لم يجد القرار الأوروبي أي حاضنة لبنانية وازنة “تدّعي” أبوّته على غرار القرار 1559 أو تعلن جهاراً تأييدها له إلى حد دعوة الاتحاد الأوروبي إلى ضمّ الجناح السياسي إلى العسكري بعد 6 أشهر على المراجعة التي سيجريها لهذا القرار. فردود الفعل كانت خجولة، أو بالأحرى تلطت بالقرار للمزايدة على “حزب الله” بحرصها عليه كمكوّن لبناني وحزنها على أدائه وسلوكه، فيما أقصى ما خرجت به كان التذكير بلائحة مطالبها من الحزب من الانسحاب من سوريا إلى تسليم سلاحه، وعلى رغم ذلك لم يوفرها من انتقاداته وهجومه واتهامها بمحاولة توظيف هذا التطور سياسياً.
وقد يكون من المفيد في كل محطة ومناسبة إعادة التذكير بالأسباب الفعلية للأزمة اللبنانية، ولكن هذه اللازمة أصبحت نوعاً من تحصيل حاصل لدى “حزب الله” الذي كانت أولويته مع صدور القرار إظهار غياب أي التفاف لبناني حوله. فالتحدي الأساسي هو الاعتراف بالقرار وتأييده، وليس تحميل الحزب مسؤولية صدور القرار، هذه المسؤولية التي يتبرّأ منها أساساً من منطلق نظرية المؤامرة الكونية عليه.
ولا شك أنّ الحزب نجح نسبياً في التدليل الى أنّ اللبنانيين بمجملهم لا يؤيّدون التوصيف الأوروبي باعتباره إرهابياً، وأنّ اختلافهم معه على ملفات عدة لم يصل إلى الحد الذي ذهبت إليه أوروبا، ما يعني أنّ هذا القرار يقف عند الحدود اللبنانية ولا يتجاوزها طالما لا يوجد فريق وازن قرّر تبنّيه والتعامل مع الحزب على أساس التوصيف الجديد.
ولو كان الأمر معكوساً لما تأخر “حزب الله” في تبنّي أي قرار بحق 14 آذار، ولا بل هو لم يتأخر في استخدام كل الوسائل والأساليب لضرب ما تحقق منذ انتفاضة الاستقلال وصولاً إلى الهيمنة على القرار الوطني. فالحزب على استعداد لتوظيف أي شيء يخدم مشروعه، ولا يكترث للمواقف التي ترفض قطع كل الجسور معه، كونه ينطلق من قاعدة كل من ليس معي بالمطلق هو ضدي، ولذلك أنصاف الحلول معه غير مفيدة، والدليل أنه لولا جهود الرئيس فؤاد السنيورة في حرب تموز 2006 لما توقفت تلك الحرب، وعلى رغم اعتباره في خضمها بأنه رئيس المقاومة السياسية تم تخوينه فوراً بعدها.
كما أنّ الشق المتعلّق بنزع سلاح كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية في القرار 1559 فقدَ قيمته منذ لحظة دعوة المجتمع الدولي إلى غضّ النظر عن هذا البند لمعالجته لبنانياً. والقرار الأوروبي فقدَ أو يكاد يفقد قيمته في حال عدم تبنّيه وتوظيفه سياسياً، فضلاً عن أنّ الاتحاد قدّم ورقة ثمينة لقوى 14 آذار التي لطالما أعلنت تأييدها للشرعيتين العربية والدولية وكل ما يصدر عنهما، فإذا بها حائرة من أمرها “تؤيّد القرار في النفوس وترفضه في النصوص”. وفي بديهيات منطق المواجهة من واجب أي فريق استخدام أي عنصر يتيح له تسجيل نقطة في مرمى الخصم، وأما خلاف ذلك فيكون الخصم هو المستفيد من تلكؤ خصمه.
وانطلاقاً ممّا تقدّم يفرض السؤال التالي نفسه: هل عدم تبنّي قوى 14 آذار الواضح والعلني للقرار الأوروبي يعبّر عن حكمة أم خوف؟ وفي الجواب، من الواضح أنّ ثمّة شيئاً من الاثنين معاً. فالحكمة تتجسّد بعدم نقل المواجهة الأميركية-الأوروبية-العربية-السورية إلى الداخل اللبناني، وبالتالي ترك “حزب الله” يتخبّط بمشاكله التي أصبحت أكبر من قدرته على تحمّلها ومواجهتها، وبالتالي من الحكمة التوفيق بين حدّين: عدم استفزازه تجنّباً لرد فعل في غير محله يضرّ ولا يفيد، وعدم التنازل سياسياً من قبيل منحه حكومة بشروطه توفر له الغطاء الذي يبحث عنه.
وأمّا لجهة الخوف فيجب الإقرار بأنّ “حزب الله” نجح بشكل أو بآخر بتدجين اللبنانيين وجعلهم يعدّون للعشرة قبل الإقدام على أي خطوة تستفزّه، كما جعلهم يتكئون أكثر على الخارج لاستعادة سيادتهم.
