Site icon Lebanese Forces Official Website

بين «تفاهم نيسان» والقرار الأوروبي

يستطيع “حزب الله” قول ما يريد من أنّ القرار الأوروبي بوضعه على لائحة الإرهاب لن يغيّر شيئاً في المعادلة، إلى دعوة الاتحاد لـ”بلّه وشرب ميته”، وما بينهما التهويل على “اليونيفل”، ولكن يكفي في الحقيقة مراجعة وضع الحزب بين اللحظة التي أنجز فيها الشهيد رفيق الحريري تفاهم نيسان في العام 1996 الذي ظلّله بشرعية دولية لمواصلة وظيفته القتالية والاحتفاظ بسلاحه، والوضع الذي وصل إليه اليوم معزولاً دولياً وعربياً.

ومن السهل اعتماد قاعدة “شو ما صار انتصار” من دون الأخذ في الحسبان وضعه في العام 1996 ومع الانسحاب الإسرائيلي في 2000، وفي 8 آذار 2005 و7 أيار 2008، ومع إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري في 2011 والدخول المعلن في الحرب السورية في العام 2013. فأيّ مراجعة لهذه المحطات تظهر بشكل واضح تدرّج الحزب بخطوات سريعة إلى الوراء، وكأنّ الحنين يشدّه إلى السنوات الأولى لانطلاقته التي كان فيها معزولاً على كلّ المستويات.

ومن البديهي وضع القرار الأوروبي في سياق “العدوان الإسرائيلي المتواصل على الحزب” تبريراً للسياسات التي أوصلته إلى هذا المأزق، وتهرّباً من أيّ مسؤولية أمام بيئته التي يفترض، بمنطق الحزب، أن تلتفّ حوله لمواجهة الهجمة العالمية عليه، ولكنّ واقع الحال أنّ هذه البيئة أصبحت غير مرغوبة وتثير “النقزة” لدى الأميركيين والأوروبيين والعرب، وهذا كلّه بفعل الخيارات التي اعتمدها والدور الذي انتهجه.

فالوضع الذي وصل إليه ليس بطبيعة الحال نتيجة مؤامرة كونية، كما يحلو له تصوير الأمور، إنّما نتيجة سلوكه ودوره، حيث إنّ السيّد حسن نصرالله كشف بنفسه دور الحزب في البوسنة والهرسك، كما أنّ الهدف من شبكاته الممتدة في أوروبا وغيرها توجيه ضربات أمنية بعيدة عن تواجده الميداني، تلافياً لردّ فعل إسرائيلي مباشر، فضلاً عن أنّ العدائية العربية حياله سببها أيضاً الشبكات التي تمّ اكتشافها وتراكم ممارساته العنفية في لبنان وسوريا.

ويخطئ من يعتبر أنّ القرار الأوروبي يدخل في حسابات لبنانية-لبنانية أو نتيجة قتال “حزب الله” في سوريا، إذ كان الأحرى بالاتحاد تزويد المعارضة بالسلاح النوعي بدلاً من معاقبة الحزب على مشاركته في هذه الحرب، أو تطبيق القرار 1701 فعلياً جنوبي الليطاني عوضَ أن يتحوّل هذا القرار إلى غطاء للحزب في هذه المنطقة ويصبح أكثر المستفيدين منه، وكلّ الكلام عن استهداف “اليونيفل” هو للاستهلاك الإعلامي والتهويل الفارغ، لأنّ “حزب الله” يدرك جيّداً أنّ أيّ استهداف محتمل سيدفع هذه القوات إلى مغادرة لبنان ووضعه في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، هذه المواجهة التي لم تكن لمصلحته في العام 2006 فكيف بالحري اليوم في ظلّ انغماسه في الوحول السورية وعدائيته المفرطة مع اللبنانيين والسوريين والعرب والغربيين؟ وما لا يمكن التقليل منه في القرار 1701 أنّ “حزب الله” أصبح اليوم بين قوّتين إسرائيلية وأوروبية تصنّفانه إرهابياً، إذ إنّ خطورة هذا التطوّر تكمن بأنّ أيّ مواجهة مستقبلية بين “حزب الله” وإسرائيل باتت لمصلحة الأخيرة لاصطدامها مع قوّة مصنّفة إرهابية.

ولقد جاء القرار الأوروبي أوّلاً وأخيراً نتيجة حسابات أوروبية عائدة إلى الخشية من تمدّد شبكات “حزب الله” وتغلغلها في النسيج الأوروبي، فكان لا بدّ من خطوة من هذا النوع لوضع حدّ للاختراق المتمادي للأمن القومي لأوروبا، فضلاً عن أنّ بلغاريا وقبرص وغيرهما ليست من طينة الدول المهيمَن عليها سوريّاً وإيرانيّاً لتعمد إلى تركيب ملفّات قضائية-سياسية، إنّما الاتهامات التي وجّهتها هي اتهامات موثّقة ومثبتة، ولا بل استنفدت أكثر من الوقت المطلوب للإعلان عن النتيجة التي توصّلت إليها، وما ينطبق على هذا المسار ينسحب على مسار المحكمة الدولية التي مهما قيل عنها لا تتأثر بأيّ مناخات سياسية.

وأمّا لجهة التمييز بين الشقّين العسكري والسياسي، فالقاصي والداني يعلمان أنّ الحزب وحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها، وحتى الحزب نفسه يرفض هذا الفصل، إنّما هذا التمييز جاء لاعتبارات محض لبنانية، لأنّ وضع “حزب الله” على لائحة الإرهاب، لا بدعة جناحه العسكري حصراً، يجعل ليس فقط تشكيل الحكومة مستحيلاً، إذا تبيّن وجود ولو مشاركة غير مباشرة للحزب تعرّض لبنان لعقوبات اقتصادية، بل يصبح اجتماع اللجان النيابية أمراً متعذّراً، وبالتالي المقصود من القرار الفصل بين نشاط الحزب في أوروبا التي قرّرت محاربته ومواجهته، وبين دوره في لبنان الذي غضّ الاتحاد النظر عنه تاركاً للبنانيين اتّخاذ القرار الذي يرونه مناسباً، وذلك ترييحاً للّعبة الداخلية.

فالدول الأوروبية تقصّدت التمييز بين العسكري والسياسي لسببين: الأوّل، أنّ الاتحاد الذي دعا إلى جانب الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي لتحييد لبنان عن الأزمة السورية تجنّباً لتوسّعها إلى حرب إقليمية، وأبلغ اللبنانيين أنّ الأولوية هي للملفّ السوري، وأنّ من مصلحتهم اجتياز المرحلة الانتقالية بأقلّ الأضرار الممكنة، لن يُصدر قراراً من مؤدّياته إقصاء “حزب الله” عن الحياة الوطنية، ويساهم بارتفاع منسوب الاحتقان، ويدفع إلى الانزلاق نحو الحرب الأهلية.

والثاني، طالما إنّ أوان حلّ الأزمة اللبنانية لم يحِن بعد لارتباطها بحلّ المنطقة، يفضّل الاتحاد إبقاء الملف اللبناني معلقاً ومجمّداً بانتظار الحلّ الشامل. ولذلك، جاء القرار ليوفّق بين الحاجة الأوروبية الذاتية لمواجهة تمدّد “حزب الله”، وحاجة لبنان لتقطيع المرحلة واجتيازها، من دون التقليل من واقع أنّ ما قبل القرار ليس كما بعده، والأسابيع والأشهر المقبلة ستثبت ذلك…

Exit mobile version