الرئيس المكلف… تم حبسه في موقعه الحالي منذ ما يزيد على الأشهر الثلاثة، وبعد أسابيع من تكليفه، ونتيجة للصعوبات والعوائق والمطبات التي بدأت تواجهه وتصادمه، فعالجها بأسلوبه المعتاد… الهدوء والحكمة والتبصر…, ومن هذا المنطلق، وجد نفسه مضطرا على ما صرح به في حينه، إلى إطفاء محركاته، بانتظار ظرف لاحق، يكون متناسبا مع عملية الإنطلاق في التأليف الهادئ الرصين بما يؤدي إلى تأليف حكومة هادئة، حكيمة، بعيدة عن الحزبية الحادة وعن الإنتماءات الفاقعة، تحكم البلاد بما يبعدها عن مساوئ حكومة تصريف الأعمال القائمة وما آلت إليه من شلل تام في الأداء والعمل المنتج، فكانت وما تزال حكومة يخاصم بعضها بعضا، ويتصادم وزراؤها بوزرائها، ويتراجع الإقتصاد الوطني خلال حكمها بما يكاد أن يودي بالبلاد إلى أعمق البؤر والحفر والمطبات، وتطغى على أدائها، سلسلة من الفضائح الرنانة، وتحفل مسيرتها بمحسوبيات وسمسمرات وتجاوزات، قلَّ أن شهدها لبنان على مدى تاريخه، ولم تنجح هذه الحكومة إلا في شأن واحد، هو تسليم الدفة في القضايا الأساسية والمفصلية، إلى حزب الله وإلى سلاحه الضاغط والفارض، وها هو الحزب الذي يضم وزراء تابعين له أو منضوين تحت جناحه، يعطي رغم مشيئة غالبية اللبنانيين، وغصباً عــن إراداتهم وموافقتهم، نوعاً من الشرعية يضفيها بفعل وتصور منه على تدخله الغازي للأراضي السورية وللشعب السوري، منفذا بها إرادة الولي الفقيه الذي يعيش بعض اللبنانيين في ظله ويحملون عنه رايته، وبخضعون لأحكامه وفتاويه، بينما لم يمر على لبنان في تاريخه القديم أو الحديث مثل هذه الظلال المذهبية المنفردة والمتفردة والضاربة بعرض الحائط، بكل مسلمات الميثاق الوطني والعيش المشترك، والمبادئ الديمقراطية ودواعي التوافق والتآخي والتضامن ما بين عموم اللبنانيين.
رئيس الوزراء المكلف الأستاذ تمام سلام، عالق في هذه الأوضاع ومسجون في حبائلها، وهو قد صرح مرارا وتكرارا أنه سينتظر ولن يمل الإنتظار، وإن كنا نفهم انتظار دولته من خلال الصفات الوطنية التي عرفناه عليها والتي كررناها في هذه الكلمة، ولكنه، يبدو أن رجحان كفة 8 آذار في الوزن السياسي والأمني في لبنان، جعلها ممسكة بخيوط السطوة والقدرة على التحكم بكل خيوط الحياة في هذه البلاد المنكوبة، تلك الخيوط التي يتولى حزب الله شؤونها وشجونها بالكامل، فارضاً إرادته وقراراته، كائناً ما كانت، بما يتجاوز حدود المقاومة ضد إسرائيل، كما كان الحزب يسوق لنفسه ولمبادئه ولتصرفاته، لتصبح سيفا مسلولا في الداخل، ومتمددا إلى الخارج القريب (سوريا)، وإلى الخارج البعيد (الخليج – نيجيريا – بلغاريا – الارجنتين الخ)، وليصبح لبنان من خلال تورطات الحزب الخارجية، غارقا في بحر أكبر منه ومن قدراته على التحمل وأوسع من استيعاب وضعية أصبح فيها غارقا في أتون من الأخطار الداهمة وسابحا في بحر ملتهب من الصراعات الدولية والإقليمية والحروب الباردة والساخنة، التي باتت تلتهم أبناءه ومصالحه في ضمن ما تلتهم.
