#adsense

الكلّ يعرف أن حسن نصر الله ليس جيري أدامز

حجم الخط

 

ليست هذه المرّة الأولى التي يُدرَج فيها تنظيمٌ على لائحة إرهاب غربية، لكنّها المرّة الأولى التي يتمّ فيها ذلك فيما التنظيم الموصوف منهمك في اقتباس المفهوم الغربي لـ”مكافحة الإرهاب”، في معرض تبريره تدخّله العسكريّ في سوريا ضد “التكفيريين” و”تنظيم القاعدة”.

حتى عتاة المحافظين الجدد لم يسبق لهم أن توسّعوا بمفهوم الإرهاب بهذا الشكل الفاقع والشموليّ، على غرار ما انحدر اليه “حزب الله” والممانعون الآخرون في مواجهة الإرادة التحرّرية للشعب السوري، وأكثريته السنّية بالتحديد، من هذا النظام الفئوي الدمويّ. لا بل إنّ الحزب المذكور لم يكتفِ بتلبّس الزيّ التنكريّ لـ”مكافحة الإرهاب”، بل استعار “الاسلاموفوبيا” الغربية نفسها، من بعد تدويرها مذهبياً، وصار عنده الصراع في سوريا ضد “التكفيريين”، وأكثر من ذلك حلّت روح الكونكيستادور الإسباني هرنان كورتيز في شخص السيد حسن نصر الله وسواه من قادة الحزب الخميني، وهم يحرّضون على “أكلة لحوم البشر” و”ملتهمي القلوب”، في واحدة من الاستعادات الأهلية المخجلة للدعاية الكولونيالية.. للرجل الأبيض!

ومع ذلك، فإن الحزب محقّ تماماً، في معرض ردّه على القرار الأوروبي بالتصنيف الإرهابيّ لـ”ذراعه العسكرية”: ثمة بالفعل “حيثية إسرائيلية” للقرار. فبخلاف المواقف الخليجية مثلاً، التي تصدر ضد الحزب على خلفية مشاركته في الحرب السورية، فإن القرار الأوروبي، الذي سعت اليه بريطانيا بشكل حيوي، يتخذ بعد عام بالتمام من تفجير باص يقل إسرائيليين في مطار بورغاس البلغاري، وإذا ما أضفنا انكشاف تخطيط هذه “الذراع العسكرية” لعملية شبيهة في قبرص، تصبح المسألة متعلّقة أساساً بكيفية نظرة الحزب الى السيادة الوطنية للدول الأوروبية. فهل بمقدور الحزب الاستعاضة عن كل الرد الإنشائي، للقول بشكل واضح إنه يحترم سيادة كل الدول الأوروبية، وينفي بشكل لا لبس فيه أنه يخترق السيادات الوطنية لتنفيذ أعمال عسكرية؟ أم أنه سيبقى كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل يتلطى بمقولة إن التحقيقات القضائية لم تثبت ضلوعه في تفجير بورغاس؟
فإذا كان الحزب يستبيح السيادة اللبنانية بحجة غياب “الدولة القوية القادرة” في لبنان، فهل يعتبر أن من حقه استباحة السيادة البلغارية أو القبرصية بالحجة نفسها، أم عليه أن يعلن تبنّيه بشكل واضح لفكرة احترام السيادات الوطنية؟

والقرار، إذا كانت “الحيثية الإسرائيلية” أساسية فيه، إلا أنه ينبغي ألا نغفل أن “الذراع العسكرية” للحزب باتت الآن على لائحة واحدة مع تنظيمات من بينها حركة “كاهانا حي” الإسرائيلية اليمينية المتطرّفة، هذا غير التنظيمات الجهادية التي دخل معها الحزب في صراع مذهبي مسلّح يتفرّد بخوضه هو من موقع “مكافحة الإرهاب”!

أما حصر التصنيف بـ”الذراع العسكرية” وحدها، فلا يصدر عن سذاجة أوروبية كما يتوهّم كثيرون. الجميع يعرف أنه ليس للحزب “جناح آخر”. ثمة ما يكفي من أبحاث ودراسات عن الحزب كي لا يقع أحد في باب التفريق بين “جناحين” فيه، والتصنيف الإرهابي للذراع له بالدرجة الأولى دلالة تقنية: من يشخص تطاول “اليد الإرهابية” على السيادات الوطنية الأوروبية يدرك جيداً أن هذه اليد لا تضرب من تلقائها، لكنه معني أساساً بكفّ هذه اليد عن التمدّد اليه. ليس في الأمر إذاً أي وهم بأن الحزب يتبع استراتيجية “الطريق المزدوج” على طريقة “الجيش الجمهوري الايرلندي” وجناحه السياسي، “الشين فين”. الكل يعرف أن حسن نصر الله ليس جيري ادامز. لكن هناك أيضاً إدراكاً لأنّ حركات مثل “حزب العمال الكردستاني” و”حزب الله” تختلف نوعياً، حتى في إرهابها، عن تنظيم “القاعدة”، وهي تستند الى حيثيات اثنية شعبية، فالحزب هو بشكل من الأشكال “الجناح العسكري للطائفة الشيعية” في لبنان، وتتفرّع عنه جمعيات اجتماعية وخيرية وتربوية، وله كشّافة، وله فوق ذلك كتلة برلمانية.

والأوروبيون يدركون أكثر من سواهم أن “حزب الله” ليس حزباً تتعدّد فيه المنابر الداخلية والتيارات، بل إنه لا يعكس حتى تعددية الطيف الإيراني النظامي نفسه، بقدر ما يعكس الارتباط التبعي بالحرس الثوري الإيراني. لكن هنا أيضاً، لا شيء في الدنيا يسير بين البشر على قاعدة التحكم عن بعد بجهاز “الروموت كونترول”. بمعنى آخر، لا يمكن مقاربة “حزب الله” بشكل جديّ، إذا ما نحينا جميع محدّدات علم الاجتماع السياسي، واكتفينا بتفسير كل شيء بتبعيته المطلقة لإيران. فالسؤال الأساسي هو كيف تكون هكذا تبعية مطلقة ممكنة، ومقبولة أهلياً في دائرتها من دون مشاكل، وما هي حدودها، الظاهرة منها والمخفية. فالحق أنّ بعض التصوير المبالغ به للتبعية المطلقة للحزب هو من باب زيادة الطابع المسحور لهذا الحزب، بدلاً من “فك طلاسم هذا السحر” بما فيه الانتباه الى أننا في أول الأمر ونهايته، مجموعة أقوام عليها أن تعرف كيف تعيش جنب بعضها البعض من دون أن يلبس كل واحد منها قناع “الرجل الأبيض” لمحاربة القوم الآخر، على ما تداولته كل هذه الأقوام في العقود الأخيرة في لبنان، لكنه اتخذ أبعاداً أكثر خطورة مع “حزب الله”، حزب استجماع طرفي “المجد”: الإرهاب الدولي المتنطط من قارة الى قارة، و”مكافحة الإرهاب” ضد “أكلة لحوم البشر” في سوريا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل