لم تَعُدْ السياسة في لبنان معادلة جسم ورداء ، أو ” طنجرة وغطاها
فلا حسن نصرالله يبحث عن سترة ، ولا ميشال عون يملك غطاء لستر أيّ عورة .
في الأيّام الأخيرة ، إنشغلت السياسة اللبنانيّة وبعض الإقليميّة ( تحديداً الإيرانيّة والسوريّة ) في تقصّي مدى خلاف ” المتفاهمَيْن ” نصرالله وعون .
وكان رأْينا ، منذ اللحظة الأولى ، أنّ هذا الخلاف الإفتراضي غبار في الريح وفقاقيع صابون .
المسألة بينهما لم تكن مجرّد ” تفاهم ” ، فقد خبّأ لقاؤهما ، منذ لحظته الأولى ، ارتباطاً عميقاً كانت له جذور منذ 1990. ولا مجرّد تحالف سياسي بأهداف داخليّة محدّدة ينتهي بتحقيقها ، بل ” معاهدة ” ملزمة لطرف واحد هو عون ، تُجبره على التسليم بإطلاقيّة سلاح ” حزب الله ” و ” قدسيّته ” .
نعم ، البند العاشر الأخير من ” ورقة التفاهم ” بينهما ينصّ بشكل شديد الوضوح ، بل شديد الوقاحة ، على أنّ سلاح ” حزب الله ” ( لاحظوا دقّة التعبير المقصود ، سلاح ” حزب الله ” وليس المقاومة ! ) ، هو ” وسيلة مقدّسة ” . ولم تكن البنود التسعة الأولى سوى عمليّة تجميل وتمويه .
إذاً ، هو سلاح مقدّس بالمطلق ، سواء كان في مقاومة إسرائيل ، أو في اجتياح بيروت ، أو في قتل الضابط سامر حنّا ، أو في الإنقضاض على الجيش في الشيّاح والنبي شيت ودورس ، أو تحت القمصان السود ، أو فوق اللباس المرقّط ، أو في مواكب الإبتهاج والتشييع في المتن وكسروان وجبيل.. أو في شنّ حرب احتلال وتصفيات مذهبيّة داخل سوريّا .
بل أكثر ، هو مقدّس في بلغاريا ، وفي كلّ أصقاع الأرض حيث تدعو الحاجة .
ألم يُعلن نصرالله أنّ سلاحه سيكون حيث يجب أن يكون ؟
فكيف لمن وقّع على هذه ” الوثيقة ” أن يجتهد في تفسير وظيفة السلاح . هذه الوظيفة جعلها البند العاشر مفتوحة على كلّ مكان وزمان ، إلى أن تتأمّن ” الظروف الموضوعيّة ” لانتفاء الحاجة إليه !..
فمتى تنتفي هذه الحاجة وتتأمّن ” الظروف ” وأين ؟ في لبنان أم في سوريّا.. والعراق والبحرين ونيجيريا ومصر وبلغاريا وأميركا اللاتينيّة ، وكلّ ساحة تفرضها ” الجبهة العالميّة لمواجهة الإستكبار ” ؟!
هنا يكمن سرّ التسليم والإلتحاق اللذيْن يربطان عون ويسترهنانه . لذلك عاد سريعاً إلى المربّع المرسوم له ، واستأنف دفاعه عن وظيفة سلاح ” حزب الله ” في سوريّا ، ولاحقاً ما بعد بعد سوريّا ( إذا بقي مَنْ يصل إلى تلك المرحلة ) .
وكلّ حركة ” الإنفتاح ” في الداخل ونحو العربيّة السعوديّة ليست سوى ضخّ دخان ومحاولة كسب سياسي محلّي ضمن أجندا يرعاها ” حزب الله ” نفسه ويرضى عنها الوصي الإيراني والموصى عليه السوري .
هذا يعني وجوب تحفّظ القوى السياسيّة في ” 14 آذار ” و ” الوسطيّين ” ، بمن فيهم الرباعي سليمان وميقاتي وسلام وجنبلاط ، على هذه الحركة ، فلا تبني عليها أيّ إجراء ، أو تُقيم أيّ حساب .
لم يبقَ شيء مستور في العلاقة الوجوديّة المصيريّة بين الطرفيْن ، وكانت المحاولة الأخيرة للتستير عليها فاشلة ومضحكة . وهي محاولة نبيه برّي إعلان وفاة ” 8 آذار ” والتفاوض فرادى . والنتيجة كانت ستكون ( لو صدّقها وأخذ بها الرئيس المكلّف تمّام سلام ) أنّ ” 8 آذار” تحقّق في وفاتها ما لم تحقّقه في حياتها : أكثر من الثلث المعطِّل بكثير ! وفاة مربحة ومباركة ، أليس كذلك ؟
ولكنْ ، إلى أين ستؤدّي هذه المناورة المكشوفة بين فرسانها الثلاثة برّي ونصرالله وعون ؟
الأكيد أنّها مناورة التاجر قبل إعلان إفلاسه رسميّاً . والإفلاس بدأ فعلاً بخسارة الإسم التجاري . فسقوط الشعار بداية الإنهيار . ولا بدّ أن تكون الدولة اللبنانيّة وكيلة ( سنديك ) طابق التفليسة !
والإمتحان الأخير جاء مزدوجاً من الجنوب والضاحية : سارع ” حزب الله ” وملحقاته إلى رفع شعار اتّهام إسرائيل و” التكفيريّين” باغتيال جمّو وتفجير بئر العبد ، فانفضحت هشاشة الشعار ، وكذّب البحر الغطّاس .
ومهما كان السبّاح ماهراً ، لا بدّ من أن يتعرّض للغرق في اهتياج الأنواء .
والثابتة الأكيدة : غريق لا ينتشل غريقاً آخر ، وثوب واحد لا يستر عاريَيْن .
فكيف إذا كانا اقترعا على الثوب ومزّقاه ، ثمَّ تناتشاه خِرَقَاً ؟!