وقد نجح الحوار في كشف مسألتين أساسيتين: الأولى، أنّ هيئة الحوار غير قادرة على تحقيق أيّ اختراق عملي باستثناء حشر الحزب على غرار ما صدر عنها في “إعلان بعبدا”، وهذا أقصى ما يمكن أن تحققه. والثانية، أنّ الحزب يستخدم الحوار غبّ الطلب لانتزاع غطاء وطني يمكّنه من مواجهة مناخ دولي معيّن، هذا المناخ الذي يتمثّل اليوم باستعداد الاتحاد الأوروبي لإدراج الجناح المسلّح للحزب على لائحته السوداء للمنظمات الإرهابية، الأمر الذي يفسّر الهدوء الاستثنائي الذي طبع إطلالة نصرالله الأخيرة في محاولة للإيحاء بأنّه منفتح على أيّ نقاش لبناني-لبناني، وأنّ كل الأمور في لبنان قابلة للعلاج، وأن لا مشاكل مستعصية أو عقيمة، وأنّ مشكلة السلاح يتمّ تحميلها أكثر ممّا تحتمل.
وحاجة الحزب للحوار، واستطراداً للغطاء الوطني، لا تقتصر على تحصين موقفه في مواجهة الاتحاد الأوروبي، إنّما تشمل أيضاً تظليل وضعه حيال الدول العربية وتحديداً السعودية التي خرجت للمرة الأولى عن تحفّظها بالتعامل معه وانتقاده بشكل عنيف وشديد اللهجة منذ لحظة إعلانه القتال في سوريا، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه: أين مصلحة 14 آذار في تنفيذ أجندة “حزب الله” بتوفير الغطاء الذي يحتاجه؟ وهل من مصلحة هذه القوى إخراج الحزب من ورطتي انخراطه في الحرب السورية و”ارتكاباته” المتهم بها أوروبّياً؟ وهل دور 14 ترييح الحزب أم الضغط عليه لتقديم تنازلات جدّية في قضية سلاحه؟ وهل على هذه القوى استئناف الحوار قبل انسحاب الحزب من سوريا ومحاسبته على الوقت الثمين الذي أهدره وأظهر أنّ أولويته ليست الدفاع عن لبنان، بل الدفاع عن مواقع نفوذ محور الممانعة؟
فلقد حوّل “حزب الله” الاستراتيجية الدفاعية من الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل إلى الدفاع عن النظام السوري في مواجهة اللبنانيين والسوريين والمجتمعين العربي والدولي. فكلّ نظرية الحزب التي قامت على ثلاثية “جيش وشعب ومقاومة” سقطت منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها السيّد نصرالله حربه ضد التكفيريين ومساندة النظام السوري واستعداده لتحرير الجولان. فلا الحوار عاد ممكناً بعد خروجه عن وعده مجدداً بعدم استخدام سلاحه إلّا في مواجهة إسرائيل، ولا الحوار عاد ممكناً أيضاً بعد خروجه للقتال خارج لبنان في خطوة تتعارض مع الدستور والميثاق والشرعة العالمية لحقوق الإنسان. وما ينطبق على الحوار ينسحب على الحكومة التي بات يستحيل تضمين الثلاثية العتيدة في بياناتها الوزارية مع تحوّل المواجهة من إسرائيل إلى سوريا.
قد يكون لبنان بحاجة فعلاً إلى استراتيجية دفاعية، ولكن لمواجهة محور الممانعة في سعيه الدائم لإبقاء الدولة معلّقة والاستقلال غير ناجز والسيادة منتقصة.
