بعيداً عن تناول اليوميات السياسية الحافلة في المشهد اللبناني الداخلي، وانطلاقاً من التدهور غير المسبوق الذي وصلت اليه الاوضاع السياسية والوطنية، والتي تجاوزت كافة الخطوط الحمر ليس اقلها السلم الاهلي والوحدة الوطنية والعيش المشترك لا بل الميثاق الوطني بحد ذاته في شقيه الداخلي (اقرار اللبنانيين بنهائية لبنان والولاء له) والخارجي ( لا للشرق ولا للغرب) والتي باتت تضع الوطن برمته على حافة السقوط في المجهول والشر المستطير… لا بد من دق ناقوس الخطر بالتصدي للحقائق الآتية:
اولاً: لم نعد في لبنان امام ظاهرة سقوط المواثيق الوطنية والاوراق الاصلاحية وآخرها “اتفاق الطائف” بقدر ما بتنا امام حقيقة سقوط فكرة العيش المشترك بين اللبنانيين انطلاقاً من خروج قسم من اللبنانيين عن الولاء النهائي للبنان وانطلاقاً من حفلات الاستقواء بالخارج وبالقوة وبالسلاح… وفي طليعة الخارجين غالبية المكون الشيعي وقسم من المكون المسيحي – الممثلين بـ”حزب الله” و”حركة امل” وحلفائهما و”التيار الوطني الحر” و”المرده” وسائر اللبنانيين التابعين لخط “8 اذار” على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم السياسية والعقائدية المختلفة الولاء والمنشأ والمصب.
ثانياً: ان حقيقة الازمة الخانقة والخطيرة التي يعيشها لبنان اليوم باتت تتطلب اعادة نظر جذرية بالتركيبة اللبنانية دوراً ووظيفة وتكويناً ورسالة. فصحيح ان لبنان لطالما امتاز بانه مختبر العيش المشترك بين الحضارات والعائلات الروحية والثقافية. ولكن الصحيح ايضاً ان الاستمرار اليوم بالعيش على امجاد هذه الثوابت ضرب من ضروب التكاذب واستمرار التعامل الخبيث بين اللبنانيين. فاليوم اكثر من اي يوم مضى وبغض النظر عن الطائف والنصوص المكتوبة اصبحنا اماما السؤال الكبير القديم الجديد: اي لبنان يريده اللبنانيون؟
فللاسف وبما ان اللبنانيين اليوم منقسمون على كل شيىء في لبنان انقساماً عمودياً وافقياً مخيفاً، فهم بالتالي ليسوا متفقين ابداً على دور وطبيعة ووظيفة لبنان…
ثالثاً: نقولها بصراحة: ان استمرار قسم من اللبنانيين في الخروج المستمر والدائم والتصاعدي عن العيش المشترك والوحدة الوطنية ومتطلبات قيام الدولة اللبنانية القوية السيدة الحرة والمستقلة والاسس التي لطالما قام عليها هذا الوطن – الرسالة والنزعة الانفصالية والانعزالية بين اللبنانيين كل فئة عن الاخرى، سيؤدي اجلاً ام عاجلاً الى التصدي للحقيقة المرة بأن لا لبنان بل لبنانات…
وبالتالي علينا جميعاً استخلاص العبر والانتقال من مرحلة معالجة المعضلات الوقتية والموضعية (كمعالجة السلاح) الى مرحلة التصدي لحقيقة السؤال اعلاه والبحث للمرة الاولى وبكل جدية بحجم خطورة الموقف الجلل عن الايجابات…
فالمطلوب اليوم بات في سؤال اللبنانيين وتحديداً أولائك المنغمسين انغماساً كاملاً في توريط انفسهم وطوائفهم ومذاهبهم وشعبهم في صراعات عبثية داخلية وخارجية، ان كانوا يريدون لبنان ام لا ؟
اننا في صلب ازمة وطن…
انها الحقيقة… ازمة مصير دولة وشعب لم تعد تجمعه قواسم مشتركة الا حتميات يومية وجودية لا ترابط بينها ولا تكامل في ما بينها…
لبناننا دخل مرحلة التفكك والسقوط لأن لبنانيين منه لفظوه وباعوه…
فلنلج الى جوهر كيانية وجودنا في هذا الوطن، لا بل لنتصدى للحقيقة المرة… وليبنَ على الشيء مقتضاه…