ويدخل في هذا الإطار الشأن الحكومي، والإشكاليات والمشاكل التي تحول دون تأليف الحكومة الجديدة التي حاز رئيسها المكلف على شبه إجماع في تسميته من جميع الفرقاء، وساعده على ذلك كونه ينتمي إلى عائلة سياسية عريقة، تركت من خلال الزعيم صائب بك سلام بصمات هامة في تاريخ لبنان الحديث، كما ساعده على ذلك ما عرف عنه من رصانة واعتدال وجدية في معالجة الأمور وإعطائها حقها من الدرس والتنبه والإستيعاب،ومن ثم القدرة على الإنتظار.
إلا أن ما يغمرنا من أحداث وتطورات ومواقف مشاكسة ومتعنتة ومغرضة جعل من اللبنانيين، بغالبيتهم الكاسحة عاجزين عن القدرة على تحمل مثل هذا الإنتظار، خاصة وهم في خضم الأخطار الوطنية والمذهبية التي باتت تواجههم، وباتت إنفجاراتها تلاحقهم من منطقة إلى منطقة ومن مدينة إلى مدينة ومن حي إلى حي، وأصبحت ردات الفعل على تدخل حزب الله في سوريا، تأخذ معالم حادة وملتهبة ودامية، ولا يعلم إلا الله، حدود المدى الذي قد تصل إليه، وحدود الأذى الذي ستلحقه بهذا الوطن المنكوب، في كيانه وفي تكوينه وفي جغرافيته وفي وحدة أبنائه، خاصة وأن حزب الله يخيرهم، بين الرضوخ لمشيئته المنفردة، والخضوع لتعاليمه وإرشاداته وسياساته وانتماءاته وحروبه، وبين لغة سبق أن استعملها في 7 أيار المشهور و«المجيد»، حيث كان سلاحه اللغة البديلة التي عاشها اللبنانيون، وهي أسوأ اللغات التي مرت عليهم، وأسوأ ما يمكن أن ينتظرهم وينتظر مصير بلادهم من ممارسات وسياسات وافتعالات في ظل الفراغات القائمة والتي ستقوم، وصولا في ذلك إلى تفريغ ما تبقى من مؤسسات الدولـة والحكم والسلطة الفاعلة.
الرئيس المكلف… وضع أسسا حكيمة ورصينة واقعية للحكومة العتيدة قيد التأليف، وإننا لنتساءل: لماذا ما زالت هذه الأسس أوصافا وشعارات دون تنفيذ؟.
ما صرح به دولته يهدف إلى تشكيل حكومة قوامها كفاءات لا تحمل لونا حزبيا فاقعا، ولا تداخلها انتماءات حادة ومتفجرة بحد ذاتها، تجابه بها عملية الفراغ والتفريغ التي يشغل لها بعناية وحرفنة، وقد بات من المحتم وضع الجميع تجاه مسؤولياتهم وواجباتهم الوطنية: حكومة تؤلف على الفور، فالإنتظار بات مسيئا للبلاد وللدولة ولمستقبل هذا الوطن. وتفريغا للجسم الوطني من كل دواعي البقاء والإستمرار والحياة.
ان الشعب يعلي الصوت بوتيرة أعلى يوما بعد يوم، مطالبا بتأليف حكومة يرضى عنها ضمير رئيس الجمهورية والرئيس المكلف متكافلين ومتضامنين، فهي حتما حكومة ترضى عنها أغلبية اللبنانيين، وللمجلس النيابي، الذي يجري التلاعب بدوره وصلاحياته هذه الأيام، أن يعطي الحكومة الجديدة ثقته وفقا للمنحى الدستوري المعتمد، فإن لم يفعل، فلتحكم الحكومة الجديدة من خلال مبدأ تصريف الأعمال، دونما غش أو زعبرة أو تجاوز للأصول الدستورية، بدلا من أن تصرّفها حكومة المتضاربين والمتشاكسين الذين يأخذون اليوم راحتهم في تصريف الأعمال، وتصريف ما تبقى من لبنان.