قال رئيس حكومة سابق إن كل سلاح خارج الدولة يخرج عن الاهداف السامية التي تبرر حمله واستخدامه سوف يسقط عاجلا أو آجلا. فالسلاح الفلسطيني في لبنان كان مبرر حمله حماية المخيمات من عدوان اسرائيلي محتمل وتحرير الاراضي الفلسطينية المحتلة انطلاقا من لبنان ومن غير لبنان. لكن هذا السلاح عندما ارتد الى الداخل اللبناني وبات طرفا في السياسة المحلية ولم يعد سلاحا مهمته مواجهة العدو الاسرائيلي وتحرير الارض بل تغليب فئة في لبنان على فئة ومحاولة الحلول مكان الدولة في مناطق انتشار هذا السلاح ليصبح في نهاية الامر دولة داخل الدولة، تصدى له اللبنانيون الآخرون بالسلاح فكانت حرب السنتين اللبنانية – الفلسطينية والتي تحولت في ما بعد حروبا للآخرين في لبنان، وهو قول لعميد “النهار” الراحل الكبير غسان تويني أخذ يستشهد به كثير من السياسيين.
وبعدما أخرجت الوصاية السورية على لبنان المسلحين الفلسطينيين فيه الى تونس، كان سلاح “المقاومة الاسلامية” بقيادة “حزب الله” وهدفه تحرير الاراضي اللبنانية في الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، وهو هدف سام جعل اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم يلتفون حوله ويتضامنون معه في تحقيق هذا الهدف وبات عندهم في منزلة سلاح الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي خصوصا بعدما نجحت هذه المقاومة عام 2000 في تحرير الجزء الاكبر من اراضي الجنوب التي تحتلها اسرائيل، وبعدما صمد سلاح المقاومة في التصدي لاسرائيل في حرب تموز 2006 ومنعها من تحقيق اهدافها واهمها القضاء على المقاومة.
لكن الخطأ الذي وقع فيه السلاح الفلسطيني في لبنان وقع فيه سلاح “حزب الله” عندما ارتد مثله الى الداخل ليصبح طرفا في السياسة المحلية ويغلّب فئة على اخرى ويقيم دولة داخل الدولة إن لم يكن بات هو الدولة وله وحده القرار في كل صغيرة وكبيرة. والخطأ الأول الذي ارتكبه سلاح “حزب الله” هو عندما رد على قرارات الحكومة في شأن نقل رئيس جهاز امن المطار ووقف العمل في شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب بالنزول الى الشارع وارهاب اللبنانيين في ما عرف بأحداث 7 ايار، في حين كان على الحزب أن ينتظر لمعرفة قدرة الحكومة على تنفيذ قراراتها هذه واضطرارها للرجوع عنها تحت الضغط السياسي وليس الامني كما فعل الحزب.
والخطأ الآخر وهو مميت هو قرار إرسال مسلحين من “حزب الله” الى سوريا ليقاتلوا مع جيش النظام ضد الجيش المناهض له في وقت ينقسم اللبنانيون انقساما حادا بين من هم مع النظام ومن هم ضده، وأخطر ما في هذا الانقسام انه يأخذ طابعا طائفيا قد يشعل فتنة في لبنان، وفي وقت وافقت هيئة الحوار بالاجماع في اجتماعها في القصر الجمهوري على تحييد لبنان عن صراعات المحاور وتداعياتها، وفي وقت اتخذت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي عرفت بحكومة “حزب الله” وحكومة اللون الواحد سياسة النأي بالنفس عما يجري في سوريا ترجمة لـ”اعلان بعبدا”.
لكن “حزب الله” آثر السير بأجندته الاقليمية على السير بأجندته اللبنانية فخالف “اعلان بعبدا” وخالف سياسة حكومة هي حكومته، مما اضطر رئيسها الى الاستقالة لأنه لم يعد قادرا على تحمل عواقب كل ذلك خصوصا في وسطه السني.
والسؤال المطروح هو: هل يعيد “حزب الله” النظر في ما فعل فأساء الى وظيفة سلاحه الاساسية الا وهي تحرير ما تبقى من الاراضي التي تحتلها اسرائيل وهي: مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وجزء من قرية الغجر قبل تحرير القصير وحمص وحلب في سوريا من شعب سوري ثائر على النظام؟ واي حرب يمكن ان يخوضها الحزب ضد اسرائيل وينتصر فيها عندما تكون غالبية اللبنانيين على خصومة معه وينشغل عن تحرير ارض لبنان بتحرير اراضي الآخرين… لقد بات على “حزب الله” ان يقرر ما هي وظيفة سلاحه ليكون إجماع أو شبه اجماع لبناني حوله. فإذا كانت وظيفته مواجهة خطر اسرائيل وتحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة فإن كل اللبنانيين يكونون معه شرط ان يستخدم هذا السلاح عندما تطلب الدولة اللبنانية ذلك، لا عندما يقرر الحزب وحده ذلك. اما اذا كانت وظيفة هذا السلاح سياسية في الداخل لتغليب طرف على آخر وتدخّل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، فإن هذا السلاح يصبح مرفوضا من غالبية اللبنانيين ويفقد عندئذ القدرة على مواجهة اسرائيل والانتصار عليها كما حصل عام 2000 وعام 2006 لأن اي مقاومة لا يحتضنها الداخل لن تربح معركة مع اي خارج. فعلى الحزب ان يسحب مقاتليه من سوريا وان يوافق على الاستراتيجية الدفاعية التي اقترحها الرئيس سليمان ليستعيد سلاحه قدسيته، اي ان يقوم بما يشبه الحركة التصحيحية.