#adsense

170 إفادة وتسجيلات تؤكد مشاركة حزب الله مع الجيش في المعارك… “لايف” تدعو الحكومة الى اعتبار تقريرها إخباراً

حجم الخط

“صيدا من يجرؤ على المحاسبة” هو العنوان الذي اختارته المؤسسة اللبنانية للديموقراطية وحقوق الإنسان “لايف”، للتقرير الذي وضعته حول معارك عبرا في شرق صيدا ونقلت من خلاله حقائق حول تورط “حزب الله” في الاشتباكات التي جرت في المنطقة وفقاً للشهود الذين التقتهم، ورصدت في تقريرها الانتهاكات التي حصلت والمخالفة لقواعد النزاعات المسلحة والقانون الدولي الإنساني لا سيما وضع المدنيين والمقاتلين الذين ألقوا السلاح والمعتقلين والممتلكات. وقدمت مجموعة من الاقتراحات في ختام التقرير لرأب الصدع المجتمعي الداخلي وترميم الثقة بمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية ومحاسبة المرتكبين والتعويض على الضحايا.

وأكدت المنظمة في تقريرها الذي سيرفع الى الأمم المتحدة مشاركة “حزب الله” و”سرايا المقاومة” على نطاق واسع في القتال الى جانب الجيش اللبناني وفي المداهمات الأمنية والتوقيفات والتحقيقات، مشيرة الى وجود صور تؤكدها إفادات أهالي منطقة عبرا المقيمين في محيط مسجد بلال بن رباح وصور مسلحين غير نظاميين تجوب الشارع بجانب عناصر ومدرعات الجيش اللبناني.

وشددت على أن مشاركة هذه المنظمات المسلحة في القتال تشكل انتهاكاً للقانون اللبناني ولسيادة الدولة ومؤسساتها. وأوضحت أن مسلحين مناصرين للأسير تمكنوا من قطع الطريق البحري في صيدا وأوتوستراد صيدا الشرقي المؤديين الى سائر مناطق الجنوب، لكن الجيش اللبناني ووحدات قناصة تابعة لسرايا المقاومة تمكنت بعدها بقليل من إجبارهم على الانسحاب، كما أن القصف المدفعي الشديد المباشر من تلتي شرحبيل ومار الياس وحارة صيدا التابعة لمنظمة “حزب الله” وتدخل فوج المغاوير مكّنت الجيش بعد ساعات معدودة من إحكام قبضته على المربع الأمني للأسير.

وذكرت أن عناصر “حزب الله” وسرايا المقاومة في عبرا انتشروا وقاموا بعمليات مداهمة واعتقال بحق شبان المدينة ومواطنين سوريين. ونقلت عن أحد السكان المدنيين أن “يوم الأحد في 23 حزيران 2013 في الساعة الرابعة توافد 70 مسلحاً من السرايا برئاسة المدعو م. الديراني والمدعو و. الملاح وعمدوا إلى ترهيب الأهالي العزّل في منطقة التعمير وأقفلوا بوجههم المنافذ وأن “التنسيق بين سرايا المقاومة والجيش كان واضحاً لجميع الأهالي وتحت أنظارهم حيث حوصر السكان ليومين ولم يكن يوجد أي إمكانية لخروجهم”.

ولفتت المنظمة في تقريرها الى أنه بتاريخ 23/6/2013 “نفذ مسلحو الحزب وسرايا المقاومة هجوماً من شقتين في بناية دندشلي وقصفوا الشقق الكائنة في المباني المقابلة والمجاورة”.

وأفادت أن منطقة عبرا بقيت مأهولة بساكنيها ولم يردع ذلك الميليشيات المناهضة لمجموعة الأسير من استعمال المدفعية المباشرة (عيار 106 ملم) والرشاشات الثقيلة والمتوسطة في قصف المربع السكني المحيط بمسجد بلال بن رباح، وأن نيران عشوائية عرضت المدنيين للخطر وللإصابات القاتلة”، مؤكدة أن “جميع مقابلات محققي المؤسسة تقاطعت على أن المدفعية المباشرة التي قصفت حي عبرا السكني والمتمركزة على تلة مار الياس لم تكن تابعة للجيش اللبناني بل لمنظمة “حزب الله”.

وأوضحت أن “بناية الأمين القريبة من بناية دندشلي كانت هدفاً غير مشروع لميليشيات “حزب الله” التي تمركزت بعض عناصرها في هاتين الشقتين”. ونقلت عن أحد سكان بناية الأمين قوله “لا ندري لماذا كانوا يقصفون منازلنا وهم يعلمون أننا ما زلنا في البناية”. أما أحد سكان التعمير فأشار الى أن عناصر سرايا المقاومة عمدت أمام أعين الجيش الى إطلاق النار في الهواء وعلى شرفات المنازل في الحي لترويع السكان ومنعهم من مشاهدة وتصوير ما يجري”، ولفتت أن “عناصر السرايا قامت بإحراق منزل أهل وليد البلبيسي الذي كان يعمل مرافقاً للسيد فضل شاكر”، كما أنها قامت مع “عناصر التنظيم الشعبي الناصري بإحراق 3 منازل لعائلات أشخاص ممن كانوا يصلون في مسجد بلال بن رباح”.

ونقلت شهادة الشيخ نديم حجازي الذي أوضح أن سرايا المقاومة تمترسوا على الأوتوستراد الشرقي وأثناء تجاوزي لهم بعد مروري على حاجز للجيش أطلقوا زخ الرصاص على سيارتي من كل الجهات واخترقت الرصاصات زجاج وهيكل السيارة من كل الجهات ومزقت الدواليب فاختل توازن السيارة واصطدمت بعمود كهرباء وحضرت سيارة إسعاف ونقلتني الى المستشفى حيث أجريت لي عملية جراحية لزرع ورك صناعي”.

ووفق المنظمة فإن العناصر الحزبية التابعة لـ”حزب الله” والسرايا تعمدت استهداف المدنيين.

وعن الوضع بعد المعركة، أشارت الى قيام الجيش بإلقاء القبض على عدد من المسلحين “لم يشفع لهم كونهم جرحى أو اختاروا تسليم أنفسهم لوحدات الجيش من التعذيب والأذى الشديد على يد الجيش وإخضاعهم لظروف مهينة وغير إنسانية”.

وأفادت أنه وردت الى المؤسسة صور تظهر جثث لمقاتلي الأسير وقد تم التمثيل بها، مشيرة الى أن “العناصر الحزبية التي تقاتل ضد الأسير يرتدي العديد منها بزات مماثلة لزي الجيش اللبناني”.

ونقلت عن ندى الحريري شقيقة أحد الضحايا في عبرا “عندما شاهدنا الجثة تبيّن لنا وجود آثار ضرب وتعذيب في مختلف أنحاء الجسم وقمنا بتصوير تلك الآثار على جسمه ونشرناها على شبكة التواصل الاجتماعي”.

وأوردت المنظمة في تقريرها أن السوريين محمد المصري وأحمد حجازي أوقفا من قبل عناصر تابعة لحزب الله في مجدليون وتعرضا الى الضرب ثم سلما الى عناصر مخابرات الجيش فرع الجنوب فعذبا وتم كسر سن أحدهما بكماشة حديد”.

ويروي فرياد التلاوي أنه تم توقيفه على حاجز للجيش عندما كان عائداً الى صيدا وأنه شاهد 8 موقوفين كانت الدماء تنزل من رؤوس ووجوه بعضهم وآثار الضرب بادية على أجسادهم بعد أن جرت تعريتهم من ملابسهم من الجهة العليا للجسم”. وسألت والدته “ولدي طالب ثانوي في الأزهر لا يتعاطى السياسة ما الذنب الذي ارتكبه؟”.

وتنقل شهادة ابن الشيخ حجازي الذي أوضح أنه أثناء تواجده مع والده في المستشفى دخلت مجموعة من عناصر الجيش واعتقلته هو وأخوته وأبناء عمته وأجلسونا على الأرض وصوبوا فوهات بنادقهم نحو رؤسنا قبل أن يتصل والدي ومدير المستشفى بمسؤول مخابرات الجيش في الجنوب حتى تمت معالجة الأمر”.

وذكرت “لايف” أنها طالبت في رسالة وجهتها الى رئيس الحكومة اللبنانية المستقيلة نجيب ميقاتي بضرورة إحالة التحقيقات في أحداث عبرا وصيدا الى القضاء العدلي العادي مستندة الى عدم جواز جمع المؤسسة العسكرية بين صفتها كطرف مقاتل وصفتها كمحقق مع من تتهمهم بالقتال”.

