Site icon Lebanese Forces Official Website

“حزب الله” .. و”التقيّة” السياسية

 

يوماً بعد يوم يدفع “حزب الله” اللبنانيين أكثر الى الاعتقاد باستحالة التعايش معه في السياسة، تماماً كما استحالته مع سلاحه وتحت رحمته، بعد أن تجرّد هذا السلاح من قداسة “المقاومة”، تخلى عن مهمته النبيلة وتحوّل الى صدور اللبنانيين، وبات قوّة تدمير وإبادة في سوريا، كما فعل في القصير ويفعل اليوم في حمص، وكما يفعل أيضاً في دمشق وريفها وفي حلب وغيرها.

مناسبة هذا الكلام، هو ما ورد على لسان نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الذي جدد اتهامه لتيار “المستقبل” بما هو فيه أصلاً، لجهة تسعير الفتنة، والزعم زوراً وبهتاناً أن “المستقبل” يؤلّب السنّة ضدّ الشيعة، لا بل أكثر من ذلك يذهب الى حدّ اتهام “المستقبل” بجرّ لبنان الى المشروع الأميركي – الإسرائيلي الصهيوني – التكفيري، قبل أن يدعي زوراً وبهتاناً أيضاً أن تيار “المستقبل” هو من أسقط العلاقة مع “حزب الله”.

هذا الموقف التصعيدي يطرح السؤال البديهي على “حزب الله”، ماذا بقي من خطاب السيد حسن نصرالله الأخير؟، وما جدوى مدّ اليد والدعوة الى حوار لإنقاذ البلد وتجنيبه خطر الإنفجار الكبير الذي يلوح في الأفق بعد تفجير بئر العبد وعملية مجدل عنجر وغيرها من المعلومات التي تحذّر من سقوط لبنان في أتون فتنة لا تبقي ولا تذر؟. والسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ما مغزى هذا التصعيد وخصوصاً ضدّ “المستقبل” عشية قرار الاتحاد الأوروبي القاضي بإدراح “حزب الله” على لائحة الإرهاب؟، ولماذا هذا الموقف المشبوه الذي يأتي كردّ مباشر على الرفض اللبناني الكامل وخصوصاً رفض “المستقبل” إدراج الحزب على اللائحة الإرهابية باعتباره مكوناً لبنانياً أساسياً؟.

الجواب المنطقي هو أن “حزب الله” وللأسف لا يلتزم بتعهداته لا ماضياً ولا حاضراً ولا مستقبلاً، هو يعمل وفق مصلحته الذاتية، لا يقبل من الآخرين الا أن يكونوا أهل طاعة لمشروعه وإلا أصبحوا خونة وعملاء، ويحق له أن يرميهم بكل الصفات التي لا تشبه غيره قلباً وقالباً، ولا تنطبق على سياسته ومسيرته وانقلاباته على كل العهود والمواثيق التي وقّع عليها، والتزم بها. وعلى سيرة اتهام الشيخ قاسم لـ”المستقبل” بأنه هو من أسقط العلاقة معه، لا بد من سؤاله ومن خلفه قادة “حزب الله” الذين هم أعلى وأدنى منه شأناً ومنصباً، من الذي انقلب على مقررات طاولة الحوار الوطني التي أقرّت في العام 2006 بدءاً من المحكمة الدولية وصولاً الى السلاح الفلسطيني وترسيم الحدود مع سوريا؟، من الذي نسف كل إنجازات المقاومة عندما حوّل سلاحه من جبهة الجنوب بعد حرب تموز مباشرة الى صدور اللبنانيين في السابع من أيار واحتل وسط بيروت وحاصر السرايا الحكومية وعطل البلد وحوّله الى رهينة؟، من انقلب على اتفاق الدوحة، فكرر استعمال سلاحه في الداخل وعمم فوضى السلاح والبؤر الأمنية على امتداد مساحة الوطن؟، من أطاح بحكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها سعد الحريري والتي كانت تتمثّل فيها القوى السياسية بحسب أحجامها وأوزانها، ويطالبون بحكومة شبيهة بها اليوم؟، من انقلب على نتائج الانتخابات النيابية وصادر إرادة اللبنانيين بقوة السلاح وبالقمصان السود ونصب حكومة لقيطة بعد أن تنكر لأبوته لها، بعدما أثبتت عجزها وفشلها في كلّ شيء وجرّت البلاد الى شفير الإفلاس والانهيار الشامل؟. وطالما أن الحزب غيور الى هذا الحدّ على التوازنات الدقيقة في البلد وحق الطوائف لا سيما الطائفة الشيعية بأن تشترك في الحكومة بممثليها الحقيقيين في المجلس النيابي، أين كانت هذه الغيرة عندما أقصى هو وبشار الأسد “المستقبل” كتيار وطني عريض، وممثل للطائفة السنية أقله بنسبة 95 في المئة بحسب نتائج الانتخابات الأخيرة عن الحكومة؟، لماذا كان مجرّد الاعتراض على هذا الانقلاب ممنوعاً، وكان هو وما يسمى بـ”الثنائي الشيعي” يتهم الرئيس سعد الحريري بـ”حب الاستئثار بالحكم وعدم القبول بالديموقراطية وتداول السلطة”؟.

أما على سيرة اتهام تيار “المستقبل” بتسعير الفتنة وتحريض السنة على الشيعة، فيكفي إنعاش ذاكرة الشيخ قاسم، بأن ممارسات حزبه هي التي أوجدت أرضية الفتنة وشجعت عليها، وتذكيره بأن ممارساته سواء في “العملية الجراحية السريعة والموضعية” في السابع من أيار عند اجتياح بيروت وترويع أهلها ونصب الحواجز والتحقيق بهويات الناس وانتمائهم المذهبي، هي التي تغذي الفتنة، ومن بعدها ترويع الناس في عائشة بكار وقتل الأبرياء في برج أبي حيدر وإحراق المساجد فيها هو الذي يغذي الفتنة، ولا بد من تذكير الشيخ قاسم أيضاً بأن من أبادهم في القصير ويستكمل الآن إبادتهم في حمص وحلب ودمشق، أو أولئك الذين شارك في قتلهم وخطفهم وإخفائهم وتعذيبهم بعد معركة عبرا، يفترض أن يكونوا أخوة له في الدين، أو بالحدّ الأدنى أصحاب حق في الإنسانية.
وأخيراً وليس آخراً، يجب أن يقتنع الشيخ نعيم قاسم وحزبه، أن سياستهم التخوينية أشهرت إفلاسها منذ زمن، ولم تعد تجدي، وإذا كان من مشروع أميركي إسرائيلي – تكفيري يطبّق في لبنان والمنطقة، فإن الممارسات اليومية لـ”حزب الله” هي جزء لا يتجزّأ منه، فهذا المشروع الذي يدمر سوريا الدولة ويبيد شعبها، هو الذي يخطط لما يُراد للبنان أن يقع فيه، وبالتالي ألم يئن لـ”حزب الله” أن يدرك أن قتاله في سوريا بات يشكّل أكبر خدمة للعدو الإسرائيلي، لسببين: الأول أن ما كان يسمّى مقاومة تعمل اليوم لحفر قبرها في سوريا، والثاني أن تدمير سوريا الدولة والشعب وليس النظام، هو حلم صهيوني، وعلى “حزب الله” أن يقتنع ولو لمرة واحدة أن إسرائيل هي الخاسر الأكبر من بشار الأسد الذي تعترف قياداتها بأنه رجل تل أبيب في دمشق.

في هذا الوقت استغرب عضو كتلة “المستقبل” النائب سمير الجسر كلام الشيخ قاسم، فلفت الى أن “تيار المستقبل لم يكن يوماً ضمن مشروع غربي أو أميركي أو إسرائيلي ضد لبنان”، ورأى في حديث الى “المستقبل”، أن “سياسة “حزب الله” قائمة ومنذ زمن على تخوين كل من يخالفه الرأي في السياسة”، مذكراً الشيخ قاسم بأن “إيران هي التي سهّلت الدخول العسكري الأميركي الى أفغانستان والعراق، كما أن الموقف الأميركي في سوريا واضح وأقل ما يُقال فيه إنه متردد ويعطي ظهره للثورة السورية التي نعتبرها ثورة شعب محقة”. ودعا الى “الكف عن هذه الاتهامات”. وقال “إن هذا الكلام مفاجئ لأنه يأتي بعد خطاب السيد نصرالله الذي يعلن فيه مدّ اليد الى باقي المكونات اللبنانية، وكأن هناك من يمدّ اليد والآخر يسحبها، فليعتمدوا معياراً واحداً ويقولوا ماذا يريدون لنرى كيف نتعامل معهم”. وسأل “إذا كان الشيخ قاسم يتهمنا بأننا عملاء، فكيف يمد السيد نصرالله يده الى عملاء ويرغب بالتحاور معهم؟”. وأكد أن “تيار المستقبل” لم يكن هو المبادر الى قطع العلاقة مع “حزب الله”، إنما الحزب هو الذي فعل ذلك وأسقط حكومة الرئيس سعد الحريري ونسف كل تعهداته وانقلب على كل الاتفاقات، وأخيراً رأيناه كيف تنصل من توقيعه على إعلان بعبدا وتراجع عنه”.

Exit mobile version