تدور حرب ظاهرة وخفية في آنٍ بين النظام السوري و”حزب الله” والثوار المتشدّدين من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية، جرّاء خشية هذه الأخيرة أن ينقل النظام السوري أسلحة خطيرة أو محظّرة إلى “حزب الله” أو وقوعها في أيدي الثوار أو المتشدّدين. وقد أشار إلى هذا الخطر أخيراً مشرّعون بريطانيون، إذ لم تظهر الأحداث الأخيرة إنضباط الثوار، وأظهرت كذلك دوراً بارزاً لـ”حزب الله” هناك. وكلّما تأكدت إسرائيل من نيّة النظام السوري بنقل أسلحة مماثلة إلى الحزب، وجّهت ضربة عسكرية في عمق الأراضي السورية، كان آخرها ليل السبت – الأحد 5/5/2013.
وقد تلت هذه الضربة، ردود فعل كثيرة من كلا المعسكرين المتنازعين، كان من بينها مواقف أميركية وروسية وسورية صرّح فيها الرئيس بشار الأسد أنه “مع خيار الرد الإستراتيجي وليس التكتيكي، وهو لهذه الغاية أعلن عن بدء المقاومة الشعبية الشاملة في كل الأراضي السورية في مواجهة إسرائيل لاستعادة الجولان المحتل منذ أربعين عاماً! “إنه فعلاً خيار الممانعة المتأخر أربعين عاماً!”
أمّا ما يهمّ لبنان من كلّ هذه المسألة، فهو إدخال أسلحة محظّرة من بكتريولوجية أي بيولوجية أو ذات السموم الحيّة، أو أي أسلحة تهدف إلى الإبادة الجَماعية كتلك التي تستعمل فيها غازات سامة أو مواد بكتريولوجية.
ولمن يعلم أو تناسى، فإنّ لبنان أبرم معاهدة تحريم وإبادة الأسلحة البيولوجية والسامة بموجب القانون الصادر في 12/10/1974، هذه المعاهدة التي أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1971، وقد تضمنت إتفاقاً في شأن حظر تطوير وتصنيع وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) أو ذات السموم الحية والغازات السامة، وفي حال وُجدت، فيقتضي إتلافها بإجراءات فعّالة.
وكان الهدف من توقيع الدول هذه المعاهدة تحقيق مصلحة الإنسانية جمعاء، لأنها مقتنعة بأنّ ضمير الإنسانية يشجب إستعمال وسائل كهذه، ويجب عدم إغفال أي جهد لتطبيق هذا الحظر وفقاً لِما ورد في ديباجة هذه المعاهدة.
وورد في المادة 6 من الاتفاقية أنه “يحق لأي دولة رفع الشكوى إلى مجلس الأمن للنظر في هذه المسألة إذا ما أثبتت أن دولة ما تقتني هذه الأسلحة، فينظر مجلس الأمن في هذه الشكوى بغية اتخاذ التدابير المناسبة لإزالة الخطر الناجم عن اقتناء هذه الأسلحة”. إضافة إلى أن لبنان أبرم أيضاً معاهدة تحريم تجارب الأسلحة النووية وذلك بموجب القانون الصادر في 30/12/1964 وذلك إنفاذاً لاتفاقية موسكو الموقّعة في 25/3/1963.
وأمام هذه الالتزامات، وأمام إعلان الحكومة المستقيلة يوم منحها الثقة بأنها عازمة على تطبيق سياسة النأي بالنفس، وأمام “إعلان بعبدا” الذي تضمن الإشارة إلى وجوب تحييد لبنان عن الصراع الدائر في سوريا، وأمام تأييد قوى سياسية عدة فكرة الحياد، لا يجوز لقوى أخرى، أياً تكن وتحت أي ذريعة كانت، إستجلاب أو اقتناء أسلحة مماثلة، على رغم أن إسرائيل تمتلكها، كما دلّت حربها الأخيرة على غزة، ووفقاً لِما أكدته التقارير الحكومية الإسرائيلية التي أصدرتها اللجان الخاصة في هذا الصدد، لأن هذا السلاح سيضع لبنان في فم التنّين وسيرتّب مسؤوليته الدولية في آنٍ معاً.
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أنّ الانفلات المتزايد راح يُهدّد إستقرار لبنان من شماله إلى جنوبه، حتى أنّ المربّعات الأمنية لم تعد في منأى عن الإهتزاز، ما يضاعف دور القوى الأمنية اللبنانية في هذا المجال، لجهة وجوب منع انتشار هذه الأسلحة أو إقتنائها أو تخزينها بغية استخدامها في ظروف مؤاتية لمن يستحوذ عليها.
كل هذا، لئلا نُدخل لبنان في جحيم جديد، ثم نستفيق ونقول “لو كنا نعلم”.