وفي رصدها لتصرف المؤسسات العامة واحترام سيادة القانون اللبناني أوردت شهادة من أحد مالكي الشقق التي جرت مداهمتها في عبرا تفيد بأن “عناصر حزب الله الذين كانوا يرتدون زياً مماثلاً لزي الجيش اللبناني مضاف على الزند رباط أصفر أجبروا سكان المباني في مربع عبرا على مغادرة منازلهم لتفتيشها.. وعندما عدنا لا نعلم لماذا جرى خلع الأبواب والخزائن وسرقة الأغراض الثمينة”. بينما قالت مالكة إحدى الشقق “عندما فتحنا البراد وجدنا زجاجات الماء وقد ملئت بالبول”.

وأكدت المنظمة اختطاف مواطنين على يد ميليشيات تابعة للحزب والسرايا واحتجازهم في مراكز حزبية ودينية والتحقيق معهم وتعذيبهم قبل تسليمهم لمخابرات الجيش، مشيرة الى قبول الجهات الرسمية باستلام محتجزين من جهات غير نظامية من دون اتخاذ أي إجراء أمني أو قضائي ضد الخاطفين والمرتكبين”. وأوضحت أن “هذا النوع من التحقيقات يعتبر غير شرعي ويمس بسيادة القانون اللبناني وهو مدار عقوبة جزائية سنداً لقانون العقوبات سيما وأنه سبق هذه التحقيقات عملية خطف”.

وألمحت الى عدم تحريك النيابة العامة الدعوى العامة ضد جميع مسؤولي الميليشيات المسلحة وعناصرها الذين ارتكبوا جنايات على الناس وممتلكاتهم في مدينة صيدا وعلى الأمن والسلامة العامة واقتصار الملاحقة على مجموعة الأسير مما يشير الى استنسابية وانتقائية في التعاطي مع الملفات الجنائية.

وهنا نص التقرير:

هذا التقرير يلخصُّ مسلسل الأحداث التي وقعت في منطقة عبرا(شرقي مدينة صيدا)، وفي داخل مدينة صيدا عموماً، وما حدث بعدها من أحداث وتأثيرات جانبية على السكان وعلى المجتمعات.

يشمل هذا التقرير في فصله الأول وضع حقوق الإنسان عند النزاع وبعده.

يلقي الباب الأول من الفصل الأول الضوء على الإشتباك المسلّح الذي وقع ما بين مجموعات مسلّحة نظامية وغير نظامية في منطقة “عبرا” شرق مدينة صيدا.

الجيش اللبناني في مواجهة مجموعة الشيخ أحمد الأسير المسلّحة.

حزب الله وسرايا المقاومة المسلّحة في مواجهة مجموعة الشيخ أحمد الأسيرالمسلّحة.

كما يلخصُّ التقرير ما رافق الإشتباك المسلّح من واقعات، طبقاً لقواعد النزاعات المسلّحة والقانون الدولي الإنساني، وما تخلله من إنتهاكات لتلك القواعد، التي شملت:

وضع السكان المدنيّين أثناء الإشتباك وبعده.

وضع المقاتلين الذين ألقوا السلاح أو لم يعودوا قادرين على القتال.

وضع المعتقلين.

وضع الممتلكات المدنية.

الأهداف العسكرية المشروعة ومدى إحترام مبدأ التناسب.

كما يضيء التقرير في بابه الثاني من الفصل الأول، على مدى إحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان، لجهة:

الإعتقالات التعسفيّة والعشوائية.

معاملة المعتقلين.

التحقيقات وضمان المحاكمة العادلة.

تعويض الضحايا ومحاسبة المرتكبين.

يتناول الفصل الثاني مبدأ إحترام النظام الديمقراطي وسيادة القانون اللبناني وحالة المؤسسات العامة في ظل النزاع الحاصل.

أمّا الفصل الثالث، فخاص بحلِّ النزاعات المجتمعية بعد النزاع، تُقدِّم فيه مؤسسة “لايف” المختصة بحلِّ النزاعات خلاصة تقيّيمها والحلول المقترحة من قِبَلِها، لرأب الصدع المجتمعي الداخلي، وترميم الثقة بمؤسسات الدولة، وجبر ضرر الضحايا.

لا تستخدم المؤسسة في تقريرها أيّة مصطلحات أو عبارات تُخرجها عن حالة التجرّد في وصف الحالات. كما تمتنع المؤسسة في تقريرها عن تسميّة بعض الشهود حفاظاً على أمنهم الشخصي، تاركةً في الوقت نفسه للسلطات، لا سيّما القضاء، إجراء التحقيقات الملائمة مع هؤلاء الشهود.

ترجو المؤسسة إعتبار هذا التقرير بمثابة إخبار للسلطات اللبنانية، لا سيّما للقضاء ممثلاً بالنيابة العامة التميّيزيّة، لتحريك الدعوى العامة ضد المرتكبين والتوّسع بالتحقيق في جرائم محتملة تشكّل إنتهاكاً جسيماً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولقانون العقوبات اللبناني.

تتمسّك مؤسسة “لايف ” بكامل حقوقها في البحث عن الحقيقة والتحرّي عنها بمختلف الوسائل المشروعة، ونقل المعلومات وتداولها، مستندةً إلى العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وسائر الإتفاقيات الدولية الخاصة المعنيّة، لا سيّما ” إعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان” الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنشور تحت رقم 53/144 بتاريخ 9 ديسمبر\كانون الأول 1998.

تمكن فريق تحقيق المؤسسة من جمع 170 إفادة، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، توزعت الإفادات بين “شهود رابطة”، و”شهود على قاعدة جريمة”، كما احتفظت المؤسسة بتسجيلات مصورة، وصور خاصة تتعلق بملف الأحداث.

[ ماذا حدث؟

بتاريخ 24/6/2013 أنهَت وحدات من الجيش اللبناني مدعومة بفوج المغاوير العملية العسكرية ضد المجموعة المسلّحة التي يقودها الشيخ أحمد الأسير على أثر مقتل ضابط وعنصريّن من الجيش اللبناني وجرح آخرين على حاجز أمني في منطقة عبرا قبل يوم واحد. إتهمت قيادة الجيش اللبناني مجموعة تابعة للشيخ أحمد الأسير بالوقوف وراء هذا الحادث، في الوقت الذي يتّهم الشيخ أحمد الأسير والعديد من السياسيّين ومعظم سكان منطقة عبرا منظمة حزب الله بتدبير هذه الحادثة للإيقاع بين الجيش والطائفة السنيّة، ولإيجاد مبرر ينهي حالة الشيخ أحمد الأسير الداعي إلى نزع سلاح منظمة حزب الله وإقفال مكاتبها في مدينة صيدا.

زادت الإتهامات والتشنجات بعد رفض قيادة الجيش مبادرة هيئة علماء المسلمين، كما كان لمشاركة منظمتيّ حزب الله وسرايا المقاومة في القتال، وظهورهما المسلّح بجانب وحدات الجيش والمغاوير على مرأى من الناس، أثراً سيئاً، وتركَ شعوراً بالإرتياب لدى سكان عبرا ومجدليون(شرقي مدينة صيدا)، وعززَ نظرية المؤامرة لديّهم والشعور بالإضطهاد.

في الوقت الذي نفت فيه قيادة الجيش، ووزير الدفاع اللبناني، أيّة مشاركة لمجموعات مسلّحة غير نظامية في القتال إلى جانب الجيش اللبناني، تؤكد مؤسستنا مشاركة هذه الميليشيات على نطاق واسع بالقتال والقصف المدفعي، وأعمال المداهمة الأمنية، والتوقيفات والتحقيقات، وقد وردت للمؤسسة صوراً، وإفادات من أهالي منطقة عبرا المقيمين في محيط مسجد بلال بن رباح، كما أنَّ صور المسلّحين الغير نظاميين وهي تجوب في الشارع بجانب عناصر ومدرعات الجيش اللبناني، لم تستطِع حجبها كاميرات النقل المباشر لبعض القنوات التلفزيونية، حتى تلك المعادية لتوجهات جماعة الشيخ أحمد الأسير. هذا فضلاً عن كلام العديد من السياسيين في صيدا، وخارجها عن إنتشار مسلّح قامت به منظمة حزب الله أثناء القتال وبعده، وعمدت على نشر حواجز تفتيش، وتدقيق في هويات المارّة في مختلف الطرق ومناطق شرقي مدينة صيدا، ممّا استدعى بالنائب وليد جنبلاط،المؤيّد لعمليّة الجيش ضد الأسير، إلى الإتصال بالسيّد وفيق صفا مسؤول أمن حزب الله متمنيّاً عليه سحب مسلحي الحزب من أمام منزل السيدة بهيّة الحريري !

