كتب أسعد بشارة في صحيفة “الجمهورية”:
لم ينطلق قطار تأليف الحكومة ليقال إنّ الأمور عادت الى بداياتها. فالثلث المعطل لا زال يُعطّل، والمسؤولون عن التعطيل الذين حاولوا منذ عشرة أيام وحتى الآن تغيير الأسلوب والبقاء على مطلب التعطيل، عادوا الى البدايات.
في هذا الإطار، أحيوا الحلف المقدس، وأطلقوا العنان لرئيس تكتل “التغيير والإصلاح” العماد ميشال عون، الذي استحضر مناخات تأليف الحكومات السابقة، مهاجماً الرئيس المكلف تمام سلام، ومحاولاً تحديد ما يجب أن يقوم به وما لا يجوز أن يفعله، كأنّ الحكومة يُفترض أن تُشكل في الرابية.
في المصيطبة، يبدو سلام مطمئناً إلى سلامة مهمة التأليف التي حافظ عليها من خلال إعلان المعايير في الساعات الأولى للتكليف. ويؤكد أمام زوّاره أنّ ما من شيء قد تغيّر في هذا الخصوص، فـ”أنا لم أضع المعايير لأتنازل عنها، بل لأؤلّف الحكومة على أساسها، لأنها من صلب مهمات أيّ رئيس مكلّف وصلاحياته ومسؤولياته وواجباته، وسأتصدى لأيّ محاولة تهدف لتكريس أعراف خارجة عن الدستور في تأليف الحكومات”.
ينقل زوّار المصيطبة عن سلام تثمينه ما قام به رئيس مجلس النواب نبيه برّي لجهة إعلانه عدم اشتراط الثلث المعطل، لكنّ هذا الإعلان لا يكفي إذا لم يَقترن بالتطبيق العملي، أي باللغة العامية: “التقريش”. ففضلاً عن أنّ برّي أوفد معاونه النائب علي حسن خليل إلى سلام بعد عشرة أيام من المبادرة، فإنّ الموفد حمل طرحاً مفاده أنّ رئيس المجلس مرن جداً في طريقة توزيع حصته الوزارية (3 وزراء) داخل الحكومة، وهذا بحدّ ذاته لا يكفي، لأنّ المطلوب بعد الاتفاق على الحصّة الشيعية، هو أن تعلن قوى “8 آذار” موقفها من دخول الحكومة أو عدمه، خصوصاً في حال تصلّب عون. فهل ستلتزم هذه القوى وعلى رأسها “حزب الله” موقف عون وتمتنع عن المشاركة، أم أنها ستترجم ما أعلنه برّي عمليّاً في خصوص زوال الثلث المعطل؟ هذا السؤال لم يصل جوابه إلى المصيطبة، وكلّ ما وصلها نيّات صادقة من برّي بإحداث ثغرة في جدار التأليف، ما لبثت أن أُجهضت بمواقف من عون و”حزب الله”.
هذا السؤال لا يكون الجواب عليه، في حال عادت قوى “8 آذار” الى التفاوض كطرف واحد في تأليف الحكومة، إلّا بتنظيم الحصص الوزارية ضمن سقف الثلث، أيْ ثمانية وزراء لا يزيدون واحداً، بحيث لا يطلب عون حصة تزيد عن الوزراء الشيعة الخمسة، لأنّ ذلك سيجعل من الثلث المعطل، المرفوض من سلام، حقيقة داخل الحكومة.
تبدو مهمة التمسك بالمعايير، أولويّة لدى سلام الذي يتعاطى معها على قياس التطلّع إلى المستقبل، من زاوية تصحيح التجاوزات التي شابت تأليف الحكومات من العام 2005 وإلى اليوم. في المصيطبة، ينقل الزوار عن سلام أنّ الحكومة لن تؤلَّف لا من الرابية ولا من أيّ مكان آخر، ولا يمكن لأحد (عون أو غيره)، أن يملي على الرئيس المكلف اعتذاراً عن التأليف أو عدم اعتذار، فهذه مسؤوليته، والخيارات ليست مقفلة أمامه، والاعتذار يكون فقط في حال شعر أنّ الناس لم تعد ترى ضرورة لاستمراره.
لم يفاجأ سلام بالموقف الذي صدر عن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي دعماً للحكومة الحيادية. فقد ارتاح إليه، معتبراً أنه يشكل ترجمة لما يريده الناس في الاسراع بتأليف الحكومة، ويعطي دفعاً من رأس الكنيسة ومن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في اتجاه تسريع ولادتها.
وينقل الزوار عن سلام تأكيده وجوب أن يكون التأليف البداية لكسر الحلقة المقفلة المفروضة على البلد، والدعوات المحمودة إلى الحوار التي صدرت عن الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، لا ترجمة واقعيّة لها كبداية للانفراج، إذا لم يُسهّل التأليف، ذلك قبل أن يتحوّل التعطيل إلى مأزق الذين عطلوا، ثم إلى أزمة وطنية لا يعود بالإمكان حصر خسائرها.