يترك رئيس مكتب مكافحة المخدرات المركزي العقيد عادل مشموشي موقعه اليوم، ليلتحق بمنصبه الجديد على رأس شعبة التحقيق والتفتيش في المديرية العامة للأمن الداخلي.
بكثير من الهدوء والارتياح والفخر، استقبل مشموشي زوّاره أمس في مكتبه في ثكنة حبيش، ومنهم صحافيون أجانب أتوا لمواكبة حكم محكمة الجنايات الأخير في حق العصابة الدولية لتجارة الكوكايين (نشرت «الجمهورية» خلاصته في عددها السابق)، التي كان المكتب أوقف أفرادها في عملية نوعية خلال صيف 2011.
يستهلّ مشموشي لقاءه مع “الجمهورية” بالعودة الى العملية التي عُدّت من أكبر العمليات الأمنية في تاريخ لبنان، ليؤكّد أن “المكتب” نجح غير مرّة في توقيف أكبر الشبكات الإجرامية الضالعة في تهريب المخدرات على المستوى الدولي، أما توقيف العصابة الدولية فقد أذهلنا أجهزة إنفاذ القانون في العالم خصوصاً الأوروبية منها، التي كانت عجزت عن توقيف أي من أفراد هذه العصابة، على رغم امتداد نشاطها بين أوروبا وأميركا الجنوبية وافريقيا والشرق الأوسط ولبنان”.
ويلفت مشموشي الى أن “السلطات الألمانية و”الأنتربول” كانت أصدرت كتباً، تؤكّد أن الهولندي روبرت كوك الموقوف في القضية هو من أكبر زعماء مافيا المخدرات الدولية، وأنه كان يتاجر بأطنان المخدرات، وله باع طويل في التهريب والتصنيع وتجارة هذه المادة، فضلاً عن تجارة الأسلحة، كما أنه يتمتع بخطورة كبيرة، بحيث كان يصفّي عناصر الشرطة من دون هوادة، وينتقم بوحشية من كل شخص قادر على الشهادة ضدّه أمام الشرطة”.
معلومات ضئيلة قادت للتوقيف
ويوضح مشموشي أن المعلومات التي وردت الى مكتب مكافحة المخدرات المركزي عن القضية، كانت بسيطة ولا تتعدى القول إنّ أحد الأشخاص كان يستعد لإدخال كمية من الكوكايين الى لبنان من دون معرفة أي تفاصيل، ويقول: “نجحنا في وقت قياسي في التعرف إلى هوية أحد أفراد العصابة البلغاري من أصل فلسطيني، راضي شاهين، فجنّدنا المخبرين المحترفين والعناصر الأمنية التابعة للمكتب، وجمعنا المعلومات ورصدنا قدوم شاهين الى لبنان ثم استدرجناه حتى أوقعنا به وبكل من شان برستن، وروبرت كوك، في حال التلبّس بالجرم، حيث ضبطنا معهم 53 كيلوغراماً من الكوكايين”.
على رغم ضآلة المعلومات التي كانت في حوزة المكتب، يصف مشموشي مهلة الأسبوع التي استدرج خلالها المكتب أفراد العصابة، بعد التعرّف إلى هوياتهم بـ”الطويلة والشاقة”. ويقلّب مشوشي صفحات جريدة “الجمهورية” بين يديه متوقفاً عند قضية المشتبه به في ملف العصابة الدولية نقولا نقولا، الذي كان المكتب سطّر في حقه بلاغ بحث وتحرّ وطلب منعه من السفر من دون أن يتمكن من توقيفه، في وقت استردّ قاضي التحقيق البلاغ لاحقاً بعد التحقيق مع نقولا وتركه حرّاً.
وفي هذا الصدد، يشير مشموشي بارتياح الى حكم محكمة الجنايات، الذي أحال ملف نقولا الى النيابة العامة الإستئنافية للنظر في مسألة الإدعاء عليه، ويرى أنه إثبات على صحّة عمل المكتب والمنحى الذي سلكه في القضية، خصوصاً أن المحكمة استندت في حكمها الى إفادات ضباط المكتب.
ضغوط سياسية
الحديث عن العصابة الدولية لا يكتمل من دون الإضاءة على الضغوط السياسية التي رافقت توقيف أفرادها، وهنا يلفت مشموشي الى أنّ “حجم الضغوط السياسية التي مورست في هذا الملف فاقت التصوّر، الى درجة أن جهات رفيعة عملت على إخفاء نقولا وحمايته، فيما حاولت جهات أُخرى تهريب الموقوفين الثلاثة من سجنَي رومية وعاليه”، مؤكّداً أنّ “المكتب كان لهم بالمرصاد، بحيث كان يبلغ الى المدير العام للأمن الداخلي في حينه اللواء أشرف ريفي، كل المعلومات الواردة عن محاولات التهريب، فيصار الى التشدّد في مراقبة الموقوفين والحفاظ على إنجاز المكتب”.
…وحملات إعلامية
وفي السياق نفسه، يضع مشموشي الحملات الإعلامية التي سيقت ضدّه بالتزامن مع توقيف العصابة الدولية، في إطار “إلهاء أجهزة إنفاذ القانون ولا سيّما القضاء، واختلاق بعض الذرائع للنيل من صحّة التحقيقات والطعن بنتائجها توصّلاً للضغط من أجل إخلاء سبيل الموقوفين”. ملف العصابة الدولية لم يكن الوحيد الذي استجلب الضغوط، فطبيعة عمل المكتب، وتورّط عدد من السياسيين في تغطية بعض كبار المصنّعين والتجار، تضعه في مواجهة دائمة مع “المتضرّرين” من أصحاب النفوذ والسلطة. وفي مراجعة لمسار عمل مكتب مكافحة المخدرات يتضح ان الحملات الأكثر شراسة كانت بدأت مع اكتشاف المكتب خلال العام 2012 معملاً لتصنيع حبوب الكابتاغون في البقاع يملكه شقيق أحد نواب كتلة “الوفاء للمقاومة” مع آخرين لا يزالون جميعاً فارّين، فيما أخلت محكمة الجنايات في جبل لبنان سبيل احد الموقوفين. بيد أنّ مؤسسات إعلامية قريبة من “حزب الله” كانت أفادت بأنّ “الحزب” وعد بالقبض على المتهمين، لكن هذا الأمر لم يتحقق. في موازاة ذلك، بلغت الحملات الإعلامية أوجّها مع توقيف المكتب قبل أشهر عصابة لترويج المخدرات في الجامعات، يقودها إبن أحد الأشخاص النافذين، وكانت وسائل إعلامية من الجهة ذاتها قادت الحملة، محاولة توريط مشموشي من خلال القول إنه أطلق المشبوهين. وعن هذه الحملة يقول مشموشي: “كان الهدف منها تضليل الرأي العام من خلال تزييف الحقائق وتحوير بعض الأمور لبناء استنتاجات عليها”، جازماً بأن التحقيقات كانت في غاية الشفافية والاحتراف وبمتابعة مباشرة من القضاء ومدعي عام التمييز، علماً أن إخلاء السبيل أو ترك الموقوفين لا يتم إلا بأمر من النائب العام”.
المكتب
مسألة التصدي لآفة المخدرات كانت أُسندت بموجب قانون المخدرات والمؤثرات العقلية الرقم 673/ 98، الى إدارة مركزية لمكافحة المخدرات، إلا ان هذه الإدارة لم ترَ النور بعد، فيما يقوم مكتب مكافحة المخدرات بدورها. وعن الصعوبات التي يواجهها المكتب يقول مشموشي: “لا بد من إعادة النظر في هيكلية مكتب مكافحة المخدرات وإمكاناته، التي لا تتناسب مع حجم ظاهرة زراعة المخدرات وترويجها في لبنان”، مشيراً الى أنه كان “باشر العمل على تحديث المكتب وتعزيزه بالعناصر والتجهيزات، خصوصاً أن المكتب المركزي يضمّ 80 عنصراً ويتوزع عدد مماثل من العناصر على مكاتب المناطق في الجنوب والشمال والبقاع”.
وعن ظاهرة زراعة المخدرات وقدرة المكتب على ضبطها، يقول: “لقد نجح المكتب في تلف المحاصيل الممنوعة بالكامل لأكثر من سنة على رغم الحوادث الأمنية والأجواء السياسية التي كانت تعيق عملنا”. ويرى أن التلف مسألة جوهرية في التصدي لآفة المخدرات “لكونه يحد من عرض هذه المادة على الشباب اللبناني، ويحول دون تشويه إسم لبنان في العالم كبلد منتج للمخدرات”.
إستمرار الواجب
يترك مشموشي (الدكتور في العلم الجنائي)، مكتبه بعد تقديمه طلباً بفصله، الى مهمة أُخرى إدارية الطابع، بكثير من المهنية والالتزام. وإذ يرفض وضع هذه المحطة في إطار الضغوط التي مورست ضدّه، يجد العقيد في المهمة الجديدة المختلفة عن العمل الميداني الذي اعتاده، “استمراراً للواجب والرسالة التي نذر نفسه لها وهي تحقيق الأمن وحماية المواطنين”. ويجمع أغراضه الخاصة من مكتبه البسيط في ثكنة حبيش، يودّع الزملاء، فخوراً بما أنجزه مع فريق عمله منذ العام 2004.
لكن إذا كان من الصدف أن يتزامن ترك مشموشي عمله على رأس مكتب مكافحة المخدرات، مع صدور حكم الجنايات الذي أثبت صحة الإجراءات التي اتخذها مع فريقه في ملف العصابة الدولية، فهل هي صدفة أن تشترك بعض الجهات الإعلامية في المساهمة بتقويض هيبة الدولة ومحاولة النيل من سمعة المولجين بإنفاذ القانون، على حساب حياة شبابنا وصحتهم؟