|
|
ليس تجنياً على حزب الله إذا ركزنا قراءتنا لما يحدث في لبنان بما يفعله هذا الحزب لكونه اللاعب الرئيسي على الساحة اللبنانية بحكم ضعف الأطراف الأخرى النسبي، وكونه لاعب إقليمي مؤثر يحسب له حساباً عند اللاعبين الدوليين، على الساحة الشرق أوسطية.
ولا بد من الإشارة أيضاً أن حزب الله تنظيم جهادي إسلامي (بمفهومه الخاص) له مشروعه الأممي وليس فقط الإقليمي، وهو بعلاقة عضوية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقد ولد من رحمها، وهو بعلاقة تحالف إستراتيجي معها ومع الحكم الأسدي، كما أن هدفه الإستراتيجي المرحلي هو تحرير كامل التراب الفلسطيني عبر المقاومة المسلحة، أي تدمير دولة إسرائيل، كما جاء في وثيقته السياسية عام 2009، وإن لم يكن تعبير «تدمير دولة إسرائيل» مستخدماً بحرفيته.
إضطر حزب الله مؤخراً أن يكشف عن وجهه الحقيقي هذا! فتدخله إلى جانب الحكم الأسدي هو تدخل إستراتيجي لا عودة عنه! وأولويته تحددها مصلحة مشروعه الإستراتيجي التي تقوده إيران الإسلامية وليس بالتأكيد المصلحة السيادية اللبنانية.
إن هذا التدخل الإستراتيجي، المؤثر جداً في مسار الصراع في سوريا، شكل ويشكل السبب الرئيسي لإمتداد هذا الصراع إلى لبنان وبوتيرة متسارعة وبكافة الأشكال وعلى طول الجغرافيا اللبنانية، مع إستمراره وتفاقمه في سوريا.
فثمة قصف سوري من الأراضي السورية، بالصواريخ والمدافع على الهرمل وبعض قرى البقاع من قبل المعارضة السورية، في مقابل قصف سوري أسدي بالصواريخ والمدافع والطائرات لقرى في عكار وعرسال والقاع…
ثمة أيضاً صواريخ تطلق من داخل لبنان، من منطقة عاليه أو كسروان بإتجاه الضاحية وبعبدا.
ثمة تفجيرات تطاول مسؤولين وقياديين سياسيين وأمنيين من حزب الله في البقاع خاصة أثناء تنقلهم، ولا سيما بعضهم أثناء توجههم إلى سوريا.
وإلى هذه الأشكال من الحرب الأمنية، أضيف مؤخراً التفجيرات الضخمة (إنفجار بئر العبد). والملاحظ أن هذا الإنفجار حدث في مناطق للحزب سيطرة كاملة عليها (الضاحية).
هذا كله يدلل على إنكشاف أمني لحزب الله ومدى قدرة أعدائه من النيل منه.
يضاف إلى تردي الوضع الأمني هذا، تحريك الحرب على خط باب التبانة- جبل محسن على إيقاع الحرب المستعرة في سوريا.
أما الدولة، فهي تهزل إلى حد الوصول إلى الزوال، وثمة من يتحدث عن تغيير الصيغة والنظام والطائف والدستور، وتتصاعد وتيرة التناقضات المذهبية الخطيرة.
وثمة ما هو أخطر، أعني زوال لبنان – الكيان من جراء تقسيم سوريا أو عرقنتها أو صوملتها أو خلق كيان، ولو غير شرعي، لقوى «الممانعة والمقاومة» عابر للحدود اللبنانية، أو تغيير حدود لبنان بسبب تغييرات ديمغرافية ناتجة عن إستمرار اللجوء السوري إلى لبنان، أو التأسيس لفقدان السيادة اللبنانية لصالح النظام الجديد في سوريا من جراء عدوان حزب الله على أصحابه في تدخله إلى جانب الحكم الأسدي …
من المؤسف القول أن هذا الوضع الأمني المترنح، ومعه الوضع السياسي والإقتصادي، سوف يزداد خطورة مع طول الصراع في سوريا وتدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان.
لا شك أن حزب الله هو المسؤول الرئيسي، رغم أنه ليس الوحيد، عن تمدد الصراع في سوريا إلى لبنان، في ظل سياسة واضحة ينتهجها قوامها هو تهزيل الدولة اللبنانية لتسهيل تدخله الإستراتيجي في سوريا وبحيث أن الحدود اللبنانية – السورية لا يعود لها معنى ويصبح الصراع شامل الأراضي اللبنانية والسورية معاً.
غير أن ثمة وجها أساسيا آخر في غاية الخطورة لتداعيات القتال في سوريا على لبنان، ألا وهو ذلك المتصل بهدف حزب الله المعلن بإزالة إسرائيل وما يتصل به من مضاعفة التسليح الكمي والنوعي الآتي له من سوريا أو عبرها من إيران وما يعتبره العدو الإسرائيلي كاسراً للتوازن.
فمن الواضح أن المواجهة الأساسية في سوريا هي بين إيران وأعدائها المتنوعين، ولا سيما عدوها اللدود، أعني إسرائيل، التي لا تتدخل حتى الآن إلا على وقع ما تعتبره خرقاً لخطوط حمر وضعتها. ولا شك أن تركيز إسرائيل في هذه المرحلة الإستراتيجية، هو على إيران من زاوية محاولة إيران إنتاج القنبلة النووية ومن زاوية تهديد هذه الأخيرة لها عبر حشدها لقوات عسكرية معادية لإسرائيل من خلال «حلفائهاً (الحكم الأسدي، حزب الله وبعض المنظمات الفلسطينية) على حدود إسرائيل مع سوريا ولبنان وفلسطين.
ومن هنا، منذ بداية الثورة في سوريا، ضربت إسرائيل أربع مرات مواقع عسكرية في سوريا كان آخرها في اللاذقية، وقبل حوالي ثلاثة أشهر ضربت موقعاً قرب دمشق.
بعد ضربة دمشق، أعلن بشار الأسد أنه سوف يكون له رداً موجعاً لإسرائيل في حال كررت إعتداءاتها على سوريا. وأوضح السيد نصر الله أن سوريا – الأسد حددت ثلاث ردود إستراتيجية لردع العربدة الإسرائيلية: أولاً، نصب وتجهيز الصواريخ السورية الموجهة على الأراضي الإسرائيلية وإنتظار قرار إنطلاقها من الأسد، ثانياً، فتح جبهة الجولان لقوى المقاومة وثالثاً، إرسال السلاح «الكاسر للتوازن» لحزب الله وإستعداد الحزب لتلقيه.
أما بالنسبة لضربة اللاذقية في 5 تموز، فلم تعلن إسرائيل تبنيها، بل أن الأميركيين هم من أعلنوا في 10 تموز أن إسرائيل هي التي قامت بها. ولم تؤكد إسرائيل الخبر الأميركي ولم تنفه لكي لا تحرج الأسد في الوقت الحاضر. كما أن الأسد المحرج تجاهل الإعتداء الإسرائيلي متهماً الإرهابيين بالقيام به، لعلمه أن أي رد إسرائيلي على قصف سوري للأراضي الإسرائيلية يستجلب رداً إسرائيلياً قد يودي بحكمه.
ويبدو أن محاولات التسلح لن تتوقف من قبل الأسد وحزب الله، كما سيناريو الضربات الإسرائيلية «الوقائية». إن تطور الملف النووي الإيراني كما «الخطوط الحمر» الإسرائيلية بما يخص الوضع المضطرب في سوريا والتي تتناول «الأسلحة الكاسرة للتوازن»، بما فيها الأسلحة الكيماوية، وإستقرار الوضع في الجولان، تنذر بإمكانية إندلاع حرب مدمرة مع إسرائيل لن يكون حزب الله بمنأى عنها، وبالتالي لبنان كله.
لا شك أن حزب الله، بخط سيره العام وبتدخله الإستراتيجي بسوريا، يقامر بمصير لبنان ويضعه كله، بعكس إرادة أبنائه، بين مطرقة إسرائيل وسندان سوريا.
كفى عبثاً بلبنان! لا للمطالبة بحكومة لا تستثني أيا من المكونات اللبنانية، ولا لحوار أثبت أنه يؤدي إلى عكس هدفه المعلن (الإستقرار والتوافق والأمن)، وهو يوصل إلى قرارات لا تنفذ (السلاح الفلسطيني،…) أو إلى إعلانات (إعلان بعبدا) يتم التنصل منها ومناقضتها بالممارسة العملية أو إلى الهروب إلى الأمام عندما «تحز الحزة» (حرب تموز 2006، طائرة أيوب).
لا للدفع إلى المعالجات القاصرة، لا للمسايرة تحت ستار التعقل والعقلانية، ولا للتخويف من ردات فعل حزب الله إذا ما حشر في «زاوية الحكومة الحيادية» التي تستثني الكل سواسية وبالتالي لا تعزل أحداً ولا تعطي تغطية لبعض من المجتمع الدولي الذي ينعت حزب الله بكل الأوصاف ولكنه يصمت إزاء مشاركته بالحكومة، ملقياً على لبنان واللبنانيين ثقل تحمل سياساتهم الرعناء إزاء الوضع السوري والعربدة الإيرانية في الشرق الأوسط.
وختاماً، ندعو إلى تشكيل حكومة حيادية بالسرعة القصوى، لا سيما وطالما أن الرئيس سليمان أهدى حزب الله هدية ثمينة حينما طالبت الدولة اللبنانية بعدم إدراج حزب الله على لائحة الإرهاب الأوروبية، وأثبت أنه حيادي وأن ثمة حياديين في لبنان على صورته.