لا تُعتَبَر مشاركة ميليشيات مسلّحة بالقتال في حادثة عبرا إنتهاكاً لحقوق الإنسان، ولا حتى للقانون الدولي الإنساني، ما لم ترتكب هذه الميليشيا إنتهاكات لهذه القوانين. لكنَّ مشاركة هذه المنظمات المسلّحة في القتال، يُعتبر إنتهاكاً جسيماً للقانون اللبناني، ولسيادة الدولة ومؤسساتها.

بعد حادثة الشرارة الأولى، قام الجيش اللبناني بإطلاق النار على مسجد بلال بن رباح وعلى منزل الشيخ أحمد الأسير ومكتبه الملاصق له. لكنَّ مسلحي الشيخ أحمد الأسير تمكنوا من القيام بإنتشار واسع في مربعهم الأمني ونفّذوا إستنفاراً في منطقة عبرا، وعلى طريق الهلالية عبرا مجدليون.

بعد إشتداد وتيرة الإشتباكات والقصف، اطلق الشيخ أحمد الأسير، عبر تسجيل مصوَّر، نداءات لمناصريه بالتوجه الى عبرا، ودعاهم في كل مكان للنزول الى الشارع وقطع الطرق العامة، كما دعا العسكريين من “أهل السُنَّة” الى الانشقاق عن الجيش. بدأت نداءات النجدة والإستغاثة من المواطنين العالقين في بيوتهم وفي أماكن عملهم، أو ممّن تصادف وجودهم على الطرقات عند بدء الإشتباك. لم يسمح الجيش اللبناني بدخول الدفاع المدني لإجلاء الجرحى والسكان المدنيين إلاّ بعد ساعات، ممّا عرّض العديد من السكان المدنيين إلى الخطر، وفقدان حياتهم.

تمكن مسلحون مناصرون للشيخ أحمد الأسير من قطع الطريق البحري في صيدا، واتوستراد صيدا الشرقي المؤديين إلى سائر مناطق الجنوب، لكنَّ الجيش اللبناني ووحدات قنّاصة تابعة لسرايا المقاومة تمكنت، بعدها بقليل، من إجبارهم على الانسحاب من الشوارع والطرق العامة، كما أنَّ القصف الشديد من المدفعية المباشرة والرشاشات الثقيلة والمتوسطة المنصوبة في تلّة شرحبيل وتلّة مار الياس وفي حارة صيدا التابعة لمنظمة حزب الله، وتدخل فوج المغاوير، مكّنتَ الجيش اللبناني، بعد ساعات معدودة على بدء الاشتباك، من إحكام قبضته على المربع الامني التابع للشيخ الأسير، وتطويق سائر الجيوب خارج منطقة عبرا.

سمحً الجيش اللبناني، بعد إتصالات عديدة من فعاليات المدينة، بإجلاء الجرحى والقتلى من المدنيين، إحتفظ الجيش بجثث قتلى مجموعة الشيخ احمد الأسير، قام بتسليمها إلى ذويها، بعد أيام وعلى دفعات، تجنباً لعمليّة تشيّيع جماعية قد تعيد التوتر إلى أجواء المدينة.

بعد إنتهاء العمليات العسكرية برزت إشكالات عديدة زادت من حدّة التوتر والإحتقان في المدينة:

إنتشار عناصر حزب الله وسرايا المقاومة في منطقة عبرا، وقيامهم بأعمال المداهمة والإعتقال بحق شبّان المدينة ومواطنين سوريّين.

مجهولية مصير العديد من الأشخاص، لم يستطِع ذووهم معرفة ما إذا كانوا معتقلين ولدى أي جهة، أو مقتولين، أو مفقودين..

بداية ورود أخبار عن توقيفات عشوائية، وأعمال تعذيب بحق الموقوفين، عززها تسريب تسجيلات مصوّرة تظهر ضباطاً وعناصر من الجيش اللبناني ومعهم عناصر مدنية تقوم بتعذيب مواطن سوري، وفي تسجيل آخر يقومون بتعذيب مواطن لبناني يعمل سائق أجرة وغير مطلوب بأيّة مذكرة قضائية، سبق ذلك ظهور تسجيلات تظهر عناصر من الجيش تلقي القبض على شخص وتقوم بركله وضربه بشدّة وسط هتافات طائفية لم يتّضِح إن كانت صادرة من عناصر الجيش أو من أشخاص مدنيين كانوا موجودين في المكان.

[الفصل الأول

الباب الأول

مدى إحترام أفرقاء النزاع للقانون الدولي الإنساني

وضع السكان المدنيّين والأعيان المدنية أثناء الإشتباكات وبعدها:

يقع على عاتق الفريقيّن المتنازعيّن ضمن منطقة سكنية ثلاثة موجبات أساسية:

الأول العمل على إخلاء منطقة العمليات العسكرية من السكان المدنيّين.

ثانياً عدم التترُّس بالسكان المدنيّين وتعريض حياتهم للخطر.

ثالثاً – عدم التعرّض للسكان المدنيّين أو للأعيان المدنية بشكل مباشر أو من خلال تعريضهم للخطر.

بعد أن سمحت لمرة واحدة فقط بدخول سيارة إسعاف تابعة للجمعية الطبية الإسلامية، أوقفت قوات الجيش اللبناني عملية إجلاء الجرحى والمدنيّين من مربّع الأحداث في منطقة عبرا. وبقيَّ العديد من سكان الأحياء في الملاجئ والطوابق السفلى لمدة 28 ساعة، كذلك بقي العديد من العاملين في تعاونية البساط محتجزين.

