كذلك الأمر، سارع أوليفيه روا فور اندلاع أحداث “الربيع العربي” للتأكيد أن بضاعته ردّت عليه، فوصف الربيع في سنته الأولى بـ”الثورة ما بعد الإسلاموية”، واعتبر أن “الإخوان” ضمناً، قد ساروا في خيار “ما بعد إسلاموي”، وغير مقيّد بأيديولوجيا دينية مقفلة، ولا يرمي بأية حال إلى بناء دولة من نسق أيديولوجي خاص (الدولة الدينية).
اليوم، وبعد “معطوفة” الانتفاضة الشعبية والانقلاب العسكري في مصر، نشبت كالنار في الهشيم تقليعة إعلان “نهاية الإسلام السياسي”، على اعتبار أن الإخوان المسلمين انتظروا عقوداً كي يظهروا لنا ما عندهم، فانكشفت ذخيرتهم نكثاً بالوعود، واستئثاراً، وفشلاً ذريعاً، بما في ذلك الفشل في صدّ عملية الإطاحة بحكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، وأنّها صدمة لا قيامة بعدها لـ”الإسلام السياسي”.
المفارقة الأساسية هنا أنّه فيما كان أصحاب نظرية “نهاية الإسلام السياسي” القديمة، قد أناطوا بالحركات الإسلامية نفسها دوراً أساسياً في تجاوز المرحلة الأيديولوجية المقفلة، والاستغناء عن التصوّرات اليوتوبية للمجتمع والدولة، اعتبر المروجون الإعلاميون والسياسيون لنظرية “نهاية الإسلام السياسي” الجديدة أن هذه الحركات الإسلامية نفسها لم يعد لها لزوم، وأنّها لن تفيق من الصدمة حتى تجد نفسها تتبعثر وتتحلّل، ومنهم من يدعو لاستئصالها بالقوة.
والمفارقة تصير أكثر إشكالية عندما تتبيّن المنابت الأيديولوجية للمروّجين لهذه الأطروحة، من نوستالجيي “القومية العربية” بمدرستيها الرئيسيتين، البعثية والناصرية، إلى بقايا الشيوعية العربية من الناظرين إلى فلاديمير بوتين كرائد لحركة “بعث الاتحاد السوفياتي”، إلى الليبراليين العرب الذين فشلوا قبل الربيع وبعده في التأسيس لحركات سياسية شعبية مستقلّة عن ثنائية “عسكر وإسلاميين”، إلى متوهّمي مواجهة الإسلام الحركي والإحيائي بالعودة إلى الإسلام التقليدي، المملوكيّ مثلاً، في حالة مصر. بهذا المعنى يجوز الاستيحاء والقول: “من كان يستند منكم إلى تراث أيديولوجي وسياسي ينبض حياة فليُعلِم الإسلام السياسيّ بمماته”.
الوجه الثاني للمفارقة أن شعاراً كـ”نهاية الإسلام السياسي” لا يمكن أن يناقش بجدّية ما لم نمتلك الوعي بـ”العالم الإسلامي” كعالم يفيض كثيراً عن العالم العربي وحده، وهو عالم تؤمّن له المتغيرات التقنية والثقافية والاقتصادية المعاصرة آفاقاً غير مسبوقة للتعرّف على امتداده وعالميّته، وتداخله مع سواه، والآفاق التي ستنتج عن هذا التعرّف، ابتداء من تبادل المفاهيم والخبرات والتجارب، ووصولاً إلى التشارك في المصالح، وهذه آفاق أوسع بكثير مما كانت تتوقعه الانتظارات الأكثر تفاؤلاً لـ”الجامعة الإسلامية” في القرن التاسع عشر (المهمومة بإنقاذ السلطنة)، وللحركة الإسلامية منذ عشرينات القرن الماضي المشدودة لتصوّرات مستعادة ومتخيلة من الماضي، ماضي ما قبل انبثاق عالم إسلامي بهذا الامتداد، من إندونيسيا حتى المغرب، وبهذا التعدّد، وبهذه الطبقة الوسطى الصاعدة اليوم، والتي تتشارك في الكثير الكثير، من جاكرتا إلى كراتشي إلى طهران إلى اسطنبول إلى القاهرة.
فتطوّر العلاقات بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، وتنوّع نوعية “الإسلاميين” كما ماهية “غير الإسلاميين” من بلد إلى آخر، هي مسألة لا تقارب إلا في ضوء خارطة كاملة من المقارنات لا يمكن أن تستبعد إندونيسيا وماليزيا والباكستان، وبلدان آسيا الوسطى وأفريقيا المسلمة.
المركزية “الشرق أوسطية” تمنعنا من مقاربة الواقعة الإسلامية بعالميتها اليوم، وكذلك مقاربة اختلاف التجارب الديموقراطية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. والسؤال هنا، إلى متى ستبقى هذه النظرة إلى عموم العالم الإسلامي مقتصرة على “الشعاراتية الإسلاموية” عند الإخوان والخمينيين، في حين أنّ الديموقراطيين المدنيين والليبراليين التقدميين الجديين، على اختلاف مشاربهم، في بلاد المسلمين أولى بها، إذا كان الخروج من “الأيديولوجيات المقفلة” هو فعلاً ما يسعون إليه، وليس مواجهة “الأحلام الماضوية الإحيائية” للإسلاميين بأحلام ماضوية قومجية وشيوعية، أو أحلام يقظة ليبرالية؟