يمكن تقسيم المرحلة الممتدة لبنانياً منذ اندلاع الثورة السورية إلى مرحلتين: مرحلة استهداف المناطق السنّية التي شكّلت وتشكّل حاضنة للثورة السورية بغية إخضاعها وتدجينها، ومرحلة استهداف “حزب الله” والمناطق الشيعية بعد أسابيع قليلة على إعلان السيّد حسن نصرالله انخراطه الكامل في الحرب السورية دفاعاً عن النظام في مواجهة التكفيريين الذين وضعهم في المنزلة نفسها مع الإسرائيليين.
فالرسالة الكامنة وراء استهداف “حزب الله” مفادها أنّ قواعد اللعبة التي وضعها السيّد نصرالله بتحييد لبنان والقتال في سوريا ساقطة نهائياً، وأنّ هذه الجماعات هي من تحدّد قواعد اللعبة بنقل المعركة إلى لبنان، ما يعني تحوّل لبنان وسوريا إلى مسرح عمليات واحد.
وما أظهرته العمليات الأمنية الأخيرة من بئر العبد إلى استهداف مواكب للحزب في البقاع أنّ المجموعات التي نفّذتها ليست هاوية بل محترفة، بدليل أنّها لم تترك أثراً وراءها في أيّ من هذه العمليات وغيرها، وإذا كانت معارك القصير قد هزّت الصورة التي حاول “حزب الله” تصويرها لنفسه بأنّه جيش خارق واستثنائيّ، فإنّ العمليات الأمنية على محدوديتها التي نفّذت في عقر داره أسقطت مقولة أنّ مناطقه غير قابلة للاختراق الأمني.
وعجز الحزب عن اكتشاف أيّ من هذه العمليات دليل أيضاً أنّها ليست معزولة في الزمان والمكان، أي أنّها مترابطة بشكل أو بآخر، وأنّ منفّذيها يختارون هدفهم بدقّة وعن سابق تصوّر وتصميم، وعدم إعلان “حزب الله” عن وقوع ضحايا في البقاع والضاحية لأسباب أمنية تتّصل بتمويه الوقائع لتضليل الفاعلين عبر عدم تزويدهم المعلومات التي تثبت دقّة استهدافهم، لا يعني أنّ هذه العمليات لم تحقّق الغرض من ورائها بإظهار أنّ الحزب وبيئته ليسا في منأى عن الاستهداف.
وإن دلّت هذه العمليات على شيء، وهنا الأخطر، فعلى أنّها سلسلة في حلقة، بمعنى أنّ انطلاقها هو نتيجة قرار سياسي بنقل المعركة إلى لبنان، والشقّ التنفيذي منها هو مجرّد تفصيل، هذا الشقّ الذي يمكن فرملته لا إيقافه عبر بعض الإجراءات الاحترازية والتي مهما بلغت ستبقى، بالمفهوم الأمني، قاصرة عن ردع كلّ الاختراقات، لأنّ الاستهداف لا ينحصر بمنطقة محدّدة ومسؤولين محدّدين، إنّما يشمل حركة حزبية في طول لبنان وعرضه، الأمر الذي سيبقي “حزب الله” تحت مرمى نيران هذه الجماعات.
فالمسألة الأساسية إذاً تكمن في القرار السياسي للمعارضة السورية بإلهاء “حزب الله” في لبنان وإشغاله لإضعاف تأثيره داخل سوريا، خصوصاً أنّ دخوله في المعارك السورية أدّى إلى قلب المعادلة لمصلحة النظام، وبالتالي تجميد الوقائع العسكرية أو إعادتها لصالح المعارضة يقتضي تعطيل قوّة الحزب، وهذا التعطيل غير ممكن إلّا بعد النجاح في تهديده جدّياً في عقر داره، الأمر الذي يدفعه مرغماً إلى سحب جزء من قوّاته في سوريا وإعادته إلى لبنان، خصوصاً أنّ قدرته على إدارة المواجهة في ساحتين معاً غير متوافرة موضوعياً نظراً لحجمه وإمكانياته البشرية المعروفة، وذلك بمعزل عن الكلام التسويقي الذي أظهرت الأحداث عدم دقّته، فضلاً عن أنّ الحزب الذي سعى بكلّ قوّته إلى تأجيل الانتخابات النيابية للتفرّغ للمعارك السورية بما يشير إلى عدم قدرته على إدارة سياسية-انتخابية في لبنان بالتوازي مع إدارة عسكرية في سوريا، لن يتمكّن بالتأكيد من إدارة معركتين عسكريتين وأمنيتين في بيروت ودمشق.
فالعمليات الأمنية التي استهدفت “حزب الله” أخيراً، أدخلت لبنان وسوريا في مرحلة جديدة، هذه المرحلة المرشّحة للتصعيد والتسعير، لأنّ المعارضة السورية التي قرّرت إخراج الحزب بالقوّة من سوريا لتعديل ميزان القوى على الأرض ليست في وارد وقف عملياتها في لبنان، فيما “حزب الله” الذي دخل الحرب السورية بقرار إيراني استراتيجي ليس بوارد الانسحاب من الحرب السورية، الأمر الذي يعني عودة لبنان إلى “جهنّم الحمرا” ولو مختلفة شكلاً عن حرب العام 75.