“نهار الاحد في 23 حزيران 2013 عند الساعة الرابعة من بعد الظهر شاهدتُ توافد حوالي 70 مسلحاً ينتمون الى سرايا المقاومة بجميع عتادهم برئاسة المدعو م. الديراني والمدعو و. الملاح، وعمدوا إلى ترهيب الأهالي المدنيين العزّل في منطقة تعمير عين الحلوة وأقفلوا بوجههم جميع المنافذ، منفّذين إنتشاراً عسكرياً على المداخل، ساعد ذلك قيام الجيش اللبناني بإقفال طريق مدخل تعمير عين الحلوة بجانب الجامع الموصلّي بدبابة، كما تمَّ إقفال ساحة مدينة العمال في مدخل تعمير عين الحلوة بدبابة للجيش ايضاً، حيث وقفت بجانب حائط حلويات المصري ممّا منع السكان المدنيين من مغادرة منازلهم في مدينة العمال بعين الحلوة. عند اندلاع المعارك بين الجيش وانصار الأسير كانت جميع منافذ الخروج من عين الحلوة مقفلة تماماً من قوات وآليات الجيش اللبناني ومسلّحي مجموعة سرايا المقاومة. كان التنسيق بين سرايا المقاومة والجيش واضحاً لجميع الاهالي وتحت أنظارهم. حوصر السكان المدنيون ليومين ولم يكن يوجد أية امكانية لخروجهم بعد إشتداد المعارك التي دارت بين الجيش للبناني وسرايا المقاومة من جهة، وانصار الاسير وجند الشام من جهة ثانية”.
(شهادة أحد السكان المدنيين في تعمير عين الحلوة)
يتّخذ الشيخ أحمد الأسير من مسجد بلال بن رباح مركزاً محورياً له ولأنصاره، كما توجد له شقة بجانب مسكنه في طابق أول من البناء المقابل للمسجد، إتّخذها مكتب إعلامي له، ومكاناً لإستقبال زائريه.
عند بداية الإشتباك مع الجيش اللبناني، نفّذَ مسلحو الأسير إنتشاراً عند مداخل الأبنية السكنية وداخل المسجد. أنكرَ سكان الحيّ أن يكون مسلحو الأسير قاموا بإعتلاء أسطح المباني، علماً أنهم حاولوا ذلك ثم تراجعوا عن الأمر بإعتبار أنّ الأسطح هي أماكن مكشوفة عسكرياً، لكنّهم أشاروا أنَّ المسلحين تترسّوا عند مداخل الأبنية وبين السيارات، كما أنه لم يكن هناك أعداد كبيرة من هؤلاء المقاتلين، بحسب إفادات السكان.
إستهدفت قوات الجيش والميليشيات المناوئة لمجموعة الأسير مسجد بلال بن رباح، بإعتباره هدفاً مزدوجاً مشروعاً، أستخدم كقاعدة لمقاتلي الأسير. كما حاول الجيش تكثيف هجماته دافعاً بتعزيزات بإتجاه المربّع الأمني التابع للشيخ الأسير، ممّا دفع بالعديد من المقاتلين إلى تسليم أنفسهم إلى وحدات الجيش. لكنَّ القصف الشديد والعشوائي على كامل المربّع أسقط العديد من القتلى، لم نستطِع التأكد من أن يكون العدد الكبير من قتلى الجيش اللبناني كان بسبب القصف العشوائي للمدافع المباشرة وللرشاشات الثقيلة التي نصبها حزب الله في تلّة مارالياس وحارة صيدا. لكنَّ فريق تحقيق المؤسسة تمكن من معاينة الأبنية السكنية المحيطة بمربّع الشيخ أحمد الأسير، التي أصابتها قذائف صاروخية من مدافع مباشرة وهاون وقذائف ب 10 وب7، وآر بي جي، كانت أكثر الإصابات الصاروخية تتركز في وسط المباني، ممّا يؤكد على عشوائية القصف، فهي لم تكن تستهدف سطوح المباني للقضاء على قنّاصة مفترضين، كما أنها لم تكن تستهدف مداخل الأبنية حيث يتترّس مسلحو الشيخ احمد الأسير. لقد كانت الإصابات الفادحة في الأقسام الوسطى من المباني.
يتّخذ حزب الله من شقتيّن في بناية دندشلي ضمن حيّ سكني في منطقة عبرا مركزاً عسكرياً، وقاعدة للهجوم على مجموعة الشيخ أحمد الأسير، بتاريخ 23 6 2013 نفّذ مسلحو الحزب وسرايا المقاومة هجوماً من هاتيّن الشقتيّن وقصفوا بشكل عشوائي الشقق الكائنة في المباني المقابلة والمجاورة لبناء دندشلي. زار فريق المؤسسة بناية الأمين التي تمَّ إستهدافها من الشقتيّن، ودخلنا شقة آل يحيى التي نالت النصيب الأكبر من الرصاص المتوسط وقذائف الـ ب 10، والتي كان مصدرها تلك الشقتيّن، على ما هي ظاهرة بالعيّن المجرّدة، وبدون أيةّ معاينات قياسية. قوات الجيش التي دفعت بتعزيزات عسكرية مكثّفة إلى أماكن القتال إستخدمت الدبابات والرشاشات المتوسطة والخفيفة فضلاً عن القاذفات الصاروخية من نوع ب7، بحسب إفادات العديد من سكان الحيّ.
أصيب بناء دندشلي السكني، حيث توجد الشقتان، بأضرار جسيمة، من جرّاء إستعمال هاتيّن الشقتيّن السكنيتيّن كقاعدة عسكرية لمنظمة حزب الله وسرايا المقاومة، كذلك بناية المعرض الهندي تعرّضت للحرق كليّاً بعد أن اندلعت النيران في المحال الكائنة عند مداخل البناء، بعد أن تترّس المسلحون عند مداخل الابنية السكنية. خلُصت المؤسسة في هذا الإطار أن كافة أطراف النزاع تترسوا بالأبنية السكنية وعرّضوا السكان المدنيين للخطر المحقق، وفقد العديد حياتهم وخسر ممتلكاته بفعل ذلك.
الإشتباك المسلّح الذي حدث في منطقة عبرا يدخل ضمن “تكتيكات حرب الشوارع”، حيث تُستعمل عادةً نوعيّة محددة من الأسلحة الملائمة التي لا تلحق ضرراً مباشراً بالسكان المدنيين.
بقيّت منطقة عبرا، ولمدة طويلة، مأهولة بساكنيها، ولم يردع ذلك الميليشيات المناهضة لمجموعة الشيخ أحمد الأسير من إستعمال المدفعية المباشرة(عيار 106 ملم) والرشاشات الثقيلة والمتوسطة في قصف المربع السكني المحيط بمسجد بلال، ولم تسلَم العديد من الأبنية المقابلة لتلتيّ مار الياس وشرحبيل من آثار هذا القصف العشوائي. كما أنَّ آثار رصاص الرشاشات الثقيلة والمتوسطة وقذائف الـ(ب 10) داخل شقق سكنية، تدلُّ على نيران عشوائية عرّضت السكان المدنيّين للخطر وللإصابات القاتلة، جميع مقابلات محققي المؤسسة تقاطعت أنَّ المدفعية المباشرة التي قصفت حيّ عبرا السكني والمتمركزة على تلّة مار الياس لم تكن تابعة للجيش اللبناني، بل لمنظمة حزب الله المسلّحة كما أنَّ الأبنية المقابلة لتلتيّ شرحبيل ومارالياس التي أصيبت بأضرار جسيمة تدلُّ أيضاً على ذلك، كذلك تبيّن لنا، لدى المعاينة الميدانية، أنَّ الشقتيّن المحسوبتيّن على تنظيم حزب الله واللتين تقعان في بناية دندشلي شاركتا بفعاليّة في المعركة وقامتا بقصف المباني المجاورة لها بشكل عشوائي مستخدمةً قاذفات الـ(ب10) والرشاشات المتوسطة، كانت بناية “الأمين” القريبة من بناية “دندشلي” هدفاً غير مشروع لميليشيا حزب الله التي تمركزت بعض عناصرها في هاتيّن الشقتيّن، وآثار الرصاص المتوسط والقذائف على جدران الطوابق الوسطى والعليا من بناية الأمين، بدت واضحة للعيان أنَّ مصدرها الشقتيّن المذكورتيّن. أكدَّ لنا سكان الشقق المستهدفة أنه لم يكن في البناء كلّه مسلّح واحد.
“عندما بدأ إطلاق النار من الشقتيّن التابعتيّن لحزب الله على البناية وشققنا، نزلتُ مع عائلتي إلى أسفل البناء للإحتماء، كانت الرشقات غزيرة يقطعها دويّ إنفجار القذائف على جدار البناء، كنّا نسمع إنهيار الجدران وتحطيم الزجاج، لا ندري لماذا كانوا يقصفون منازلنا وهم يعلمون أننا لا زلنا في البناية، ونحن نعلم أنّه ليس ثمّة مسلّح واحد في بنايتنا أو في البناء المجاور؟”!
(شهادة أحد سكان بناية الأمين عبرا).
“عمدت عناصر سرايا المقاومة أمام أعيُّن الجيش اللبناني إلى إطلاق النار في الهواء وعلى شرفات المنازل في حيّ التعمير السكني، لترويع السكان ومنعهم من مشاهدة وتصوير ما يجري، عبر النوافذ أو من الشرفات. شعر الأهالي بالاهانة والخوف بعد أن قامت عناصر السرايا بتوجيه الشتائم لهم ولمعتقداتهم الدينية، سيّما وأنها كانت على مسمع ومرأى من عناصر الجيش اللبناني. كما قامت عناصر السرايا بإحراق منزل أهل “وليد البلبيسي” الذي كان يعمل كمرافق للسيد فضل شاكر، وأهل السيد وليد البلبيسي ليس لهم علاقة بجماعة الاسير. كما عمدت عناصر السرايا مع عناصر من التنظيم الشعبي الناصري إلى إحراق ثلاثة منازل لعائلات أشخاص ممّن كانوا يصلون في مسجد بلال بن رباح”.
(شهادة أحد سكان حيّ التعمير)
الشاب وسام تميم، أحد المدنيّين الذين صودف وجودهم في منطقة عبرا عند إندلاع الإشتباكات، إتصل من هاتفه الجوّال بوالدته طالباً منها الإتصال بأحد معارفهم العاملين في الصليب الاحمر اللبناني، لإسعافه بعد إصابته بذراعه. قامت والدة وسام بالإتصال بمحامٍ يعمل متطوعاً في الصليب الأحمر طالبةً منه العمل على إسعاف إبنها. لم تتمكن سيارة الإسعاف من دخول المنطقة إلاّ بعد أن سيّطر الجيش اللبناني وميليشيا حزب الله وسرايا المقاومة على المنطقة التي كانت تشهد إشتباكات في منطقة عبرا. إلاّ أن سيارة الصليب الأحمر لم تتمكن من إسعاف وسام بعد أن تبيّن أنه فقد حياته من جرّاء إطلاق عدّة رصاصات عليه من مسافة جد قريبة!
“بعد أن تلقيّنا إتصالات من أهالي منطقة عبرا، لا سيّما من الأحياء التي تشهد إشتباكات، من أنَّ هناك العديد من القتلى والجرحى المدنيّين في الطرقات، قمتُ بإرسال سيارة إسعاف تابعة للجمعية التي أرأسها، لكن سيارة الإسعاف وصلت إلى سوبر ماركت البساط حيث قامت بإسعاف جريح واحد مصاب برأسه، وعلقت السيارة وسط الإشتباك ولم تستطِع من إكمال سيرها نحو باقي الجرحى والقتلى، عندما علمتُ بالأمر قمتُ بعدة إتصالات شملت السيدة بهيّة الحريري والعقيد ممدوح صعب من الجيش اللبناني، لكن لم نتوصل إلى إيجاد أي حل يضمن ممر إنساني أو وقف لإطلاق النار، عندها قررتُ التوجه مع ثلاثة من شباب الجمعية بينهم إبن شقيقتي، إلى مسجد باب السراي في منطقة صيدا القديمة، حيث يُطلق الآذان المركزي في كل مساجد مدينة صيدا وبلدات شرقي صيدا، بهدف إطلاق نداء إستغاثة إنساني. عندما انطلقتُ بسيارتي مررتً على حاجز للجيش اللبناني قبل مسجد بهاء الدين الحريري، بعد تجاوزي للمسجد شاهدتً مسلحين تابعين لسرايا المقاومة يتمترسون خلف الجدران على الأوتوستراد الشرقي، ما إن تجاوزتهم حتى بدأ زخّ الرصاص على سيارتي من كل الجهات. إخترقت الرصاصات زجاج وهيكل السيارة من كل الجهات ومزّقت الدواليب، فاختل توازن السيارة حتى إصطدمت بعامود كهرباء، حضرت سيارة الإسعاف ونقلتني إلى المستشفى حيث أجريت لي عملية جراحية لزرع ورك صناعي”.
(شهادة الشيخ نديم حجازي رئيس جمعية الإستجابة الخيّرية وأحد فعاليات مدينة صيدا)
يتبيّن للمؤسسة من خلال المشاهدات وشهادات الضحايا أنَّ العناصر الحزبية المسلّحة التابعة لتنظيميّ حزب الله وسرايا المقاومة تعمّدت إستهداف المدنيّين في معرض قتالها لمجموعة الشيخ أحمد الأسير.
وضع المقاتلين المعتقلين أو الذين لم يعودوا قادرين على القتال
بعد إنتهاء المعركة قام الجيش اللبناني بإلقاء القبض على عددٍ من المسلّحين، لم يشفع كوّن هؤلاء جرحى أو اختاروا تسليم أنفسهم لوحدات الجيش، من تعرّضهم للتعذيب والأذى الشديد على يد عناصر الجيش اللبناني، وإخضاعهم لظروف مهينة وغير إنسانية.
“دخل إلى بنايتنا شابان مسلّحان من جماعة الشيخ الأسير للإحتماء من القصف، لكننا رجوّناهما إلاّ يدخلا بسلاحهما إلى البناء حتى لا يعرّضا حياة العائلات الآمنة للخطر، وبالفعل ترك الشابان سلاحهما في الخارج وانضمّا إلى العائلات المختبئة في القسم السفلي من المبنى. بعد إنتهاء الإشتباك، ومع بدء مداهمات الجيش للشقق في المباني، خشيتُ على نفسي وعلى عائلتي بإعتباري قمتُ بتخبئة مناصريّن للشيخ أحمد الأسير، فاستئذنتُ من الشابيّن أنّي سأعلم ضابط الجيش المولج بأعمال الدهم، بوجودهما، بعد أن أذكر له أنهما لم يشاركا في القتال وبقيا كل الوقت مع عائلاتنا. عندما قام الشابان بتسليم نفسيّهما إنهارت عليهما عناصر الجيش اللبناني بالركل والضرب الشديد، ثم قام أحد العناصر بالوقوف على وجه أحد الشبّان المعتقلين.. عندها ندمتُ أنّي طلبتُ منهما تسليم نفسيّهما”.
(شهادة أحد سكان مبنى مجاور لمسجد بلال بن رباح-عبرا)
وردت إلى المؤسسة صوّر تظهر جثث لمقاتلي الشيخ أحمد الأسير وقد تمَّ التمثيل بها. بعض الصوَر يُظهر شخصاً يرتدي زيّ المغاوير يقوم بدهس رأس إحدى الجثث، لكنَّ من قام بتصوير هذا المشهد تعمّد عدم إظهار الوجه، وبالتالي لا يمكننا الجزم أن من قام بهذا التصرف هو عنصر من مغاوير الجيش، سيّما وأنَّ العناصر الحزبية التي تقاتل ضد مجموعة الاسير يرتدي العديد منها بزّات مماثلة لزيّ الجيش اللبناني.
“بعد إصابة شقيقي “أحمد الحريري” في معركة عبرا تمَ نقله إلى مستشفى حمود في صيدا في سيارة الجيش اللبناني، بعدها تمَ نقله إلى مستشفى الدكتور لبيب أبو ضهر حيث فارق الحياة قبل وصوله للمستشفى. تقرير المستشفى ذكر أنَّ سبب الوفاة كانت نتيجة توقف وظائف القلب بفعل الإصابة بطلق ناري. لكننا عندما شاهدنا الجثة تبيّن لنا وجود آثار ضرب وتعذيب في مختلف أنحاء الجسم وقمنا بتصوير تلك الآثار على جسمه ونشرناها على شبكة التواصل الإجتماعي، لديّنا يقين نحن العائلة من أن يكون شقيقي قد فارق الحياة نتيجة التعذيب وليس من جرّاء إصابته”.
(شهادة ندى الحريري شقيقة أحمد الحريري)
التسجيلات المصوّرة والشهود تثبت أنَّ الأشخاص الذين تعرّضوا للضرب المُبرح، كانوا عاجزين عن المقاومة أو إلحاق أيّ أذى بعناصر الجيش، بعضهم عمد إلى تسليم نفسه طواعيةً لعناصر الجيش الموجودة في الميدان.
ممّن قام بتسليم نفسه للجيش اللبناني “نادر بيّومي” وهو أحد المطلوبين لجهاز مخابرات الجيش اللبناني. لم يكن يعلم نادر أنّه على موعد مع جلاّدين وليس مع محققين. عندما نقلت سيارة للجيش اللبناني عدداً من المعتقلين من بينهم نادر بيومي، من ثكنة صيدا إلى وزارة الدفاع، إمتنعت مخابرات الجيش في اليرزة إستلام ” نادر” نظراً لحالته المشرفة على الهلاك بفعل التعذيب الشديد الذي تعرّض له في ثكنة صيدا. تمَّ نقل نادر بيومي إلى المستشفى العسكري. لكنه فارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى. بعدها بأيام ظهرت صوَر نادر بيّومي وآثار التعذيب الشديد ظاهرة في مختلف أنحاء جسمه ووجهه وبقع تجمّع الدماء ظاهرة أسفل جنب البطن ممّا يدل على كسور تعرّض لها أدّت إلى نزيف داخلي.
محمد المصري وأحمد حجازي مواطنيّن سورييّن يعملان في ورشة بناء عمارة سليّمان في منطقة عبرا. بعد إندلاع الإشتباكات لم يتمكنا من مغادرة المنطقة فبقيا عالقيّن في شقة قيّد الإنشاء.عصر يوم اليوم التالي وبعد إنحسار المعارك، خرجا ليلتقيا بعناصر الجيش اللبناني في الطريق، نصحهم الجنود بعدم التقدم نظراً لعمليات القنص على طريق عبرا الرئيسيّة، فاختارا الذهاب عبر تلّة شرحبيل بإتجاه مجمّع إتحاد المؤسسات الإغاثية في صيدا حيث يقيما. عند وصولهما إلى مجدليون أوقفتهما عناصر تابعة لحزب الله، قاموا بعصب أعيّنهما واقتيادهما إلى مكانٍ قريب حيث باشروا التحقيق معهما حول دورهما في الإشتباك، تعرّض الشابان إلى الضرب، ثمَّ تسلّمتهما عناصر مخابرات الجيش فرع الجنوب وباشروا التحقيق معهما، فتعرّضا إلى الضرب المبرح والتعذيب وتمَّ كسر سن أحد الشابين بكماّشة حديد، وبعد أن بقيا على أقوالهما، نُقِل الشابان إلى وزارة الدفاع حيث أطلق سراحهما.
“كنتُ عائداً من بيروت عبر الباص إلى مدينة صيدا توقفنا على حاجز للجيش اللبناني وشاهدتُ مع آخرين عناصر من الجيش تقوم بركل وضرب أحد الأشخاص على الحاجز، كان المشهد قاسياً، فقلت

