وكنا نلتجئ في خوفنا إلى رجل الأمن، فصرنا نخاف منه. حنين بائس لا يفضي إلى شيء؟
أجل. لكن ريمون إده كان يقول، إنه مهما بدا ذلك عبثياً، يجب أن تعرف الأجيال الجديدة أنه كان هناك شيء أفضل وأشياء أكثر جمالاً. والخيار المستقبلي المعروض على الناس لم يكن حارة صيدا وعبرا، بل حركة الشعر الحديث والشعر التقليدي، الجامعة العربية والجامعة اليسوعية، المناظرة بين طه حسين ورئيف خوري، الجدل بين عبدالله العلايلي وكريم مروّة، أن يكتب بولس سلامة ملحمة “عيد الغدير” شعراً، أو يكتب جورج جرداق سيرة الإمام علي بما يشبه الشعر.
لم يكن هذا حال لبنان وحده، وإن كان الأكثر ألقاً، لكنه كان حال مصر وسوريا والعراق وتونس. قبل 50 عاماً تؤسس سعاد نجار مهرجانات بعلبك، واليوم تناقش الجمهورية “العنف الأسري” و”النقل المشترك” واليوم لدينا أسوأ أنواع سجون النساء. وأسوأ منها سجون الرجال. والأسوأ منها معا هذه الغابة المعروفة بشيء يسمّى السير أو بالأحرى التوقف.
ماذا فعل النظام العربي لكي يضمن الاستمرار؟ ألغى الحالة الثقافية والحضارية والفكرية. كان مفكرو مصر يلتقون في صالون العقاد أو مي زيادة، فصار المفكرون العرب يلتقون في سجون العرب. تحوّلت جمعيات الفكر نقابات عند السلطة. أخذ معمر القذافي 135 ملياراً وأهل ليبيا، وفوقها قرر أن يكون هو أيضاً الكاتب والروائي والمفكِّر. “زبيبة والملك” كان عنوان رواية صدام حسين.
كيف يمكن أن ندخل عصر الثورة قبل عصر النهضة؟ كيف يمكن أن يكون أول القرن العشرين في مصر أبهى ألف مرة من أول الحادي والعشرين؟ التقى العسكريون والمتشددون على أنهم لا يريدون فكراً ولا نقاشاً. قال الحسن الثاني في “ذاكرة ملك” إنه كان يشعر بالسعادة عندما يضربه والده، مؤدباً. أليس هناك تربية وتأدّب من دون ضرب؟ هل العصا وسيلة العلم وطريق المعارف؟ قرر ابنه محمد السادس أن يخرج من عصر الأب. وقال عبدالله الثاني معرّفاً بنفسه: أنا لست أبي.
الثورة في مصر كانت على الأب. أولاً يُعلن مرسي أنه “لا يُطعن عليه” أي أنه معصوم، لكن العصمة لا تعفيه من أن يكون له مرشد أيضاً. مرشد له ولمصر ولتاريخها وبنَّائي حضارتها وفتوحاتها ونيلها وقطنها وقناتها ومحمد علي. عندما هُزمت مصر المملوكية أمام الأتراك انتقل القرار العربي إلى اسطنبول. وظلّ يتنقّل في الخارج إلى اليوم. والآن أول ما قاله حازم الببلاوي إن مصر عائدة إلى العرب. لرئيس الوزراء الجديد علاقة وطيدة مع لبنان الذي أحب. ويشكّل مع نائبه، زياد بهاء الدين، أفضل ثنائي اقتصادي يمكن العثور عليه في أي مكان.
هذه خطوة حضارية بعد عام من الركاكة المفزعة ما بين “شرعية” محمد مرسي وطاعة رئيس وزرائه. وهذا ما تحتاج اليه مصر ويحتاج اليه العرب للخروج من عصور الفقر والبلادة والحناطير. في حاجة إلى أهل علم ورؤية يحبون بلدهم أكثر مما يحبون أنفسهم. إذا أُعطي الببلاوي وزياد بهاء الدين المجال والوقت سوف نرى مصر تصير على خطى ماليزيا وأندونيسيا ونمور آسيا.
أخيراً خبر مُسر من بين كل هذا الركام العربي. الببلاوي بخبرته الدولية وزياد برؤيته المستقبلية. ولنا في مجيئه فرح خاص. إنه نجل أحب الغائبين، أحمد بهاء الدين.