#adsense

القتل عقيدة.. العضو المقطوع!

حجم الخط
توقفتُ مطولاً بالأمس عند عدد الأقلام التي اندفعت لتستهجن قطع عضو المواطن العكاري ربيع ع. ا. والذي عثر عليه في ساحة بلديّة بيصور القرية الدرزيّة، والذي استوقفني أكثر من الفعل هو ردّ الفعل عليه، فقطع العضو هو عمل مخفّف في حقّ مسلم سُنّي تزوج خطيفة من فتاة درزيّة، وهذا الفعل يتأتّى من عقيدة، وما قد تلقاه الفتاة أشدّ بكثير لأنها أصبحت «مرتدة» عند طائفتها خارجة على أحكام دينها الذي لم يُعرض عليها بعد بالتأكيد لأنها لم تبلغ الأربعين من عمرها، كلّ الذين كتبوا تفجعوا على «العضو» رامين خلف ظهورهم، عقيدة حقيقيّة لا يتساهل معها بعض الأهل إلا في حال كان الزوج «مسيحي أو شيعي»!!
مجدداً نحن أمام نفس التكاذب التاريخي اللبناني بين الطوائف، ولم يتغيّر المشهد عليّ منذ آب العام 1982 كنت في أواخر السابعة عشرة من عمري يوم سمعت كلمة «مرتدة»، وسألت عن معناها فقيل لي «كافرة» وكانت المرة الأولى التي أكتشف فيها أننا كلبنانيين مختلفين، وأن هذا الاختلاف مكرّس ودائم يهدأ ويتقارب تحت وطأة «العيش المشترك»، ولكن متى خرجت شياطين طوائفنا من قماقمها فعلى لبنان وعلينا السلام.

لذا؛ أنشر هنا اليوم، فصلاً من كتابي الذي يحمل عنوان «حروب الطوائف ـ ذاكرة الحرب والكذب التي لا ترحم»، هو فصل فيه حقيقة ما نشعر به كطوائف تجاه بعضنا البعض ونتكاذب ليس أكثر… «الآخر؛ الذي يُروى لك، هو غير ذلك الذي تتلمس معرفته بنفسك: ذاتاً في مواجهة ذات.. فلحظة الاحتكاك الحقيقية ستتأخر حتى العام 1982 عام الاجتياح الإسرائيلي..

(…) [نتحفظ عن ذكر بعض الأسماء لخصوصية مكانتها في القرية] في عبيه ـ كفرمتى؛ اكتشفنا أننا قد نكون ضحايا محتملين في مناوشات بدأت تقع بين «الدروز» (الاشتراكيين) والمسيحيين (القوات) في قرى الشحّار، كنّا الآخر الثالث (المسلم السُنّي)، فيما دأب «الرجل»  (اليزبكي) الذي سكنّا عنده على «تحطيم» صداقاتنا بأبناء القرية دروزاً ومسيحيين فارضاً خياره السياسي علينا عبر همسه المتكرر في أذن والدي بأن هؤلاء المراهقين سواءً كان «أمل» (الدرزي) أم «طوني» (المسيحي) هم ـ بالنسبة له ـ ليسوا أكثر من جواسيس للطرفين [القوات والجنبلاطيّة]!!

يومها كانت «كفرمتى» مشغولة بحكاية واحدة من بناتها هربت خطيفة مع شاب شيعي وتزوجته، وطار صواب عائلتها وكان البحث عنها مستنفر وبشدة لقتلها جزاء فعلتها، فقد ارتدت عن دينها، هكذا هو الأمر بكل بساطة، ثمة عقيدة تجيز قتل كلّ من تزوج من خارج الطائفة، لأن الطائفة الدرزيّة «مقفلة»، ولا أعرف فعلاً ما إذا كان نفس الأمر ينطبق على الرجل من أبناء الطائفة الدرزية، لأنني لم أطرح السؤال على نفسي إلا اللحظة!!

وبالعودة إلى كتاب حروب الطوائف (…) كان مساء جاء فيه «الرجل» ليصطحبنا إلى منزله في راس الضيعة، قال ببساطة: «سيهاجمون الليلة قرية مسيحية تأديباً للمسيحيين على قصّ شاربيْن معكوفين في بحمدون، عند أحد الحواجز والقصف سيكون مدفعياً»، هكذا قيل لنا.. كان يعرف، كيف يعرف؟ هذا من أسرار القرى وأبنائها الذين ينذرون بعضهم بعضاً، بل الدروز تحديداً الذين يختلفون كثيراً لكن لا يسمحون بإراقة دم واحدة نتيجة خلافاتهم، لكأن الرجل كان الوسيط المحايد بين اثنين يتقاتلان، كانت المناوشات بين القرى قد بدأت منذ وقت ليس ببعيد إلا أنها لم تتجاوز رشقات رشاشة..

لم ننم ليلتنا تلك أبداً في البيت «وهرة» جعل النوم يُجافينا بفعل مرويات شعبية سمعناها، وحان موعد مواجهتها، صباحاً قصّ أبي أنّ الرجل وضع مسدسه تحت الوسادة حيث من المفترض أن يشاركه النوم في الغرفة بعدما أرسل عائلته إلى قرية أكثر أمناً لأن محيطها مكوّن من آخر هو لون الطائفة الواحد (الدروز)، فطار النوم من عينيه، هل ستقتحم البيوت الليلة؟ هل سنذبح؟ أي غربة هذه التي يغرق في مخاوف طوائفها الذي يفرّ لأنه لا يريد أن يكون شريكاً في الحرب!!

بعد تلك الليلة أخذنا قرارُ خوف أبي وأمي على شقيقي [الذي لا يهدأ] إلى فرار وتهجير جديد إلى الآخر الرابع (المسلم الشيعي) في كيفون، مخلفين وراءنا ذاكرتنا وأسماء لن يلبث أن يصبح بعضها بعد حين ضحايا في تاريخ مجازر الجبل، غادرنا مخلفين وراءنا حكايا في المأكل «حلاله وحرامه» واللغة والأمثال والعادات اصطدمنا بها وجعلتنا ندرك أن الاختلاف جذري بيننا وبين الآخر، الذي حضر فيه أيضاً خامسٌ هو «اليهودي» الإسرائيلي المحتل سيد الأرض يومها.. عندما خيّم علينا ذهول صادم لحظة أمسك ذاك الجندي بصليب ذهبي صغير، وألقاه باحتقار شديد على الأرض ومشى إلى عربته العسكرية!! وركضنا نبحث عمن يفسر لنا سبب هذا الازدراء بالرمز المسيحي!! كانت المغادرة محتومة أليس في موروث شعبية أمثال الطوائف، مثل يُقال بصيغتين مختلفتين عند طائفتين ولكن بصيغة معدّلة: «كول عند الدرزي ونام عند المسيحي»، هذا عند المسلم، أما المسيحي فيقوله بصيغة مغايرة: «كول عند الدرزي ونام عند المسلم»، ثمة إجماع على كرم طائفة بني معروف، ولكن ثمة إجماع على قلق أقوى من المبيت عندها.. لمَ؟

المشكلة ليست في العضو الذي قطع، اكتفى الجماعة بقطع عضوه لا بقطع رأسه، والسؤال الآن «ردينة» تلك الشابة اللبنانية التي صارت بحكم العرف والاعتقاد مرتدة، من سيتدخل لإنقاذها؟ جلّ ما نتمنّاه أن تكون ما زالت على قيد الحياة!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل