#adsense

إنفصام في “حزب التعامل”

حجم الخط

لم تكن قوى “8 آذار” بحاجةٍ الى وقوع إنفجار بئر العبد، حتى تخرج عن عقالها، متّهمةً “14 آذار” بمحاولة تعرية “المقاومة” سياسياً وشعبياً، تسهيلاً لاستهدافها في الداخل اللبناني.

ولو سلّمنا جدلاً بصحّة هذا الإتهام، فإن محاولات قوى “14 آذار” لـ “تعرية” “حزب الله”، لم تنجح في تحقيق الكثير، وذلك في ظلّ غطاءٍ “مسيحي” ناشز وفّره التيار العوني لـ”حزب الله” عبر تموضعه السياسي القديم – الجديد.

منذ العام 2005، ومعادلة 8-14 السياسية والشعبية لم يطرأ عليها تغيّراتٍ نوعية. الشيء الإستثنائي الوحيد الذي اُضيف اخيراً، وشكّل علامةً فارقةً في معادلة 8 و14، كان ابتعاد “التيار العوني” ظاهرياً عن “حزب الله”، والتحوّل الذي اعترى مواقفه من بعض المواضيع الحيوية الحسّاسة المتعلّقة باستراتيجية الحزب.

تفجير بئر العبد لم يكن إذاً نتيجة “حملات” “14 آذار” على سلاح “حزب الله”، والتي لم تتراجع او تتبدّل منذ العام 2005 وحتى اليوم، وإنما وقع في لحظة افتراق “حزب التعامل” ظاهرياً عن “حزب الله”، وإعلان الرئيس نبيه برّي انفضاض تحالف “8 آذار”.

استدارة وحيدة من التيار، عنينا “تيار التعامل”،  كانت كفيلة إذاً بإحراج “حزب الله” وإخراجه من الملعب المسيحي، ثم إعادته صاغراً الى ملعبه الشيعي الضيّق.

خطوات “التيار العوني” الأخيرة اسهمت في زيادة عزلة “حزب الله” داخلياً، بعدما كان تورّطه الأخير في سوريا قد ضيّق عليه الخناق دولياً وعربياً وإسلامياً.

قبل العام 2005 كان يُنظر الى “حزب الله” على أنه حزبٌ “إسلاميٌ نضالي جهادي جامع، ثم شيئاً فشيئاً بدأت مقامراته ومغامراته الفارسية تُخسره هذا الرصيد. بعد توقيع “وثيقة التفاهم” مع “حزب التعامل” استعاد “حزب الله” جزءاً من رصيده الداخلي.

تورّط “حزب الله” في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفي عملية إبادة الشعب السوري اخرج الحزب كلياً من مداه الإسلامي والعربي الرحب، ثم جاءت الخطوات العونية الأخيرة، ولو الشكلية،  لتُخرج الحزب من مداه اللبناني والمسيحي الأوسع، وتُعيده الى إطاره الشيعي الطبيعي.

قوى “14 آذار” ارادت إخراج “حزب الله” من القمقم الذي حشر نفسه فيه، امّا “الأحلام العونية الوردية” التي اوهمت “حزب الله” وضللّته مرحلياً وظاهرياً، فعادت بين ليلةٍ وضُحاها الى زجّ الحزب نهائياً في قمقم المصالح والحسابات المذهبية والفئوية والشخصية.

عودة “حزب الله” الى قمقمه الطبيعي سهّل على المنفّذين استهدافه!

هذا هو بالضبط الإطار الزماني والمكاني والسياسي الصحيح الذي مكّن المنفّذين من الإنقضاض امنياً على “حزب الله”، وأي كلامٍ خارج هذا السياق ليس سوى محاولةٍ يائسة لذّر الرماد في عيون بعض المُضلّلين.

منذ ان ابصرت البدعة العونية “النور” وهي لا تكتفي بأن تقتل القتيل وتمشي في جنازته، بل تسير في طليعة الموكب الجنائزي وتذرف دموع التماسيح الغزيرة على المغدور.

في العام 1989 شنّت البدعة العونية حرباً موتورة وغير مسؤولة، ادّت الى توقيع إتفاق الطائف في ظل اختلال موازين القوى لمصلحة النظام السوري، وفي ظلّ بروز إرادةٍ إقليمية ودولية حاسمة بإيقاف “حرب التنفيسة”. ومع ذلك لم تكبّد العونية نفسها عناء الإعتذار عن الضحايا التي سقطت هباءً، وإنما حملّت الغير مسؤولية هذا الإتفاق.

اليوم، كما الأمس، تدعّي البدعة العونية انها ادخلت المسيحيين بقوّة الى عملية صنع القرار في حكومة الأمر الواقع الراهنة، من خلال “انتزاعها” عشرة وزراء “فاعلين”، ولكنها بالمقابل تحمّل الغير مسؤولية الإخفاقات والخروقات الأمنية التي تعصف بلبنان. فإمّا انها تكذب على المسيحيين عبر إيهامهم بمُقدرّاتٍ وقُدراتٍ لم تمتلكها بالأساس، او انها متواطئة في جريمة استباحة لبنان وانكشافه بالكامل امام التواترات والحوادث الأمنية المتنقلّة. وفي الحالتين فإن المسؤولية تقع على البدعة العونية وحلفائها، وليس على الطرف المقابل.

مهزلة العصر تكمن في ان “المسؤول الرسمي”، المفُترض به تحمّل مسؤولياته الوطنية والسياسية والأمنية والإجتماعية، يتهّرب من تحمّل تبعات ارتكاباته، ثم يشكو الى المواطن العادي همّ البلاد والعباد، مُحمّلاً “راجح الكذبة” مسؤولية الفلتان الأمني والتسيّب الميليشياوي والأوضاع المعيشية المُزرية.

الدعاية العونية تلعب هذا الدور بامتياز، فهي تدّعي انها ادخلت المسيحيين بقوّة الى السلطة التنفيذية واشركتهم في عملية صياغة القرار وصناعته بعد طول تهميش وإقصاءٍ واحتكار، ولكنها بالمقابل تعجز عن إتخاذ مجرّد قرارٍ إجرائي يتيم يبعث الأمل والطمأنينة في نفوس المسيحيين واللبنانيين القلقين على حياتهم ومستقبلهم، في ظلّ حكومة العجز والتقصير والفساد والقمصان السود.

الدعاية العونية تذرف دموع التماسيح على “الأمن المستباح والجريمة المنظمة والفلتان الحاصل”، لكنها لا تسأل نفسها عمّن هو المسؤول الفعلي والرسمي في السلطة، اقلّه منذ العام 2010 وحتى اليوم!!

في قاموس البدعة العونية: تكون السلطة فاسدة ومُقصّرة ومتواطئة إذا كانت البدعة العونية خارجها، وتُصبح المعارضة فاسدة ومُقصّرة ومتواطئة إذا كانت البدعة العونية في السلطة.

تتحدّث بدعة “حزب التعامل” عن وجود القاعدة والنصرة في لبنان، لا لتقوم بمكافحتها ومنعها، وهذا من صلب مسؤولياتها داخل الحكومة، وإنما لإثارة الخوف في نفوس اللبنانيين تحقيقاً لمصالح إنتخابية ضيقة.

العونية تدعّي انها تُشارك في السلطة التنفيذية بفعالية، ولكنها تدعّي بالتوازي انها جزءٌ لا يتجّزأ من المعارضة!!! اُحجية يعجز عباقرة التيار العوني عن حلّها!!

تنتقد البدعة العونية النائب وليد جنبلاط على تقلّباته، لكنها تتصرّف بأسوأ منه.

لو كانت البدعة العونية تنطلق في تقلّباتها من اعتباراتٍ تتعلّق بمصلحة الجماعة، على غرار السلوك الجنبلاطي الذي تنتقده، لتمكّنت من فرض إحترامها ولو بالحدّ الأدنى، لكن تقلّباتها ترتبط بمصالح شخصية وعائلية وفئوية، على حساب الجماعة والوطن والمؤسسات.

إذا كانت البدعة العونية عاجزةً، وهي في صلب السلطة، عن وقف الإنهيار الأمني والإجتماعي والإقتصادي الحاصل، فلماذا الإصرار على التمسّك بالسلطة إذاً؟ ولماذا الإمعان في التشبّث بالسلطة اكثر فأكثر، من خلال إعاقة تشكيل الحكومة الجديدة بحجّة الثلث المُعطّل؟

إذا كانت البدعة العونية عاجزةً، وهي في صلب السلطة، عن توفير الحدّ الأدنى من مسلتزمات الأمن والآمان والإستقرار، فلماذا تُحمّل من هو خارج السلطة، وفي دائرة الخطر والموت والإغتيال، مسؤولية فشلها وإخفاقها وارتكاباتها هي بالذات؟

منذ نشأتها، والبدعة العونية تعيش حال إنفصامٍ دائمٍ في الشخصية. رئيسها هو خريّج المؤسسة العسكرية الشرعية، لكنه الداعم الأول للميليشيات التي تنال من هيبة المؤسسة العسكرية.

تدعّي البدعة العونية انها تيّار علماني، لكنها لا تتحالف إلاّ مع عُتاة المذهبية والتكفير والأصولية، ولا تتشبّه  في تصرّفاتها وسلوكها إلاّ بـ”حزب الله” و”القاعدة” والطالبانية.

تدّعي البدعة العونية انها ناضلت وقاومت نظام “السجون والقبور” في سوريا، لكن تصرّفاتها منذ اللحظة الأولى وحتى اليوم، تصّب في خانة هذا النظام تحديداً.، الذي تفتخر بتحالفها معه اليوم.

تدّعي البدعة العونية انها رائدة التقدّم والتطوّر والإصلاح و”الطريق الآخر،” لكنها لا تعمل إلاّ بعكسه، وبعقلية القرون الوسطى… الإنفصام في الشخصية العونية، يعاني من الإنفصام بدوره، فعوارضه لا تظهر إلاّ في القضايا الوطنية والسيادية، امّا في مسائل الفساد والسمسرات والصفقات والمساومات، فيتحوّل الإنفصام الى حالٍ من التآلف والإنسجام والإنتظام والاستقرار في الشخصية… والشخصانية في حزب التعامل!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل