#adsense

قليل من “الصراحة” .. يا سيد!

حجم الخط

لن نحكم على النوايا. قد يعكس خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله الأخير مناخاً جديداً، كما يقول البعض، إذا ما اقترن، في جانب منه، على “تكليف شرعي” يقضي على التكليف السابق بالإيعاز لقيادات الحزب بالهجوم على “تيار المستقبل”. كان هؤلاء يصومون، بلا حفظٍ لـ”اللسان” “كما يقول دعاء الصوم، ويفطرون كل يوم، على “الواجب الجهادي” ضد “تيار المستقبل”، الذي تفننوا في تسميته “حزب تعطيل المستقبل” و”عدو المستقبل”، ورشقوه باتهامات ما أنزل الله بها من سلطان.
لا يمكن للمراقب أن يناقش نصر الله، في ما يقول، بعيداً عن لازمته الشهيرة “سوء الظن من الفطن”. فليس بخافٍ على أحد، أن خطابه الأخير، وممارسات حزبه في لبنان وسوريا، يشكلان “أرضاً خصبة” لـ”سوء الظن”، وهذه الأرض لا يمكن أن ترتوي من مواقف يعوزها الصدق، على قاعدة ما قاله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر: “مواقف الناس في أفعالها، وليس في أقوالها”.
ما يزيد الطين بلة، أن نصر الله اعتاد أن يقول الشيء، وأن يفعل نقيضه. لو يكتفي بالقول فقط، ما دامت أفعاله التي تناقض أقواله دائماً، تكفي وتزيد لكتابه فيلم سوري إيراني طويل عن “أقوال نصر الله .. وأفعاله”.
بهذا المعنى، قوى “14 آذار” على حق حين تسأل نصر الله “بأي عين تدعو إلى الحوار؟”. ليس النقاش هنا في ضرورة الحوار، بل في مزاج “سماحة السيد”، الذي يريد أن يضبط الحوار على ساعته، بعدما نسف أي أساس له في السابق، تماماً كما يريد أن يقنع اللبنانيين أنه يمد اليد بلا قيد أو شرط، بعدما أبدع في سياسة قطع اليد التي كانت ممدودة له، من قبل “تيار المستقبل” والرئيس سعد الحريري، رغم كل ممارسات حزبه في التخوين والاستقواء والإقصاء.
الأجدر بنصر الله أن يقتنع أن المشكلة مع “حزب الله” ليست في العودة إلى الحوار. يبدو الحوار تفصيلاً صغيراً أمام هول التفاصيل الكبرى التي سبق أن فندها الرئيس سعد الحريري في رسالته الصريحة إلى اللبنانيين، عن خطورة قتال “حزب الله” في سوريا، والتي ما زال “الشاطر” السيد حسن يمر عليها مرور الكرام، ويهرب منها متذاكياً، ولكن “على مين؟”!.
الأجدر بنصر الله قبل أن يدعو إلى الحوار أن يعمل على إعادة مد جسور الثقة مع باقي اللبنانيين، لأن المشكلة معه اليوم هي مشكلة ثقة وخيارات ومسلمات.
التذاكي في لحظات حرجة كالتي يعيشها لبنان اليوم، يضر ولا ينفع، وكذلك الاستمرار في الهروب إلى الأمام. فلا يليق بنصر الله أبداً، وهو “سيد المقاومة”، أن يطل ليبيع اللبنانيين “بضاعة فاسدة”، يعلم في قرارة نفسه أن “بيئته الحاضنة” أول من لن يشتريها، فكيف بباقي اللبنانيين؟
في المحصلة، لم يقدم نصر الله جديداً، جوهر خطابه قائم على “تقطيع الوقت”، في محاولة لـ”حماية ظهره” داخلياً، بعدما انفضح زيف الإدعاء بأن قتاله في سوريا يحمي ظهر المقاومة في لبنان، بدليل أنه تقصد أنه يتجاهل التوقف عند “تفجير بئر العبد” الذي أصابه في الصميم، وعند استهداف سيارته على طريق الشام بقاعاً.
يا سيد، كل اللبنانيين يعلمون ماضي المقاومة وأهدافها ورؤيتها التي تحدثت عنها. ذاكرتهم حية، ولكن ألم يكن من الأفضل لو حدثتهم صراحة عن حاضر المقاومة ومستقبلها، بعدما فرطت برصيدها الوطني والعربي، ولم تعد بنظر الكثيرين مقاومة، بل “مقاولة” و”وكالة” للقتل في لبنان وسوريا؟!
يا سيد، تريد من اللبنانيين أن يصغوا إليك، وأن يحسنوا الظن بدعوتك إلى الحوار، فهل تملك جرأة الاعتراف، كي لا نقول الاعتذار، بأنك لم تصغ لهم طوال السنوات الماضية، ولم تلتفت لكل مبادرات “المصارحة والمسامحة والمصالحة”، بل واجهتهم بالتخوين بعد “حرب تموز”، وبـ”7 أيار”، وبـ”القمصان السود”، أخيراً ذهبت إلى ربط مصيرهم بمصير نظام الأسد، ضارباً عرض الحائط بـ”إعلان بعبدا” الداعي إلى تحييد لبنان؟
يا سيد، قلت بعظمة لسانك أنك لا تعترف بوجود دولة لبنانية، وقلت لنا “تخبزوا بالإفراح”، لكنك اليوم تدعي أنك تريد حمايتها، واتحفتنا بالمزايدة في حرصك على الجيش. هل تملك من الصراحة ما يكفي للقول إن “خبيصة” الشعب والجيش والمقاومة، هي سلاحك كي لا يكون هناك دولة أو جيش أو نظام. ألم تقتل المقاومة، ولو “عفوياً”، الشعب الذي كان يعبر عن رأيه أمام السفارة الإيرانية؟ ألم تشوه المقاومة دور الجيش في مواجهة ظاهرة أحمد الأسير في صيدا التي تغذت من تطرف “حزب الله”؟! ما هذه “الخبيصة” التي تقتل المقاومة فيها الشعب والجيش، تمهيداً لقتل لبنان؟!
يا سيد، قليل من الصراحة، إذا كنت جاداً في ما تقول، فقد شبع اللبنانيون مقاومة و”تخبيص” بمصيرهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل