أكثر: كانت الأمكنة كأنها جُزرُ. جُزرُ تشبه الحُكّام لا الناس. وكذلك المدن، لم تكن المدن تشبه الحكام. لا الناس. وكذلك المدن. لم تكن المدن تشبه الناس. كانت تشبه الطُغّاة. بألوانها وحيطانها ومبانيها وأنهارها. وبحارها وساحاتها ومصانعها ومدارسها وجامعاتها. خُفوت بطئء كانت الشوارع تعبرها كائنات مستسلمة لمصائرها، ولأقدارها التي تمسكها أيدي المتحكمين بالسلطة. فلا السلطة أدركتها “عدوى” التمرد ولا الناس. فجوة بل هاوية… بل جحيم فصل بينها” فعبارة الثورة كانت “رنيناً” صوتياً لا يجرؤ على النطق به سوى الطغاة. عبارة الثورة كانت شأن “الأنطمة” “الثورية” بشعاراتها الكَثرى. لتكون، الفاصل الحديد. بين المشاعر والاعتمالات الجماعية والأفكار المختلفة والناس. أتفكرون بالثورة: ها هي عندنا! أتحلمون بالتغيير: ها هو في قصورنا وثُكننا. وسجوننا. و… احتفالاتنا بانتصاراتنا الثورية. اذاً عندكم كل شيء، حتى الخبز وفير، والحريات وفيرة لكن لمن يمنحها. ولمن يحاصرها. ويكفلها بالحديد والنار ولمن يحبسها ولمن يصادرها ولمن يسرقها. كل شيء مُحلّل لأن كل شيء محظور. وكل شيء محظور لأن كل شيء مملوك. وكل شي مملوك… لأن كل مملوك ملكنا! فمن ترى سيجد وقتاً أو ذريعة أو سبباً للتمرد، أو حتى بالهمس. أو حتى للمنام، او حتى للسر، لا شيء! نقول هذه الأمور الآن. لأنه الربيع العربي، قَلَب كلّ الموازين . قلب السماء على الأرض. والأرض على السماء. ففَعل التمرد. لم يَعُد لا في الكتب. ولا في الشعر. ولا وراء المكاتب، ولا خلف ربطات العنق. ولا بأحذية المثقفين اللماعة… ولا بتماهيهم التاريخي بكل ما فوقي وسلطوي واقطاعي، معوضين عن ذلك بكلمات أفرغوها من كل محتوى. و”التمرد”… اليوم انتقل من صمت الأجسام وموت الأمكنة ورنيم الكلمات… إلى الشارع. التمرد اليوم في الشارع. ولم يعد هناك تمرد واحد أبدي لُغوي، أو “لَغوي” صار التمرد يصنع كل يوم. لم يَعُد رديف “الخنوع”… بل صار من فضاء الثورة. الكبرى. العارمة. الشارع لم يُعد على صورة من يقتله، بل على صورة من يغيره، الشارع لم يعد للمشاة وللاشارات الضوئية، والزمامير، والدكاكين، والمقاهي… صار بحراً للشباب “المتمرد” صار بؤراً لصناعة التاريخ (الشعراء ما زالوا في الجاهلية الأولى).
في الثورة في مصر، صارت الشوارع مصانع متنقلة لصناعة الثورة، والتظاهر والاعتصامات ولنصب الخيم: الخيم لن تعد من رموز الصحاري ولا الترحل. صارت من رموز “الاقامة” هذا ما صنع الثورة الأولى في تونس، ومن ثم في مصر (وقبلها في الربيع اللبناني النموذج الحي لتحرير الأمكنة من مغتصبيها). في المرحلة الأولى غالباً كانت الانتفاضات شعار الثورة. في اليافطات وفي الرسومات وفي الأصوات وفي التظاهرات. الثورة الأولى أطاحت طغاة تونس ومصر وليبيا واليمن… وقريباً في سوريا! لكن الثورة الأولى كانت “منجابة”. لم تضع طفلاً واحداً جديداً وكفى! بل كانت حبلى دائماً. الثورات (مثل الديموقراطيات) لا تنجب مرة واحدة وتكتفي بل كل يوم، وفي الشارع، تنجب مثيلاتها وشبيهاتها وبما يُجملها، وما يعززها، وما يديمها وما يخصبها. وعندما كان لأحزاب أو لجماعات كمثل الأخوان المسلمين في مصر (أو في تونس)، ان يتسلقوا الثورة غيلة ويصلوا إلى الحكم من الأبواب الخلفية عبر صناديق الاقتراع ليئدوا كل جَنين جديد تحمله الثورة، بل وليخنقوا الثورة نفسها بأيديهم… ويعيدوا “انتاج” النظام السابق باضافات تجميلية، وفي سرهم سرقة منجزاتها، وفصل الدولة، والحكم عنها… عندها، كان للشارع ان يُوسِّع آفاقه… لثورة ثانية وغداً ثالثة ورابعة. وأكثر. حَكم مرسي سنة. وكانت معه الثورة المضادة. وكان معه الانقلاب السافر الجَّحود على الثورة. وكان معه الانتقام مِّمن صنعوا الثورة. وكان معه العقل الإقصائي الدكتاتوري لأهل الثورة ولشبابها! أفّ! صرخ الشباب المصري “أهي خديعة”. نعم! أجابوا. ونزلوا. نريد ان نحاسبك يا مرسي. ماذا فعلت في سنة؟ ماذا انجزت؟ ماذا حقّقت: الوضع الاقتصادي في الحضيض. الحريات مهددة. لغة التكفير متصاعدة. وكذلك التخوين. خطة السيطرة على مفاصل الدولة شغالة. تهديد الفنانين والكتاب والثأر منهم (وخصوصاً من عادل امام.. ) العلاقة باسرائيل صارت علاقة “من صديقي العزيز إلى صديقي الأعز”… اذاّ لا شيء! حساباتك مُزورّة يا مرسي! ولن نمكنك من انتزاع ثورتنا الحداثية الشبابية المستقبلية ورميها في القرون الوسطى! انها مصر يا مرسي! وها هي الثورة تنجب وليدها.. الكبير: “حركة تمرد”! نعم! تمرد! كأنها تكرار متطور لحركات الشباب التي انجزوا الثورة (وحاول الاخوان قرصنتها!) ها هو التمرد بكل شفافيته يعلن الثورة الثانية. وها هي الثورات المفتوحة، الخصبة. نزلوا هذه المرة. وتجاوزوا بنزولهم إلى الشارع.. معجزة 25 يناير. 30 يونيو تخطى كل شيء. كل تصور. كل حلم. 30 يونيو، وبشعلة حركة “تمرد” توحدت الميادين، والقرى والمدن والدساكر باهلها. 33 مليوناً نزلوا بكل “تمردهم” “إرحل” يا مرسي! نريد أت تعود مصر إلى كل المصريين. ان تعود مصر إلى عروبتها. تريد الثورة ان تكمل مشوارها! اسقط يا مرسي! التمرد عَمَّم وأذهل العالم كله.. لتطوي “صفحة” “الأخونجي” ! عندما انضم الجيش وسار وراء “حركة التمرد” والجماهير.. وعزل الرئيس! صار اول رئيس سابق من عهد الثورة ! الرئيس المخلوع . المعزول. البائد.. فيا لهذه المعجزة البشرية! نهضت مصر كلها! وعندما كنا نقول (وسوانا) للأوّاهين والنواحين ان الربيع العربي لم يقل كلمته بعد، كانوا يبتسمون عن “فهم” وعبقرية ويتحدثون عن “الخريف” العربي! وعن نهايته وعن نكساته (لأنهم من جيل النكسات وقد أدمنوها) حركة “تمرد” المولود الثاني للثورة. وها هم الأخوان المسلمون يسفرون عن وجههم الحقيقي: التهديد بالعنف والاغتيالات والحروب الأهلية..والاعتداء على الجيش المصري في سيناء. وفي سواها. انهم في الساحات. يلعبون اللعبة ذاتها التي مارسها الثوار لاسقاط مبارك. الشعارات ذاتها. والغريب ان هؤلاء يصفون الثورة الثانية بالانقلاب لأن الجيش تدخل (وهنا نسجل خشية!) هذه المرة، وعزل مرسي لكن لماذا لم يعترضوا على تدخل الجيش في الثورة الأولى وخلع مبارك. أهنا ثورة كتفاً بكتف مع الجيش. وهناك انقلاب أعده الجيش لاطاحة مرسي! الجيش في الأولى مع الثورة وفي الثانية مع الانقلاب! شيزوفرانيا!
لكن حركة “تمرد” المصرية ها هي ترد الجميل لتونس. فالثورة التونسية التي اطاحت بن علي… كانت المفتّتح. نعم! كأنها علاقة الآنية المُستطرقة، أو كما يقولون “الدومينو المعكوسة!” ولأن “الاخوان” عاثوا خراباً في تونس ايضاً. وألّفوا فرق “شبيحة” للاستيلاء على الثورة وترويع المجتمع واغتيالات بعض قادة “الثورة” كمثل الزعيم التاريخي شكري بلعيد… ولأن هؤلاء أوصلوا الاقتصاد إلى الحضيض، ولأن هؤلاء وفي تحالف هش مع بعض المكونات العلمانية، ها هي الثورة التونسية. تأخذ من حركة تمرد المصرية ما يُعينها على احداث الثورة الثانية. ها هي شوارع تونس بدأت تغصّ بهؤلاء الشباب “المتمردون” الذين يريدون استعادة الثورة الأولى، ليضعوا الثورة الثانية.. تونس تستلهم حركة تمرد، كما استلهم ثوار مصر ثورتها. وكما اصابت العدوى ليبيا واليمن وسوريا. ها هو الشعب العربي على أهبة المحطات الكبرى تجمعه الشوارع المحررة.. وتكاد تفرقه “صناديق الاقتراع” او ذهنية الاستئثار او أيديولوجيات التسلط والأحادية. لكنها مرحلة انتقالية وستبقى “المرحلة الانتقالية” ربما طويلاً، لتستقر الثورة على غير وهن، وعلى غير ركون لادواتها وتمردها وثورتها على نفسها.
حركة “تمرد” المصرية قامت في بعض جوانبها “خطر” الأخوان. ولكن ايضاً بمثابة نقد ذاتي، لن يُلدغوا من الجُحر لا مرة ولا مرتين. ازدادت الثورة نضوجاً، فكانت حركة تمرد لتكون الفاتحة لحركات تستولدها، وتغذيها، هذه هي المعاني الاساسية للتغييرات المحتملة. ان تواجه الحركات الثورية نفسها، بالقدر الذي تواجه به الخصم الشمولي المتمثل هنا بالاخوان، وهناك بالعودة إلى السلاح… وهناك بالقمع والمجازر كما يحصل في سوريا. على هذا الاساس، وعلى الرغم من سماتها المرحلية، تبقى حركة “تمرد” مسألة تاريخية، تعيد صوغ التاريخ صوغاً شعبياً. صوغاً مدنياً صوغاً جغرافياً، صوغاً ينتج مؤسسات عادلة، ودولة عادلة ومجتمعات مدنية متعددة، وحركة ثورية مستمرة وانتخابات حرة وصناديق اقتراع مفتوحة للارادات الشعبية المتحولة المتطورة، الناقدة، الشرسة الديموقراطية. من هنا مفصلها التاريخي. التمرد “الثانية” قد تكون نموذج العالم الجديد الذي يُجدد البنى والأفكار والممارسات السياسية ويهزّ “اليقينيات” المفروضة أو الأنظمة التي تنحرف الى ما يشبه انحراف الاخوان في مصر وتونس، ولهذا ها هي تركيا تسترشد بروح “التمرد” العربية. وها هي الجموع تؤم الشوارع في استانبول وأبعد منها، لتقول لا لاردوغان الذي يحاول “شخصنة” السلطة واسترجاع “حنين” الخليفة والخلافة العثمانية، ونسف مختلف الانجازات التي حققها الشعب التركي بنضاله الديموقراطي والثقافي والعمالي والنقابي. ها هي حركات “التمرد” العربية تدرك “الاردوغانية” التي عادت إلى “شبح” اربكان.. المتشدد ، المتعصب، المنغلق بدلاً من ان تكمل ما اوحت انها محققته من ازدهار اقتصادي، ومن تسامح، ومن دولة مفتوحة. وها هو اردوغان واوغلو.. يصرخان.. ويحاولان تشويه الثورة الثانية لأنها اسقطت من يشبه سلوكهم في بلدهما. وها هي السلطة التركية تزيف المعاني النبيلة للثورة الشعبية في مصر (وربما في تونس) لانها بدأت تستشعر انها واصلة اليها لا محالة. فيا لهذه التاريخية المفتوحة، التي لن تتوقف لا عند تركيا ولا في مكان آخر، وانما ستكون الصورة المقبلة لكل اشكال التمرد على الطغيان والظلم والفساد سواء في شرقنا العربي او حتى في اوروبا، ونظن ان المآزق الديموقراطية والظواهر النازية والفاشية والعنصرية المتفشية في بعض أوروبا كفرنسا (الجبهة الوطنية) والدانمارك، والسويد والمانيا (النازية الجديدة) تشبه ما تفشّى عندنا من ظواهر دينية مسيحية واسلامية عنيفة متعصبة متطرفة، عدوانية… هذه الظواهر لن تُواجَه إلا باستلهام نموذج الثورة العربية الثانية في مصر وتونس. أي ان تنهض شعوب اوروبا… وحتى أميركا وافريقيا الى الشوارع والميادين، بأنفاس جديدة، وبأفكار جديدة تحررها من اعبائها الاستعمارية والاستبدادية والاستغلالية التاريخية والقمعية، واستنقاع سياسي! وأحادية معولمة بشمولية مقنّعَة.
هل نبالغ. لا! هذا ما ردده كثيرون من كتاب غربيين وغير غربيين، واتذكر بعض المواقف منها “الشعب العربي مستعد لأن يموت من أجل الحرية، بينما الشعوب الغربية غير مستعدة لذلك.. لماذا؟ لأن النيات الاجتماعية وسيادة الاستهلاك واختراع الحاجات والعولمة والديموقراطية “الشكلية” المنحصرة بصناديق الاقتراع الموسمية، اطفأت تلك الشعلة التي اضاءت الثورة الطالبية في ايار 1968.. كما اطفأت حتى الشرارة التي صنعت الثورة الاوروبية في منتصف القرن التاسع عشر (خصوصاً في فرنسا) بل واطفأت شعلة الثورة الأميركية وهي أم الثورات… وكذلك اطفأت شعلة الثورة الشيوعية! وكأن العالم الغربي اليوم بات بلا قضايا، ولا أفكار ولا هواجس أساسية، مكتفياً بلعبة الاستهلاكية وسياسة “الاستعراض” التلفزيونية… و”مجتمع الفرجة”.
لهذا، فالتمرد ونقد الذات، وتمرد الثورة على الثورة، وتمرد الأفكار على نفسها، واعادة صوغ وجودها.. هي ما نحتاج اليه اليوم في عالمنا العربي.. وفي العالم الغربي!
