#adsense

درس من اليابان

حجم الخط

 

الزيارة الاولى التي قمت بها لليابان كانت عام 1968 ولم تكن اليابان ما هي عليه الآن، لكن اليابانيين كانوا الى حد بعيد ما هم عليه الآن.

انهم شعب يتفانى في انجاز مهماته اكانت صغيرة ام كبيرة، وهم شعب يحافظ على النظافة، فان كان احدهم يعاني الزكام لا يخرج الا وانفه وفمه يغطيهما قناع واق كي لا يسعل في وجوه الآخرين.

موظفو الشركات الكبرى كانوا يلتحقون باعمالهم دون تأخير ويمارسون الرياضة امام مكاتبهم كمجموعة كي يحسوا بانهم فريق واحد وبانهم يتمتعون بالقدرات الجسدية والفكرية لانجاز اعمالهم.

وفي ذلك التاريخ وحتى اليوم كان الياباني المسؤول المرتشي يلجأ الى الانتحار حين انكشاف امره كي لا يكون امام مرؤوسيه مدعاة للسخرية. واليابان كانت تنمو بمعدلات تفوق اعلى المعدلات التي حققتها الصين، وكل ذلك بعد 20 سنة من هزيمة اليابان ومآسي اهالي هيروشيما وناغازاكي المدينتين المدمرتين بالقنابل الذرية.

قرأت في عدد نهاية الاسبوع المنصرم لجريدة “الفايننشال تايمس” نعياً مؤثراً لرجل ياباني، وهذه الجريدة لا تدرج نعي أي شخص ما لم يكن مميزاً والواقع ان هذا الانسان كان غاية في التميز والتضحية من اجل مجتمعه.

لقد كان هذا الرجل البالغ من العمر 58 عاماً رئيس المهندسين في محطة فوكوشيما النووية التي اصابتها اضرار كبيرة قبل سنتين بسبب زلزال ضرب المنطقة، وتخوف هذا الرجل وفريقه المؤلف من 40 مهندساً من انفجار المفاعل النووي ما لم يتوصلوا الى خفض حرارته بتبريد المفاعل بمياه البحر، وكان عليهم قبل توافر جميع وسائل الوقاية القيام بعملهم، مع ادراكهم انهم سيصابون بالسرطان القاتل من الانبعاثات النووية.

خاطر جميع اعضاء الفريق وعلى رأسهم الانسان الذي نعته “الفايننشال تايمس”، وتوصلوا الى منع انفجار المفاعل الامر الذي كان سيودي بحياة آلاف اليابانيين من المقيمين في دائرة يبلغ قطرها كيلومترات حول المفاعل.

وربما اكثر ما يستثير الاعجاب والحزن ان هذا الرجل، وهو يلفظ آخر انفاسه، كان يقول اني اموت مرتاح الضمير وحان وقت الذهاب، ورفاقه ايضاً ماتوا او هم يموتون دون ندم او تحسر، فقد أدوا واجباتهم.

الامر يختلف كلياً في لبنان، وليس المطلوب تقبل الموت في سبيل انتاج الكهرباء، بل التزام العمل والقيام به دون تفريط بموارد الدولة، وكميات الكهرباء المنتجة والتي هي دون حاجات اللبنانيين.

المياومون في مصلحة كهرباء لبنان عمدوا كما فعلوا قبلاً الى احراق مكبات الزبالة والاطارات، والتهديد بالاضراب، وكل ذلك لان المياومين في كهرباء قاديشا حصلوا على التثبيت. والمياومون في مصلحة كهرباء لبنان اعتبروا ان حقوقهم هدرت على رغم مشروع اقر لتثبيت غالبيتهم واقراره منتظر في مجلس النواب. وتغاضى المياومون المضربون عن حقيقة اساسية الا وهي ان تحصيلات فواتير كهرباء قاديشا تفوق نسبة 92 في المئة في مقابل اقل من 50 في المئة يحققها مياومو بيروت وضواحيها.
المياومون في بيروت لم يرف لهم جفن وهم يهددون نسبة كبيرة من اللبنانيين بتقطع الكهرباء الى حد ابعد، وهم لا يقرأون ان اهل سيري لانكا الذين يواجهون نظرة دونية في لبنان، هي معيبة في المقام الاول في حق اللبنانيين، ينعمون بالكهرباء دون تقطع ناهيك بالطرق المعبدة والآمنة، وتوزيعات المياه، وشبكات الاتصال والانترنت التي تعم البلاد.

نعم، ايها اللبنانيون، اهالي سيري لانكا وبنغلادش يحوزون خدمات افضل بالنسبة الى الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق وخدمات العناية بالبيئة، فهل نستفيق على واقعنا وندرك ان علينا جميعاً اذا شئنا استحقاق لقب لبنان الاخضر ان نعمل بكد وجد على اتقان اعمالنا ولاسيما منه الاعمال التي تطاول كل لبناني في صميم حياته.

اننا نعاني ازمة اقتصادية حقيقية تتجاوز في مفاعيلها كل ما شهدناه في السابق. فالتوقعات الواقعية تشير الى ان النمو، الذي كان يطفو بنسبة اثنين في المئة، لن يتحقق، وربما اذا استمرت الازمة الحكومية، واذا استمر المجلس في عجزه عن الانعقاد، انزلت الاقتصاد اللبناني الى وضع الكساد دون التوقف ولو لأشهر في مرحلة ارحم تسمى مرحلة الركود، فالواقع اننا نعاني الركود حالياً.

صرخة الهيئات الاقتصادية التي اطلقت قبل شهر لم تحقق النتائج المرجوة لانها صرخة من رجال الاعمال، وفي المناخ السياسي السائد في لبنان يبدو للبناني العادي ان رجال الاعمال هم من افسد فرص العمل، وهم من اقفل نوافذ الامل في تحسن اوضاع المعيشة والحياة في وطننا الصغير.

اذا لم نستفق الى ضرورة العمل جميعاً على صون الانتاج وتحسين الخدمات، واطفاء النزعات السياسية ستكون سنة 2014 بالغة الصعوبة على اللبنانيين ليس فقط لان واحداً من كل اربعة على الاراضي اللبنانية هو لاجئ محروم الخدمات الاساسية الانسانية، بل لان اللبنانيين في غالبيتهم سيصبحون مثل اللاجئين محرومين ابسط ضرورات المعيشة، وهذه المأساة الشعب بمجمله مسؤول عنها لانه اولى شؤونه وآماله لفريق سياسي ليس معنياً بالمصلحة العامة، والسلام والأمان والعيش الكريم لجميع اللبنانيين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل