#dfp #adsense

المسؤولية.. (بقلم علي نون)

حجم الخط

 

سهل جداً افتراض كيفية ردّ “حزب الله” على خطوة الاتحاد الأوروبي: سيمعن في تحميل خصومه اللبنانيين مسؤولية ما أصابه! وسيمعن أكثر في اعتبارهم أصل البلاء وبيت الداء ومطية الأعداء!والأمر كان كذلك وسيبقى. وغرائبه أوضح من شمس تموز ونجوم ليله. وفيه فرادة متأتية من جذور الطب النفسي، بحيث ان تحميل الآخرين مسؤولية الفشل الذاتي ظاهرة مَرضيَّة ومعروفة وتفصح عن أمور كثيرة أهمها: إمّا افتراض المعني أنّه فوق البشر والمساءلة ولا يخطئ وبالتالي فإنّ غيره هو المسؤول! وإمّا افتراضه (في العمق) انّه دون المستوى العام لمعدّل الذكاء السياسي البشري ويرفض تحمّل نتيجة أفعاله فيحيلها دائماً على الآخرين عندما تفشل ويتبنّاها عندما تنجح. وفي الحالتين مبالغة تضمر تلاشياً للثقة بالذات لا يليق بالأسوياء الباحثين عن تحقيق أمجاد على مستوى الأمم، وعن إنجازات إعجازية على مستوى تغيير خرائط الدول.سبق أن “فعلها” الحزب في أبرز محطات سيرته ومسيرته: في 12 تموز 2006 اتهم 14 آذار بـ”إعطاء الأوامر” إلى الجيش الإسرائيلي لضرب لبنان!. أو شيء من هذا القبيل. ولا تزال تلك الرواية قائمة رغم أنشودة “لو كنت أعلم” وسلسلة الخبريات المتناقضة التي سمعها الناس عن تلك الحرب واسبابها! وفي 7 أيار 2008 حمّل مسؤولية جريمته إلى غيره، رغم أنّ “غيره” ذاك كان سحب فتيل الذريعة قبل اشتعاله من المطار إلى الاتصالات.. في القصير أعلن أنّه ما كان ليتدخّل لولا أنّ الآخرين “التكفيريين”! سبقوه و”اضطروه” إلى الذهاب لملاقاتهم هناك قبل أن يلاقيهم هنا! في عبرا حمّل المسؤولية للشيخ الأسير ثم لأهل المدينة، و”تيّار المستقبل” خصوصاً، الذين لولاهم لما نزل مسلّحوه وسراياه إلى الميدان!. وفي أحدث نسخة (مع مفعول رجعي!) عن انقلاب “القمصان السود” جاء على لسان نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، أنّه لولا “انقلاب المستقبل” على تفاهم الـ”سين سين” لما لجأ الحزب حينها إلى الانقلاب على الرئيس سعد الحريري وحكومته!السلسلة طويلة وفيها أمثلة كثيرة وواضحة، لكن الخيط العريض الجامع بينها، هو اننا ازاء حزب يرفض الإقرار بمسؤوليته عن أخطائه ويرفض الإقرار أصلاً بأنّه يخطئ ويرتكب. كما يرفض تصديق انّ الآخرين يمكنهم أن يردّوا عليه وعلى خطواته وأن يتصرفوا تبعاً لمصالحهم العليا وأولوياتهم وسياساتهم.. وكان واضحاً بعد التدخّل في سوريا بالتقسيط وفي القصير بالجملة وفي ريف حمص وبعض أحياء دمشق بالاستنزاف، وبعد جملة الحوادث الأمنية التي سُجِّلت في أوروبا وخارجها وكان فيها رابطٌ ما بـ”حزب الله”.. كان واضحاً، أنّ الممانعة الأوروبية أمام الطلب الأميركي المتكرّر بإدراج الحزب في لائحة الإرهاب، قد بدأت تتلاشى وصولاً إلى الاندثار. وكان لا بد من القرار بعد طول انتظار!

.. أمّا قصّة تحميل اللبنانيين الآخرين، مسؤولية القرار الأوروبي فذلك أمر لا يختلف عن تحميلهم مسؤولية قرار إسرائيل بشن الحرب في العام 2006! ولا ما تلا ذلك من رزايا وبلايا.. علماً انّ المفارقة اللامعة هنا تقول إنّه إذا كانت 14 آذار على ذلك القدر من النفوذ والتأثير فالأحرى بـ”حزب الله” أن يتواضع في مواجهتها! لأنّها، استناداً إلى أدبيّاته، قادرة في ليلة ليلاء، أن تطلب شيئاً من مَدَدٍ غير مألوف يعيد لبنان مرّة واحدة وأخيرة إلى أهله وينزلهم جميعاً عن الشجرة التي علقتهم الحرب عليها، وجاء بعدها ذلك الحزب تحديداً، ليرعاها ويسهر على نموها وحراستها. غريب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل