وأقل ما يُقال في تحديد “الجناح العسكري” حصراً وفي مراجعة البنود كل ستة أشهر أنها تعني رغبة أوروبية في إعطاء الحزب فرصة لإعادة النظر في مواقفه حفاظاً على استقرار لبنان وللحؤول دون وقوعه في عزلة شاملة. صحيح أن “حزب الله” مدرج منذ سنوات على اللوائح الأميركية للمنظمات الإرهابية بما أبقى القطاع المصرفي تحت رقابة دولية، لكنه انتقل أخيراً الى شبه عزلة عربية مع وصف دول “مجلس التعاون الخليجي” له بالإرهاب ومنعها مواطنيها من ارتياد لبنان بما قضى على سياحة كانت تشكل ركيزة لاقتصاده. وها هم اللبنانيون حالياً في مواجهة تدابير أوروبية، لن تقتصر عملياً على أفراد “الجناح العسكري”، بل ستطالهم جميعهم في تحركاتهم وانتقال أموالهم على الأقل.
ولمجرد التذكير، فقد تعرّض لبنان في ثمانينات القرن الماضي لعزلة دولية عانى منها سنوات طويلة رغم أن مصدرها كان مجرد تنظيم محلي سري صغير موالً لإيران حصر عملياته بالأراضي اللبنانية من هجمات ضد مصالح اميركية وفرنسية واختطاف رهائن أجانب. ويتساءل سياسي لبناني مخضرم عما ستكون عليه الحال راهناً والمصدر حزب يتمتع بثقل شعبي وبتمثيل نيابي ووزاري وبجناح عمليات خارجية يستهدف مصالح إسرائيلية أو أميركية أو أوروبية ويقيم له شبكات في دول عربية الى جانب انخراطه في سوريا الذي شكل “الشعرة التي قصمت ظهر البعير”.
ويرى أن دولاً أوروبية، خصوصاً المشاركة في قوات “اليونيفيل” مثل فرنسا وايطاليا وإسبانيا، طالما سعت وأرجأت تجرّع هذه الكأس. لكن تفلّت “حزب الله” من كل الضوابط في عمله الخارجي وفرضه الشلل المحلي حفزها على إقراره. ولا يخشى المصدر على قوات “اليونيفيل”، فـ”حزب الله” هو المستفيد حالياً من القرار 1701 الذي يغطي تجنبه أي صراع مع إسرائيل حتى ينصرف الى وضع يده على الدولة والى مساعدة إيران في مشروعها الإقليمي.
ويرى المصدر أن توقيت القرار الأوروبي يندرج في إطار “ملامح شيء ما يرسم للمنطقة” بين الولايات المتحدة والعرب المؤثرين وفي مقدمهم السعودية ومصر، خلافاً لما يُشاع عن رغبة أميركية بالتخلي عن منطقة فيها مصالح استراتيجية ليس أقلّها النفط وأمن إسرائيل، معتبراً أن الولايات المتحدة تتلطى خلف الموقف الروسي لتبرر التلكؤ في نصرة الثورة السورية. أما إيران فتسعى للمشاركة ولو بحصة ضئيلة بعد خسارتها لحليفها الأبرز الأسد ولحركة “حماس” واكتفائها حالياً بالسلطة العراقية التي تواجه وضعاً متفجراً، أو بـ”حزب الله” المأزوم محلياً والآن خارجياً. فلا معنى لفرض وزير الخارجية الأميركي جون كيري استئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية الآن بعد عجز سنوات، إلا إذا اندرج ذلك في إطار شامل من ملامحه سقوط الرهان الأميركي الغربي على جعل “الإخوان المسلمين” عصب الحكم في المنطقة، وانسحاب قطر من واجهة القيادة العربية، وتقلص نفوذ تركيا مع ما يواجهه رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان محلياً وعلى حدوده، إضافة الى وصول إصلاحي الى سدة الرئاسة الإيرانية.
ورغم تفهم دوافع “الاتحاد الأوروبي” فقد أجمعت الأطراف المحلية، رسمية، معارضة أو موالية للحزب على استنكار القرار علّ ذلك يفيد في الحد من تداعياته المحلية والخارجية، خصوصاً بعد الفشل الرسمي في إقناع “حزب الله” بالانسحاب من سوريا أو بإقناع “الاتحاد الأوروبي” بوقف القرار.
وحالياً يبدو “حزب الله” في عزلة عربية ودولية بعد أن نجح الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 1996 بإنجاز “تفاهم نيسان” الذي شرع مواصلته قتال إسرائيل والاحتفاظ بسلاحه. رغم ذلك فهو يبدو غير مستعد لأي تراجع إن في سوريا أو بشأن وضع سلاحه تحت كنف الشرعية بما يسهل قيام حكومة بات يستحيل أن تكون من الحزبيين. وقد بات التوصل الى هكذا حكومة أصعب بعد القرار الأوروبي. فقبله رفض الحزب هذا النوع من الحكومات وبالتأكيد سيكون أكثر تمسكاً بمطلبه لحاجته الماسة الى حكومة تضفي شرعية على دوره الإقليمي وتغطي تدخله العسكري في سوريا وسلاحه، بما يضع لبنان في مواجهة الشرعية الدولية.
ويوازي المصدر بين استخفاف “حزب الله” ومؤيديه بالقرار الأوروبي واستخفافهم بصدور القرار الدولي 1559 (2004) الذي التفّ لبنان على دعوته لنزع السلاح غير الشرعي بأن صنفه شأناً داخلياً، ويوضح “أتى القرار الأوروبي ليقول إن وجود تنظيمات محليّة مسلحة تقوم بعمليات خارج أراضيها لا يُعدّ شأناً داخلياً”.
ربى كبّارة