وقد مرّت المقاومة الوطنية اللبنانية المسلحة للاحتلال الاسرائيلي في ثلاث مراحل: الأولى، وهي مرحلة التكون والنمو (من 16 أيلول 1982 حتى 4 تشرين الثاني 1983)، والثانية مرحلة التألق (من4 تشرين الثاني 1983 حتى 26 تشرين الثاني 1985) والثالثة مرحلة الانحسار (من كانون الأول 1985 حتى تشرين الثاني 1990) (راجع كتاب “مؤامرة الغرب على العرب”، ص 197 222)، ولم يكن انحسار المقاومة الوطنية بسبب ضعف ايمان المقاومين وتقاعسهم من الاستمرار في الخط المقاوم الذي ابتدأوه منذ الايام الأولى للاحتلال الاسرائيلي، وانما لأسباب خارجة عن ارادتهم وضاغطة عليهم، ويكفي أن نشير الى أن من أهم الأسباب التي أدت الى انحسار المقاومة الوطنية هو افتقارها الى سند حقيقي يدعمها ويمدها بكل وسائل الصمود والاستمرار، وهو ما افتقدته في مسيرتها الثورية، فهي كانت، في عزّ تألقها واندفاعها، بحاجة الى “هانوي” ترفدها بالدعم والقوة، ولم تكن “بيروت الوطنية”، بمن كان فيها من قادة وزعماء، قادرة على تأمين تلك “الهانوي”، خصوصاً ان “الارادة الوطينة” لم تكن محررة تماماً، بسبب وجود “قوى أخرى” تسيطر على الوضع في البلاد، وهو ما جعل المقاومة الوطنية تصاب بالضعف والوهن قبل أن تكمل مسيرتها وتنجز مهمتها التحريرية.
في هذه الأثناء، كانت “المقاومة الاسلامية” التي بدأت نشاطها في مطلع العقد الثامن من القرن المنصرم (1982)، والتي كانت نشأتها في رحم المجتمع الشيعي المقاوم، حيث ترعرعت في المجتمع نفسه، واتخذت لها اسماً مميزاً هو “حزب الله” الذي أضحى، اليوم، ركيزة مميزة من ركائز الحكم في لبنان، بعد أن كان قد اضطلع بمهمة تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي، فنال، بذلك، شرفاً وموقعاً ميّزاه عن كل الأحزاب والقوى اللبنانية الأخرى، واذ كان هذا الحزب قد اعتمد، في كفاحه ضد العدو الاسرائيلي، قوتين رئيسيتين في المنطقة، هما ايران وسوريا، مدَّتاه بالسلاح والمال اللازمين لقتال العدو الصهيوني واجباره على الخروج من لبنان، فهو قد استمر، بعد أدائه لمهمة التحرير، بالقوة نفسها، وبغطاء من السلاح نفسه، يؤدي دوراً ضاغطاً على الحكم في لبنان.
أمام هذا الواقع، أضحى لبنان منقسماً الى فريقين: فريق مقاوم ومسلح، فهو، إذن، قوي وقادر على التحكم بالقرار الوطني، وآخر غير مسلح، ألا أنه صاحب الحق الطبيعي بتولي الحكم في البلاد، وبالتالي، بامتلاك السلاح الشرعي المتمثل بالجيش والقوى الأمنية.
هل يؤدي هذا التمايز، في النظام اللبناني، الى الانشقاق، فاستخدام السلاح في حرب أهلية مدمرة للكيان وأهله؟ يجب أن لا يسمح اللبنانيون بذلك مهما كانت العقبات والصعوبات.
وإذ يكتسب فريق الدولة قوته من سلاحه الشرعي وهو الجيش والقوى الأمنية، يكتسب الفريق الآخر قوته من سلاحه الذي اكتسب شهرته من قتاله العدو الاسرائيلي وانهاء احتلاله للأرض اللبنانية، برضى الدولة اللبنانية نفسها، التي كانت، بسبب تشظي جيشها بعد حرب أهلية مدمرة، عاجزة عن القيام بالمهمة نفسها.
إلا انه لا بد من ايجاد مخرج يقي لبنان وأهله من المأزق الذي أوقعه فيه هذا الانقسام الخطير بين “الدولة” و”حزب الله”، ولا نرى مخرجاً لهذا المأزق إلا بإعادة تكوين “المقاومة الوطنية” التي لا بد أن تقوم على الأسس التالية: جيش قوي، بالتنسيق مع مقاومة وطنية قوية، وسلطة وطنية قوية. هذا هو الحل الطبيعي الذي يرضي اللبنانيين جميعاً.
ان بقاء السلاح في يد فئة من اللبنانيين بذريعة أنها قاتلت العدو وهي جاهزة لقتاله، في أي وقت، يعطي صورة خاطئة بأن باقي الفئات اللبنانية اما عاجزة عن قتال العدو أو غير راغبة فيه، أو أنها تستبيح الاتكال على سواها للقيام بهذا الواجب الوطني الخطير، مما يجعلها أقل قدراً (وطنياً على الاقل) من الفئة القادرة على ذلك والراغبة فيه، والحال ان كل طائفة في لبنان، بل كل فرد فيه، مستعد للقتال، في أي وقت، وفي أي ظرف، ضد أي عدو معتدٍ، ان أتيح له ذلك، ولا فضل لفئة (أو لطائفة) من اللبنانيين، على أخرى، في هذا المجال.
ولذلك، فإننا نقترح حلاً عملياً ومنصفاً لمسألة السلاح في لبنان، وهو الآتي:
1 – إسقاط مقولة “الشعب والجيش والمقاومة” بشكلها الحالي، والتي تعني، عملياً “المقاومة الاسلامية”، فذلك فيه استفزاز لباقي الطوائف والمذاهب في لبنان، إذ لا يجوز ان تحمل فئة، أو طائفة، السلاح، بذريعة الدفاع عن الوطن، بينما تظل باقي الفئات، أو الطوائف، عزلاء من أي سلاح، مما يجعلها: إما غير راغبة في الدفاع عن الوطن، او انها عاجزة عن ذلك. وربما يدفع بقاء السلاح في أيدي فئة من طائفة، دون سواها، باقي الطوائف الى السعي لاقتنائه، مما يجعل لبنان غابة من الطوائف المسلحة، وبالتالي، الجاهزة، حكماً، للاقتتال، وذلك أمر غير جائز، وغير مشروع على الاطلاق.
2 – تعزيز قوى الدولة المؤلفة من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، لكي تكون أقوى من أية قوة اخرى مسلحة على الساحة اللبنانية، بحيث تشكل حائلاً دون ان تتجرأ أية قوة اخرى، مسلحة، على التعرض لأمن لبنان وسلامة مواطنيه، وهو حل لن يكون شرعياً ولا منطقياً، وبالتالي، غير مقبول، اذ ان اي وطن لا يقبل بغير سلاحه الشرعي سلاحاً على ارضه.
3 – ويبقى الحل الامثل لبلد، مثل لبنان، ضعيف القوة أمام عدو مكتنز بقوة السلاح، ان يعمد الى تصحيح المعادلة القائمة حالياً (الشعب والجيش والمقاومة) بالاقرار بالمقاومة رديفة للجيش، وداعمة له، على ان تكون مقاومة وطنية تضم، في صفوفها، كل مواطن يرغب في الانضمام اليها، وان تكون قيادتها لبنانية غير محصورة بمذهب أو بطائفة، ويكون أمر تدريبها وتسليحها، نوعاً وكمية ومصادر، بيد الدولة اللبنانية نفسها، (راجع كتاب “استراتيجية دفاعية مقترحة للبنان” ص 31 35).
وهذا وحده، ما يجعل من مقولة “الشعب والجيش والمقاومة” معادلة صالحة، بل واجبة، للدفاع عن لبنان.
