كتبت باسكال بطرس في صحيفة “الجمهورية”:
شروطٌ وشروطٌ مضادة لا تزال تتحكّم بمصير الجلسة النيابية العامة التي يُصرّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي على الدعوة الى انعقادها… إلى أن «تقومَ القيامة»! في وقتٍ تتصاعد «الحملات المتبادلة» بين مختلف الأفرقاء، بحيث حَشَدَ كل فريق قدراته التحالفية والسياسية في معركته المفتوحة التي، في ظلّ المعطيات والمؤشّرات الراهنة، تقودنا حتماً نحو الفراغ الكامل.
يبدو أنّ الطريق الى المجلس النيابي طويلٌ جداً ومفخّخٌ بألغام تقابلها ألغام أخرى، وليس أوّلها تمسّك برّي بما يعتبره حقوقاً شرعية ودستورية للمؤسّسة التشريعية، ولا آخرها إصرار نواب “14 آذار” على صدور مرسوم عقد دورة استثنائية، وكلّ ما يتبعها من نظريّات و”فلسفيّات” لا تساهم إلا في الضغط على الوضعين السياسي والأمني المتأزّمين أصلاً، وتحويل الملفات العالقة إلى “بازارات” مقايضة.
“ما نشهده اليوم هو بمثابة انهيار للمؤسسات وخروج عن الشرعية”. بهذه العبارات يختصر مرجع قياديٌ لـ”الجمهورية” الوضع المتأزّم والإفلاس الذي يعيشه لبنان في الوقت الراهن، محمّلاً الطبقة السياسية الحالية مسؤولية التعطيل، “فيما يبرز موقف برّي مطابقاً للدستور والشرعية، بخلاف موقفه في العام 2006 عندما عطّل المجلس بعد استقالة الوزراء، والذي كان مخالفاً للدستور، وهو المأخذ الذي تسجّله عليه اليوم قوى “14 آذار”.
مناكفة سياسية
ويعتبر المرجع أنّ “تعطيل النصاب موقف سياسي وليس دستورياً. فالإصرار على إصدار مرسوم لعقد دورة استثنائية يأتي في إطار المناكفة السياسية فقط لا غير”، مشيراً إلى أنّ المجلس يصبح حكماً، حسب الدستور، “في دورة استثنائية، عند استقالة الحكومة، ولذلك فإنّ المجلس سيّد نفسه وسيّد جدول أعماله”.
وإذ يلفت إلى أنّ “الجدل الدائر حيال التركيبة الحكومية، ولا سيما بين تيار “المستقبل” و”حزب الله”، على خلفية مطالبة الأول بإقصاء الثاني عن الحكومة ولو على قاعدة “من ساواك بنفسه ما ظلمك”، هو جدل عقيم ولا أساس له”، يؤكد أنّه لم يعد يصلح استخدام عبارة “تكنوقراط”، لأنّ أي حكومة تُعتبر اليوم “سياسية” مهما كانت تشكيلتها، شرط أن تنال ثقة المجلس”.
السلطة الإجرائية
ويوضح المرجع أنّه “قبل اتفاق الطائف، كان النص الدستوري ينيط السلطة الإجرائية برئيس الجمهورية، الذي يتولاها بمعاونة الوزراء الذين تُنسب إليهم صفة المعاونين وليس السياسيين. وفي ظل هذا النص، كان يجري أحياناً تعيين وزراء “تكنوقراط” وأحياناً أخرى وزراء سياسيين، لأنه سواء أكانوا تكنوقراط أم سياسيين، فهم يستمدّون شرعيّتهم من صلاحيات الرئيس، صاحب السلطة والمسؤول السياسي الوحيد عن قرار السلطة الإجرائية.
أما بعد الطائف، فقد أُنيطت السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً، ما يعني أن كل وزير يُعتَبرُ سياسياً سواء عُيِّن من داخل المجلس أو من خارجه، وسواء أكان من التقنيين أو من غير التقنيين، لأنه أصبح هو المسؤول والمشارك في قرار مجلس الوزراء، من هنا لم تعد تصلح تسميته بتكنوقراط”.
وفي سياق متّصل، يرى المرجع أنّه في حال تأليف الحكومة الجديدة، “فهي ستحكم شكلياً فقط بعد نيلها ثقة المجلس النيابي، وذلك لاعتبار المجلس الحالي، عملياً، فاقد الشرعية، بعد التمديد لنفسه نتيجة عجزه عن صياغة وإقرار قانون انتخاب جديد وعجزه عن تطبيق الدّستور”.
التمثيل السياسي
وإذ يؤكد المرجع أنّ السعي الدائم إلى تمثيل كل فئات المجتمع ومجمل الطبقة السياسية داخل المجلس النيابي، “مخالفةٌ واضحة وفاضحة للدستور”، يشير إلى أنّ النظام الجمهوري الديموقراطي البرلماني “يشترط أن تتألف الحكومات من الأكثرية النيابية وليس من كلّ نسيج المجلس، وذلك في إطار الحفاظ على الديموقراطية، والتي تحتاج الى معارضة في وجه الحكومة، لمحاسبتها عند التقصير في واجباتها. وبالتالي فإنّ إلغاء وجود المعارضة يعني حجب الديموقراطية”.
وفي هذا الإطار، يعتبر المرجع أنّ المجلس النيابي، ومنذ العام 1992 وحتى اليوم، “هو مؤسسة قانونية لكن غير شرعية، لأنّ قانون الانتخاب المعتمد مخالف للدستور، نظراً إلى أنه لم يؤمن “صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب، وأجياله وفعالية التمثيل حسب النص”، لافتا إلى أنّ الحكومات التي أُلّفت منذ العام 2005، “لم تكن تحكم لأنها “مكربجة” نظراً إلى سعيها الدائم لضم وتمثيل كل الفئات”.
«إعادة ما للناس للناس»
ويسأل المرجع: “أين الشرعية عندما يطعن بتمديد المجلس أمام المجلس الدستوري، الذي سرعان ما يحتضر ويلفظ أنفاسه؟”، مشيراً إلى أنّ “المفتاح الوحيد لهذه المعضلة يبقى قانون الانتخاب على أساس النظام النسبي وصوت التفضيل، لأنهم مهما تباطؤوا وتلكّؤوا عن ذلك، سيعودون في النهاية الى هذه النقطة لاسترجاع الشرعية انطلاقاً من مبدأ “إعادة ما للناس للناس”. فالفارق كبير جداً بين قانون انتخابٍ يحقق إرادة اللبنانيين والقانون الحالي الذي يحقق رغبة الأوصياء، بحيث يسيطر على كل المجلس ثلاثة أو أربعة سفراء مع ثلاثة أو أربعة لبنانيين. فأين هو قرار الشعب الذي هو مصدر السلطات؟ فلا دولة ولا شعب بلا مساواة. ولا دولة ولا شعب بلا حدود في القانون وفي الأرض. ولا لبنان أصلاً بلا حريات للأفراد قبل أي حق للجماعات”.
لا تمديد
وعمّا رُدّد عن ثوابت “14 آذار” بإيجاد المخرج القانوني لإعادة المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الى قيادة الأمن الداخلي، في مقابل التجديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، يؤكد المرجع أنّ “هؤلاء لا يريدون ضمنياً التجديد لقائد الجيش ولا للواء ريفي، ولكلٍّ أسبابه. فلا شك أن حوادث عبرا غيّرت موقف “14 آذار”، وتحديداً تيار “المستقبل” من قائد الجيش، أما بالنسبة إلى اللواء ريفي فقد أصبح اليوم خارج المديرية وبعيداً عنها لأن هدفه بات أكبر اليوم، إذ إنه اختار طريقه في العمل السياسي. وبالتالي فإنّ المناكفة السياسية ستؤدي عملياً الى عدم التمديد لأي منهما”.
لا تفجير
ولكن، على رغم حال المراوحة والجمود المسيطرة، يستبعد المرجع تفجير الأزمة الحكومية: “صحيح أنّ خطاب الطبقة السياسية حام وعالي النبرة، ما يدل على “رؤوس حامية”، إلا أنه لا يلقى تجاوباً من الشعب، لسببٍ رئيس وهو أن لبنان عاش 16 عاماً من الحرب التي تزال آثارها راسخة في ذاكرته. يقولون إنها ستنفجر ولكنّ اللبنانيين لا يتحرّكون لتفجيرها. فإرادة التفجير غير موجودة لدى غالبية الشعب، واللبنانيون يريدون العيش بعيداً عن الحرب التي طال أذاها كل بيت، وكل حي وشارع وقرية ومنطقة”.
الثورة إلى لبنان
ويؤكد المرجع أنّه “سرعان ما تنتهي الثورة في مصر، ستبدأ في لبنان تحت شعار “التغيير”، وسيخرج اللبنانيون الى الشوارع تماماً كما فعلوا في العام 2005″، لافتاً الى أن ما يحصل في مصر “لا مثيل له في التاريخ. فالثورة قد نضجت فكرياً وشعبياً، ولمس المصريون مصلحتهم لَمسَ اليد. ولذلك أنجزوا عريضة شملت 22 مليون توقيعاً ليقولوا للرئيس محمد مرسي “إرحل”، ثم نزل 30 مليون بشري الى الشوارع ليقولوا له “إرحل”.
ويشير الى “أهمية اللبنانيين المفطورين على الحرية، فهم أكثر الشعوب وعياً في كل المنطقة العربية، ولا شك أنهم سينجحون، في نهاية المطاف، بتغيير واقعهم، ولكن خارج إطار الأحزاب الطائفية التي تلفظها ضمائر الناس، بدليل الإجماع على إقرار الزواج المدني في لبنان، على رغم معارضة الأحزاب الطائفية ومحاولاتهم للحؤول دون ذلك، وهنا يُقيّم حجمهم الفعلي”، لافتاً إلى أن “ظاهرة الإخوان المسلمين تشارف على نهايتها، بعدما كانت النموذج الأصلي للأحزاب الطائفية، وأكثرهم تماسكاً وتنظيماً منذ العام 1926”.