حرام عليكم.. فإذ بأحد ركاب الباص ينادي للجنود قائلاً: هذا الولد عم يسب الجيش.. ما هي إلاّ لحظات حتى قام عناصر الجيش اللبناني بإنزالي بالقوة من الباص وبدأوا يضربونني، ثمَّ وضعوني في شاحنة ونقلوني مع موقوفين آخرين إلى أحد المراكز العسكرية في صيدا. هناك بدأ الضرب الشديد والشتائم، أحسستُ بفقدان التوازن، عندها إقترب منّي أحد الجنود وهمس لي: بتتعاطى مخدرات؟ نحن إتصلنا بوالدك وأخبرنا أنَّك تتعاطى المخدرات.. ثمَّ قال لي: بدّك مخدرات؟.. في المركز الذي كنتُ أُضرب فيه لم يتم التحقيق معي، بعدها نقلوني إلى مركز التحقيق كنتُ مكبّلاً مع موقوفين آخرين، وضعوناً على الأرض وعندما وقفنا جاء رجل يرتدي زيّاً مدنياً قام بتصويرنا، كنتُ أنظر حولي وأشاهد الموقوفين الثمانية الذين كانوا معي، كانت الدماء تنزل من رؤوس ووجوه بعضهم، آثار الضرب كانت بادية على أجسادهم.. شاهدتُ ذلك لأنَّ الموقوفين جرت تعريّتهم من ملابسهم من الجهة العليا للجسم”.
(شهادة الضحيّة فرياد خالد سليمان التلاوي من داخل مستشفى حمّود في صيدا، حيث تجري معالجته بعد أن تعرّضَ للتعذيب وللأذى الجسدي).
منعت إدارة مستشفى حمّود فريق قناة العربية من إدخال أيّ كاميرا إلى المستشفى، كما تمَّ منع فريق مؤسسة “لايف” من مقابلة “فرياد”، صرّح موظفو المستشفى أنَّ هناك تعليمات من الجيش اللبناني تقضي بمنع الزيارة للجرحى. لكنَّ مدير مؤسسة “لايف” تمكنَ من إجراء مقابلة مع الضحيّة “فرياد” بإعتباره محامياً يرغب بالتوكل عنه، وتمكنت مراسلة قناة العربية من تصوير الجروح والكدمات على جسم فرياد من خلال هاتفها الجوّال.
تؤكد مؤسسة “لايف” أنَّ جميع المعتقلين على خلفيّة أحداث عبرا، تعرّضوا لضروب شتّى من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية منذ لحظة توقيفهم، وعند إخضاعهم للتحقيق في ثكنة الجيش اللبناني في صيدا. كما تعرّضَ العديد من المحتجزين اللبنانيين والسوريين لمعاملة مماثلة لدى منظمة حزب الله، قبل أن تسلّمهم لمخابرات الجيش اللبناني بحسب إفادة أحد المواطنين السوريين المُفرج عنهم.
[ الباب الثاني
في القانون الدولي لحقوق الإنسان
1 – تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤاً ومشاركة في التعذيب.
2 – تجعل كل دولة طرف هذه الجرائم مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار طبيعتها الخطيرة.
(نص المادة الرابعة من إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاإنسانية أو المهينة).
إنضمّ لبنان إلى إتفاقية مناهضة التعذيب بتاريخ 10/5/ 2000
لم تكتفِ عناصر الجيش اللبناني بتعذيب مقاتلين من جماعة الشيخ أحمد الأسير، بل إمتدَّ ذلك الأمر ليشمل مناصرين له، بل تمادت التوقيفات العشوائية لتطال شبّاناً، على خلفية معتقداتهم الفكرية وهيئتهم، ومظهرهم، وجنسيتهم السورية، أو بناءً على وشاية كيّديّة. أسوأ ما في هذا الأمر أنَّ جميع هؤلاء تعرّضوا للتعذيب ولسوء المعاملة قبل أن يُطلّق سراحهم، العديد من هؤلاء نُقِلَ إلى المستشفيات لتلقّي العلاج من أثر التعذيب والأذى الجسدي الذي تعرّضوا له.
“ولدي طالب ثانوي في الازهر، لا يتعاطى السياسة، ما الذنب الذي ارتكبه ؟! ماذا فعل لهم ؟ أنا موظف دولة، خدمتُ دولتي حتى بلغتُ هذا العمر، لماذا فعلت بنا الدولة هذا ؟ لقد رموا لي ولدي على باب الثكنة في صيدا بعد أن خلصوا من تعذيبه، جئتُ به إلى المستشفى.. لقد كان ولدي فرحاً بشهادته يومها قبل أن يعتقلوه، لم تتم فرحته وفرحتنا في ذلك اليوم”.
(شهادة والد الضحيّة فرياد التلاوي من مستشفى حمّود في صيدا).
“أثناء وجودي مع والدي الشيخ أمين حجازي في المستشفى دخلت مجموعة من عناصر الجيش إلى المستشفى وقامت بإعتقالنا أنا وإخوتي وأبناء عمتي، أجلسونا على الأرض وصوّبوا فوهات بنادقهم نحو رؤوسنا، صرخَ بوجهي أحدهم قائلاً: لماذا لديّكَ لحية مثل المعزاة ؟، حاولت جدتي الإقتراب لتسألهم لماذا يقومون بهذا الإجراء، وجّه أحد العناصر بندقية الرشاش صوبها مهدداً: إن لم ترجعي سأطلق النار عليكِ! إتصل والدي ومدير المستشفى بالعميد شحرور مسؤول مخابرات الجيش في الجنوب حتى تمّت معالجة هذا الأمر”.
(شهادة إبن الشيخ أمين حجازي صيدا).
خَلُصَت المؤسسة في هذا الشأن إلى ثلاث نتائج:
1 – التعذيب كان ممنهجاً ضد جميع الموقوفين منذ لحظة توقيفهم في المنازل والطرقات، قبل التحقيق وأثناءه، داخل مراكز التوقيف النظامية وغير النظامية في مدينة صيدا، ولم يصرّح أيٍّ من الموقوفين المخلى سبيلهم أنهم تعرّضوا للتعذيب أثناء التحقيق معهم في وزارة الدفاع.
2 – التعذيب كان ممنهجاً وشديداً، ومُفضياً إلى الموت في حالة واحدة على الأقل
3 – الطائفية والكراهية والرغبة في الإنتقام، كانت أبرز دوافع أعمال التعذيب التي مارستها جهات نظامية وغير نظامية ضد موقوفي أحداث عبرا صيدا.
شملت بعض الإعتداءات ناشطي المجتمع المدني.
بتاريخ 27/6/2013 بتمام الساعة الخامسة عصراً، وأثناء مرافقة الناشط المدني “طارق أبو زينب ” لفريق من الإعلاميّين قرب محل حلويات الجردلي في مدينة صيدا، تقدّم نحوه عنصر مسلّح من التنظيم الشعبي الناصري يدعى محمود ج.، يرافقة مسلّح آخر من سرايا المقاومة قام محمود ج. بضرب “طارق” بشدّة، ممسكاً برقبته بهدف خنقه. إستطاع “طارق” بعد مقاومة، من الإفلات منهما، إضطر الفريق الإعلامي لمغادرة المكان بعد أن صوّر بداية الإعتداء وقبل أن تتطوَر الأمور إلى الأسوأ.
“تضمن كل دولة طرف(في الإتفاقية) عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليلٍ على الإدلاء بهذه الأقوال”.
(نص المادة 15 من إتفاقية مناهضة التعذيب)
بالرغم من تعرّض الموقوفين لضروبٍ عدّة من التعذيب، إلاّ أنَّ التحقيق تواصلَ معهم، في وزارة الدفاع، ولدى قاضي التحقيق العسكري في المحكمة العسكرية، علماً أنَّ جزءاً من التحقيقات الاوليّة لدى مخابرات الجيش فرع الجنوب، جرَت تحت التعذيب والتهديد. خضع الموقوفون لتحقيقات مخابرات الجيش في وزارة الدفاع، وتحت إشراف مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، وكانت ظاهرة على وجوه بعضهم، وعلى أجسادهم آثار الضرب والتعذيب، بدون أن تُحرِّك النيابة العامة الدعوى العامة في جُرمِ التعذيب وتفتح تحقيقاً مستقلاً في ذلك. استمرّت التحقيقات مع الموقوفين بشكلٍ عاديّ وكأن شيئاً لم يحصل معهم !
طالبت مؤسسة “لايف” عبر رسالة مطالب قانونية وحقوقية سلّمتها إلى رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل الأستاذ نجيب ميقاتي بضرورة إحالة التحقيقات في أحداث عبرا وصيدا إلى القضاء العدلي العادي، مستندةً إلى عدم جواز جمع المؤسسة العسكرية بيّن صفتها كطرف مقاتل وصفتها كمحقق مع من تتّهمهم بقتالها، وسلطة مخوّلة النطق بالحكم عليّهم(القضاء العسكري)، واعتبرت “لايف” أنه لا يمكن أن تضمن تحقيقاً متجرداً ومحاكمة عادلة في ذلك. بِغض النظر عن موقف “لايف” من القضاء العسكري بإعتباره قضاءً إستثنائياً. كما اعتبرت “لايف” أنَّ تكليف القاضي صقر لمخابرات الجيش بإجراء التحقيق الأولي هو مخالف لقانون أصول المحاكمات الجزائية الذي أناط مساعدة النيابات العامة وقضاة التحقيق، حصراً، بأشخاص الضابطة العدلية، وأنه لا يجوز إستناد القاضي صقر إلى قرار قديم(سابقة قانونية للقاضي عدنان عضّوم)، بإعتبار أن القرار لا يمكن أن يلغي قانوناً.
