#adsense

بكركي تطلق “الدخان الأبيض” لتشكيل الحكومة الحيادية…الزغبي لـ”المستقبل”: مواقف الراعي من صلب الخط التاريخي للبطريركية المارونية

حجم الخط

كتبت فاطمة حوحو في صحيفة “المستقبل”:

في موقف متقدم جديد، دعا البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي إلى تشكيل حكومة حيادية، غير مرتبطة بفريقي الصراع في لبنان، حكومة تلتزم الحياد كما جاء في إعلان بعبدا، بعيدة عن الأفرقاء المتنازعين وقادرة على تنفيذ “النأي بالنفس عن سوريا”.

ويأتي موقف البطريرك الجديد بعد ذاك الذي أعلنه منذ مدة والذي اعتبر فيه أن “كل سلاح خارج عن الشرعية، يُعتبر غير شرعي ويستجلب سلاحاً غير شرعي”، وبعد نداء مجلس المطارنة الموارنة ومحاولات تفسير كلام الراعي من قبل البعض”، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأنها تأتي منسجمة ومتوافقة مع نهج البطريركية المارونية وثوابت بكركي المعروفة في الالتزام بالعيش المشترك والانتماء العربي للبنان وبالشرعية الدولية، وبرفض السلاح غير الشرعي من أي طائفة أو مذهب أو حزب على حساب الدولة والمؤسسات.

ويتقاطع الموقف الجديد للراعي بطريقة غير مباشرة مع المواقف التي تطلقها 14 آذار بالدعوة إلى حكومة لا تضم كلا الطرفين، بل تعمل لتأمين استمرار الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية والقضائية في لبنان وتعيد آلية العمل بالمؤسسات وفق الدستور.

ويقرأ المحلل السياسي الياس الزغبي في موقف الراعي الأخير مثيلاً لـ”كل مواقف الأطراف السياسية العاقلة، بدءاً من مواقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى رئيس الحكومة المكلّف تمام سلام إلى قيادات ومكوّنات قوى الرابع عشر من آذار بالطبع. فإن البطريرك يستهدف 8 آذار بشكل مباشر ولكنه في تعبيره الواضح عن حكومة حيادية ودعوته إلى تشكيل حكومة حيادية من شخصيات مرموقة ومعروفة بقدرتها ونزاهتها ومن دون أن تكون الحكومة محسوبة على طرف، هذا المنطق يلتقي ويتقاطع حكماً مع منطق الرئيس المكلف نفسه ورئيس الجمهورية وقوى 14 آذار، من دون أن يكون البطريرك منصفاً في السياسة الداخلية بين فريقي 14 و8 آذار، ولكن عملياً هذا الكلام يصب في الاتجاه السليم خارج إطار الشروط التعجيزية التي يفرضها “حزب الله” ومن معه في 8 آذار، تحت مسمى الثلث المعطل، أو تحت مسمى المحافظة على الوزارات التي كانت بأيدي 8 آذار في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة، أو تحت مسمى الخلاف في 8 آذار والتفاوض فرادى، كما قال الرئيس نبيه بري. هذه الخدعة مفضوحة، وإذا أخذنا في الاعتبار أن 8 آذار انفرط عقدها وأصبح كل طرف فيها مستقلاً عن الآخر، فهذا يعني أنها تستطيع الحصول على أكثر من الثلث المعطّل، والدليل أن الرئيس بري يطالب بـ5 وزراء شيعة من أصل 24 وعون يطالب بـ5 وزراء ويبقى للأطراف الأخرى في 8 آذار مثل “الطاشناق” و”المردة” و”الحزب الديموقراطي اللبناني” و”القومي” وهؤلاء لوحدهم أربعة، إذ من هذا الطرح الذي يقدمه بري يراوح عدد الوزراء الذين يريدونهم في الحكومة وتحت خدعة انفصال عون عن 8 آذار والتفاوض المستقل، يريدون تحصيل حقائب وزارية أكثر بكثير مما كان في الماضي أي ما يناهز 14 وزيراً”.

ويجد الزغبي أن “موقف البطريرك ينبّه إلى مثل هذه الألاعيب ويدرك فعلاً حقيقة العقد الموجودة لمنع تشكيل الحكومة”.

مع رفع بكركي السقف في الاستحقاق الحكومي، ورؤيتها صعوبة تمثيل “حزب الله” الذي يرفع سلاحاً ويقاتل في سوريا، وإعلان “تيار المستقبل” أنه مع حكومة لا يتمثل فيها الفريقان والإتيان بحكومة “مسالمين”، قد تكون إشارة البطريركية المارونية مهمة في هذه المرحلة للرئيس المكلف الذي أصبح على قاب قوسين أو أدنى من إعلان ما يسمى حكومة أمر واقع بعد الشروط التي يريد “حزب الله” فرضها والتي سرّبت بعض أوساطه أنه يمرر للرئيس ميقاتي رسائل بإمكانية إعادة تكليفه بتشكيل حكومة، لتقديره بأن سلام سيعتذر عن التأليف، وهنا يلفت الزغبي إلى أن “البطريرك يقول بمنطق 14 آذار نفسه، إذ لا يمكن تمثيل “حزب الله” الحزب المسلح والمحارب في سوريا والذي يخرق إعلان بعبدا والدستور والسيادة اللبنانية، مباشرة بالحكومة، يمكن أن يمثّل من خلال الطائفة الشيعية هو والرئيس نبيه بري بشخصيات معروفة بهدوئها وسيادتها النسبية، فاليوم مثلاً شخص مثل طراد حمادة (الوزير السابق) ليس مثل علي عمار (النائب الحالي)، هناك شخصيات شيعية يمكن أن تمثل الحيثية السياسية لحزب الله من دون أن تكون شخصية حزبية مباشرة، هذه صيغة ممكنة وهذه الصيغة هي التي يطالب بها بشكل ناضج البطريرك الراعي ويطالب بها أيضاً الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية، و14 آذار هي في هذا الاتجاه وقد أعلنت تنازلها عن التمثيل في الوزارات التي تشغلها مقابل ألا يكون هناك أي تمثيل حزبي آخر من قبل “حزب الله” وحركة “أمل” و”التيار الوطني الحر”.

وباستنتاج عام، يرى الزغبي أن كلام البطريرك “جاء نتيجة خبرة ومعاينة دقيقة للواقع السياسي بعد أكثر من 3 أشهر على تكليف الرئيس سلام. فهو لديه معلومات ومعطيات ووقائع وضع يده عليها وأتى بهذا الموقف والتصريح، وكان قد ألمح سابقاً إلى الموقف نفسه عندما عاد من سفره الأخير إلى لبنان من المطار وتحدّث عن حكومة حيادية، وهذه المرة كان أشد وضوحاً. وهذا الموقف يصب فعلاً في اتجاه دستوري قانوني منطقي سياسي للبنان”.

وبتقدير الزغبي إن مواقف الراعي تلتقي مع الخط التاريخي لبكركي ولا يحيد عنها. وهو يعبر عنها حالياً بغض النظر عن المواقف السابقة له والتي أثارت جدلاً واسعاً. الآن ومنذ شهر على الأقل يسلك غبطة البطريرك خطاً موضوعياً، ينتمي فعلاً إلى المسار التاريخي اللبناني الصافي الذي تسلكه الكنيسة المارونية والكنيسة عموماً في لبنان. وهذا ليس غريباً عن السياق التاريخي لبكركي. والأنباء تحدثت أخيراً بطريقة غير مباشرة عن التوبيخ الذي تعرّض له أحد المطارنة من قبل مرجعية عليا لكونه شرد في الكلام عن المثالثة والانفتاح بما لا يتناسب مع الموقف التاريخي للبطريركية المارونية. وكان لا بد من لوم لهذا الحبر أو المطران. وهذه مؤشرات تصب في الاتجاه اللبناني التاريخي الصحيح، إذ لا يمكن للبنان أن يكون دولة سيدة حرة مستقلة يلتزم دستوره وقوانينه من دون أن يكون في اتجاه هذا الموقف الذي أعلنه البطريرك، وهو موقف منطقي جداً. وكل موقف آخر أو مغاير يكون خروجاً عن مواقف بكركي التاريخية”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل