هل انتهى زمن التفهَّم والتفاهم في لبنان؟

شعار التفهَّم والتفاهم أطلقه رئيس الحكومة الراحل صائب سلام، والد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الحالي تمام سلام، وقد أفاد هذا الشعار البلد، حتى في أوج الأزمة، وابان الحروب الداخلية والدولية التي حصلت على أرض لبنان، وحافظ لبنان جراء خيوط التواصل على الحد الادنى من التفاهمات التي أنقذت المؤسسات الرئيسية للدولة من حالة الانفراط، أو الانهيار، وجنبتها الفراغ، وبرغم الانقسامات الحادة التي عاشتها البلاد. لكن يبدو أفق التواصل بين القوى السياسية اللبنانية مُغبرا، ويميل الى السواد، أكثر من أي وقت مضى، في زمن تحتاج المرحلة الى حوار وتفاهم على قضايا جوهرية، بصرف النظر عن الخلافات الواسعة التي تتحكم بالخارطة السياسية اللبنانية، على خلفية ملفات أساسية، أخطأ البعض في مقاربتها، لاسيما الاحداث الدامية الجارية في سورية، ووصل أمر التباين حولها الى حد القطيعة الكاملة بين قوى أساسية، بعد خطيئة التورط العسكري اللبناني في مناصرة فرقاء الصراع السوري، خصوصا تدخل حزب الله.

مهما كان تقييم أداء الاطراف اللبنانيين، وأيا تكن درجة ارتكاباتهم، أو أخطائهم، أو تجاوزاتهم. لا يمكن القفز فوق معادلة الحوار، ولا تجاوز صيغة التفهم والتفاهم، لتسيير أمور الدولة، وتقطيع العُقد التي تؤمّن جريان الدماء في أوردة جسم الوطن، وعلى وجه التحديد إبعاد شبح الفراغ عن مؤسسات الدولة الرئيسية، في رئاسة الجمهورية، وفي مجلس الوزراء، وفي قيادة الجيش، ومصرف لبنان، ناهيك عن القطاعات المهمة الأخرى. يهدد الانقسام العمودي في الساحة السياسية مستقبل الدولة، ويؤشر انقطاع التواصل والحوار الى مرحلة قاتمة، سيكون لها تداعيات قاسية، إذا لم يتدارك مخاطرها المعنيون. وقد تكون أسوأ من الأزمات السابقة التي مرت، لأن البيئة المحيطة بلبنان تغيرت الى حد كبير، وتحولت الى بيئة حاضنة للتطرف، إذا لم نقل للتهور، وانشغلت الدول التي كانت تساعد لبنان فيما يشبه الحرب الاهلية الاقليمية المسدودة الافق، على وقع احتدام المأساة السورية، التي شبهتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ منذ مجازر رواندا العام 1994. رئيس الجمهورية ميشال سليمان يدرك مدى خطورة المرحلة، وهو في الافطار الرئاسي دعي الى إعادة إحياء طاولة الحوار في بعبدا، وطالب بإجراء بعض التعديلات الدستورية التوضيحية التي تسمح للسلطات التشريعية والتنفيذية بالتهرب من الانسدادات التي تواجه عملها عندما يكون الاختلاف واسعا بين القوى السياسية، كما هو حاصل اليوم.

مجموعة من الملفات الملحة المطروحة في لبنان اليوم، تحتاج الى تفهم وتفاهم، بصرف النظر عن الاختلاف السياسي. وهذا الاختلاف لا يستطيع أن يمنع الناس من أن تتعاطى مع بعضها البعض، ولا يقدر على أن يوقف الاهتراء الذي يصيب مرافق البلاد الخدماتية الأساسية، وليس لهذا الخلاف قدرة على تقديم أي مقترحات واقعية، تنقذ الاوضاع من الصعوبة التي تعيشها، خصوصا ان المؤشرات الاقتصادية بدأت تعكس الواقع المتأزم في تراجعات مخيفة لقطاعات السياحة والصناعة والزراعة، وحتى قطاع البنوك والخدمات. ولا يستطيع أي من الاطراف فرض وجهة نظره، أو تسويقها، حتى لو كانت محقة، لأن المعطيات الخارجية هي الاقوى في تحديد مواقف القوى الداخلية، خصوصا ارتباط حزب الله في محور إقليمي، لا يستطيع الانفراد بالقرار عنه.

التفهم والتفاهم هي الصيغة الوحيدة القادرة على تدوير الزوايا، وإخراج لبنان من دوامة الاضطراب المرشح للتفاقم، وهذه الصيغة هي الوحيدة أيضا الكفيلة بإخراج المأزق الحكومي من عنق الزجاجة. وقد تكون مقاربة توزير المقربين من القوى والاحزاب، هي الاقرب الى التنفيذ، في ظل صعوبة جمع شخصيات حزبية فاقعة من مختلف الاطراف على طاولة واحدة. وما انطبق قسرا على تداعيات أزمة حكومة الرئيس ميقاتي في بداية العام 2011 لا يمكن أن ينطبق على ظروف وخطورة الاوضاع الراهنة. فلا العزل كان قرارا صحيحا في حينها ليتم تكراره، ولا مطلب الثلث المعطل محق، وهو يخفي نية انقلابية، أكثر مما يدعو الى التضامن. والتفهم والتفاهم هما القادران على إنتاج مخرج مقبول، وواقعي، ومتوافق عليه، للتمديد الضروري لقائد الجيش العماد جان قهوجي، ولرئيس الأركان اللواء وليد سلمان. فهل انتهى زمن التفهم والتفاهم في لبنان، أم أن الصيغة مازالت قائمة وقادرة على انتزاع الحلول من أنفاق الظلام؟

المصدر:
الأنباء الكويتية

خبر عاجل