[الفصل الثاني
تصرّف المؤسسات العامة وإحترام سيادة القانون اللبناني
“أجبرت عناصر من حزب الله ترتدي زيّاً مماثلاً لزيّ الجيش اللبناني مضافٌ على الزند رباط أصفر، سكان المباني التي تقع ضمن المربّع الذي شهد أعنف الإشتباكات في منطقة عبرا، مغادرة منازلهم، بهدف تفتيشها، عندما قلنا لهم أنَّ هناك حاجيات ثمينة داخل المنازل، قالوا لنا اتركوا كل شيء مكانه، نحن ملتزمون دينياً ولا ناخذ حراماً. عندما عدنا لتفقد منازلنا، وجدنا كل الخزائن مخلّعة ومحطّمة، وتمّت سرقة كل الأغراض الثمينة، لا نعلم حتى لماذا جرى خلع الأبواب الداخلية في الوقت الذي يستطيع هؤلاء إستخدام المفاتيح التي كانت موجودة في الأبواب؟! ما حدث معنا، جرى مع جميع سكان البناء والابنية المجاورة”.
(شهادة الشيخ خليل الصلح أحد مالكي الشقق التي جرت مداهمتها في عبرا)
“عند تفقدنا لشقتنا التي تمّت مداهمتها أولاً من عناصر حزب الله، وتركها الحزب بعد ذلك لجماعة سرايا المقاومة، باعتبار أنَّ معظمهم من سكان صيدا، كانت كل الأبواب مخلّعة والخزائن محطمة، حتى زجاج المرايا، تمّت سرقة كل الاغراض الثمينة، لا سيّما المجوهرات، خطّت على الجدار شعارات وكتابات طائفية(إستلمت “لايف” صوراً عن حالة الشقة) كما تمَّ بعثرة الملابس، وعُلّقت بعض الملابس النسائية على النوافذ بطريقة إستفزازية، عند فتحنا للبرّاد وجدنا زجاجات الماء قد مُلِئَت بالبول”!
(شهادة أم عبد شمندور مالكة إحدى الشقق التي تمّت مداهمتها في عبرا)
تلقّت مؤسسة ” لايف” عناوين عشرات الشقق والمحال التجارية التي تمّت مداهمتها وسرقتها في منطقة عبرا. تلقى الأهالي المتضريين خبراً مفاده أنه لا يُمكن تعويضهم عن المسروقات. تطرح مؤسسة “لايف” هنا سؤالاً عن المسؤول الفعلي عن إدارة المنطقة بعد إنتهاء الإشتباكات.. هل هو الجيش اللبناني الذي أعلن سيّطرته، حصراً،على المنطقة بعد إنتهاء المعركة، أم منظمتيّ حزب الله وسرايا المقاومة التي يتّهمها أهالي المنطقة بمداهمة مساكنهم بعد إنتهاء المعركة وبعد إخراجهم من بيوتهم ؟
في كلتا الحالتيّن تعتبر مؤسسة “لايف” أن الحكومة اللبنانية هي المسؤولة عن إدارة المنطقة التي قام الجيش اللبناني بالإنتشار فيها، سواء علم الجيش بإنتشار العناصر الحزبية المسلّحة، أو لم يعلم -(ضمن المنطقة التي شهدت مداهمات وسرقات) – وبالتالي فالحكومة اللبنانية هي المسؤولة، حصراً، في تعويض السكان عن جميع الأضرار اللاحقة بممتلكاتهم.
“قيادة الجيش اللبناني أعلنت إنهاء العمليات العسكرية بعد القضاء على مجموعة الشيخ أحمد الأسير، وعمدت إلى منع السكان من العودة إلى منازلهم، خوفاً من إحتمال أن يكون المسلّحون قد فخخوا الشقق، على حد بيانٍ لها”.
رصَدت “لايف” ملاحظات عديدة حول آداء المؤسسات العامة قضائيةً كانت أم عسكرية، أو أمنية.. عند بداية النزاع وقبله وبعده، وخلُصَت إلى التالي:
1 – الإمتناع عن سحب السلاح غير الشرعي من مدينة صيدا وشرقي صيدا، وإقفال المكاتب الأمنية غير الشرعية، على الرغم من مطالبة العديد من فعاليات المدينة ومنهم الشيخ أحمد الأسير، بذلك، ممّا كان جنّبَ الوصول إلى هذا الإشتباك الذي كلّف الدولة والمدينة خسائر في الأرواح والاموال.
2 – عدم تعاطي المؤسسات القضائية والامنية، بالمساواة، في القضايا الامنية بين مجموعة الشيخ الأسير والمجموعات المناهضة له، ممّا زاد من حدّة النقمة والإحتقان في صفوف مجموعة الأسير، قبل أن ينفجر الوضع.
3 – عدم إجراء أي تحقيق جدّي حول حادثة الشرارة الاولى التي أدّت إلى الإشتباكات.
شكّكت العديد من الجهات السياسية والدينية والفعاليات من أن تكون مجموعة الشيخ أحمد الأسير تقف وراء إطلاق النار على حاجز للجيش اللبناني، لكنَّ قيادة الجيش كانت مصرّة على روايتها مستندةً إلى تقرير عناصرها الذين كانوا على الأرض. أصحاب الرواية المقابلة يتحدثون عن إستعدادات قامت بها عناصر تابعة لمنظمة حزب الله ولتنظيم سرايا المقاومة قبل يوم من الحادثة، عن طريق نقل ذخائر إلى الشقتيّن المشغولتيّن لصالح هذيّن التنظيميّن في عبرا، لا سيّما إلى شقة ثالثة كانت فوق مطعم الـ(كي إف سي) حيث حاجز الجيش المُعتدى عليه. يُعزز هؤلاء حجتهم بأنَّ قيام حزب الله بالقصف على مسجد بلال بن رباح والأحياء المحيطة به، كانت مع بداية الإشتباك، وبالتالي لا يمكن تصوّر أن يتم هذا الأمر بشكل عفوي وبدون عمليات تحضير مسبقة، كنصب المدفعية وغيرها من تهيئة أجواء المعركة، لوجستياً وتعبوياً، قبل إندلاعها..
في مطلق الأحوال، ترى المؤسسة أنَّ إجراء تحقيق مستقل حول حادثة الشرارة الأولى يجب أن يحصل، وذلك لتحديد المسؤولية عن مقتل ضابط وعدد من عناصر الجيش اللبناني، على ألاّ يمسّ هذا التحقيق مشروعية تصرّف المؤسسة العسكرية بإنهاء أيِّ مظهر مسلّح، بإعتباره خارجاً عن الشرعية.
4 – رفض مبادرة هيئة علماء المسلمين في أول الأحداث.
تقدمت هيئة علماء المسلمين في لبنان بمبادرة لقيادة الجيش تقضي بوقف إطلاق النار وتسليم العناصر التي اشتبكت مع الجيش، وتمكين وفد هيئة العلماء المسلمين من مقابلة الشيخ أحمد الأسير لسماع أقواله فيما جرى في الحادثة الأولى.
قوبلت المبادرة بالرفض من جهة المؤسسة العسكرية.
رأت هيئة علماء المسلمين أنَّ الجيش كان بإمكانه تحقيق أهدافه من خلال المبادرة، بدون الوصول إلى هذا الكم الكبير من الخسائر في صفوفه وصفوف مجموعة الشيخ أحمد الأسير وفي صفوف الأرواح والأعيان المدنية، واتهمت الهيئة طرفاً ثالثاً من أنه يريد الوصول إلى هذه النتيجة، مشيرةً وبشكل صريح إلى منظمة حزب الله.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل كانت المعركة غاية بحدِّ ذاتها، أم هي وسيلة للوصول إلى الغاية؟
تُشير مؤسسة “لايف” إلى: أنَّ المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني تدلُّ على أن الحرب هي وسيلة إستثنائية تفرضها الضرورة للوصول إلى الأهداف المرجوة لأيٍّ من أطراف النزاع، بحيث إن تحققت هذه الأهداف، سِلماً، إنتفت الحاجة إلى الحرب وما يستتبعها من إزهاق للأرواح، وآلام، ودمار، وكوارث مجتمعية، الجميع بغنى عنها.
5 – إختطاف مواطنين ومقيمين على يد ميليشيات مسلّحة تابعة لحزب الله، ولسرايا المقاومة وإحتجازهم في مراكز حزبية ودينية والتحقيق معهم وتعذيبهم قبل تسليمهم لمخابرات الجيش فرع الجنوب.
6 – قبول الجهات الرسمية بإستلام محتجزين من الجهات غير النظامية بدون إتّخاذ أي إجراء أمني أو قضائي ضد الخاطفين والمرتكبين.
تتساءل المؤسسة عن السند القانوني والشرعي الذي يسمح لجهة نظامية كمخابرات الجيش من إستلام موقوفين من جهة غير نظامية كمنظمة حزب الله، وتطلب المؤسسة تحقيقاً جديّاً في هذه الإدعاءات بإشراف قضائي عدلي. تعتبر مؤسسة “لايف” التحقيقات التي تجريها جهات غير نظامية لا تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان ولا القانون الدولي الإنساني، إذا كانت تجري بمعزل عن أيّة أعمال تعذيب أو إكراه، لكنَّ هذا النوع من التحقيقات يُعتبر غير شرعي وماسّاً بسيادة القانون اللبناني، وهو مدار عقوبة جزائية سنداً لقانون العقوبات اللبناني، سيّما وأنه سبق هذه التحقيقات عملية إحتجاز غير شرعية(خطف).
7 – مباشرة تحقيقات غير شرعية من قبل ضباط وعناصر في الجيش اللبناني ومنظمة حزب الله.
العديد من ضحايا التعذيب خضعوا لتحقيقات من قِبل ضباط وعناصرتتبع لكتائب مقاتلة في الجيش اللبناني، وهم بالتالي غير مخوّلين بإجراء تحقيقات مع الموقوفين. قام هؤلاء بالتحقيقات في الطرقات وعلى الحواجز وفي مراكز عسكريّة وأخضعوا الموقوفين للتعذيب وللتهديد بالقتل ولسوء المعاملة. كذلك تُعتبَر التحقيقات التي أجرتها جهات حزبية غيّر شرعية وتستوجب محاسبة مرتكبيها.
8 – عدم تحريك النيابة العامة الدعوى العامة ضد جميع مسؤولي الميليشيات المسلّحة وعناصرها، الذين ارتكبوا جنايات على الناس، وممتلكاتهم في مدينة صيدا وعلى الأمن والسلامة العامة، واقتصار الملاحقة على مجموعة محددة(مجموعة الشيخ أحمد الأسير) ممّا يشير إلى إستنسابية وإنتقائية في التعاطي مع الملفات الجنائية.
9 – عدم تحريك الدعوى العامة ضد مرتكبي جريمة التعذيب بحق الموقوفين، وإقتصار الملاحقة على ملف الضحيّة نادر بيّومي، علماً أنَّ عدد الضحايا، والمراكز الأمنية المتعددة التي حصلت فيها واقعات التعذيب تدل على عدد كبير من المرتكبين الذين لا زالوا خارج المحاسبة، علماً أنَّ الضابط والعناصر التي جرى توقيفها تتبَع لقطع مقاتلة ولا تَتبَع لجهاز مخابرات الجيش فرع الجنوب، التي حدثت معظم أعمال التعذيب لديّه.
10 – إنَّ إعتبار ما قام به الجاني ” تسبب بوفاة عن غير قصد”، يأتي لتخفيف العقوبة القضائية عن المرتكب، وإزالة صفة المجرم عنه (لعدم إنتفاء القصد الجرمي بحسب الوصف). تعتقد مؤسسة “لايف” أنَّ هذا القرار القضائي سيسهِّل على مرتكبي جريمة التعذيب الإفلات من العقاب والمحاسبة، وهو في كل الاحوال يشكِّل خرقاً لإتفاقية مناهضة التعذيب، ولتعهدات لبنان بكامل بنود هذه الإتفاقية.
11 – عدم سلوك الإجراءات القانونية في تسليم جثة الضحيّة “نادر بيّومي” من قِبَل القضاء العسكري وإدارة المستشفى العسكري، وعدم قيام الطب الشرعي بتشريح الجثة لبيان سبب الوفاة الحقيقي، وإعطاء تقرير طبّي من المستشفى العسكري، يشير إلى أنَّ سبب الوفاة ناتج عن سكتة قلبية ! ممّا يؤشر على سوء نيّة في التعاطي مع هذا الملف.
12 – تطالب مؤسسة “لايف” المديريّة العامة لأمن الدولة بإجراء تحقيق داخلي حول مشاركة أحد ضباطها برتبة نقيب في إشتباكات عبرا ضد مجموعة الشيخ أحمد الأسير، وعن الدافع الحقيقي وراء هذه المشاركة.
13 – عدم إلتزام الحكومة اللبنانية بالتعويض على الموقوفين تعسّفاً، والمفرَج عنهم، لا سيّما أولئك الذين تعرّضوا لأعمال التعذيب.
“لكل شخص كان ضحيّة توقيف أو إعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض “.
نص الفقرة(5) من المادة(9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضم إليه لبنان بتاريخ 1/9/1972
14 – تطالب مؤسسة “لايف” بالتحقيق في نشر صور دعائية للمؤسسة العسكرية في الساحات والطرقات العامة، وما إذا كان قد استعمل المال العام في سبيل ذلك، دون نشر صور دعائية لمكافحة ظاهرة التعذيب على حدٍّ سواء، ممّا يعطي جرعة معنويات زائدة للجيش بمعزلٍ عن القيّم الساميّة التي عليه أن يتحلّى بها.
1 “تضمن كل دولة إدراج التعليم والإعلام فيما يتعلق بحظر التعذيب على الوجه الكامل في برامج تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، سواء أكانوا من المدنيين أو العسكريين، والعاملين في ميدان الطب، والموظفين العموميين أو غيرهم ممن قد تكون لهم علاقة باحتجاز أي فرد معرض لأي شكل من أشكال التوقيف أو الاعتقال أو السجن أو باستجواب هذا الفرد أو معاملته..
2 – تضمن كل دولة طرف إدراج هذا الحظر في القوانين والتعليمات التي يتم إصدارها في ما يختص بواجبات ووظائف هؤلاء الأشخاص”.
(نص المادة 10 من إتفاقية مناهضة التعذيب)
[ الفصل الثالث
في حل النزاعات المجتمعيّة
بعد الحرب
بدون أدنى شك، وعلى نحو ما تقدّم ذكره في هذا التقرير، وممّا لمسته مؤسستنا من واقع الحال في مدينة صيدا على وجه الخصوص، وواقع الطائفة السنيّة في لبنان عموماً، أن هناك شعوراً بالإحباط والإضطهاد تزداد وتيرته لدى شريحة اللبنانيين السنّة بعد كل حدث أمني تتم معالجته من قبل مؤسسات الدولة على نحو إنتقائي، يحجب الملاحقة عن سائر الشرائح الوطنية في لبنان المدعومة من فريق 8 آذار على وجه الخصوص. تبرز خطورة هذا الشعور في أمريّن مهميّن:
1 – الجنوح نحو الجريمة والعنف والثأر لدى الشريحة المضطهدة.
2 – فقدان الثقة بمؤسسات الدولة، لا سيّما المؤسسات الامنية والعسكرية والقضائية.
إنَّ الحالة غير المستقرة السالفة الذكر تستوجب من مؤسسات الدولة ترميم الثقة بينها وبين شريحة وطنية تشعر بالتهميش والإضطهاد، وليس تجاهل المسألة وتصغير المشكلة.
تقترح مؤسسة “لايف” لهذه الغاية سلوك ثلاث مراحل أوليّة تضمن إعادة السكينة إلى المجتمعات التي تعرّضت لجراح وأضرار قد تأخذ وقتاً للخروج منها بسلام.
المرحلة الأولى: إعادة تعزيز الثقة في مؤسسة القضاء على قاعدة العدالة والمساواة وإحترام حقوق الإنسان، وتعزيز إستقلالية القضاء.
المرحلة الثانية: تعزيز الثقة بالمؤسسات العسكرية والأمنية.
تقوم المؤسسات العسكرية والأمنية بإلغاء أي مظهر مسلّح غير شرعي على الأراضي اللبنانية بالطرق المناسبة بدون أي إستثناء. تقوم المؤسسات العسكرية والامنية بتطهير نفسها من الآفات الفئوية، والظواهر التي تمس بسمعة هذه المؤسسات كحامية لجميع اللبنانيين على قدم المساواة. مؤسسات تحترم حقوق الإنسان والنظام الديمقراطي وتدافع في سلوكها عن هذه المبادئ السامية. تقوم المؤسسة العسكرية بإنشاء برامج مشتركة مع المجتمع المدني والاهلي في المناطق التي شهدت إشتباكات مع الجيش اللبناني ممّا يُعزز العلاقة الوجدانية بين الشعب وجيشه وإعادة بناء الثقة.
المرحلة الثالثة: على الحكومة اللبنانية أن تحيل المرتكبين إلى المحاسبة وتَجبُر ضرر الضحايا، على قاعدة العدالة والإنصاف.. فالعدالة تعني المحاسبة العادلة والإنصاف يعني تعويض الضحايا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل