كلمة د. ايلي الهندي استاذ محاضر في العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم الساسية في جامعة “سيدة اللويزة” خلال ندوة جهاز “الشهداء والمصابين والأسرى” في القوّات بشأن المعتقلين في سوريا وتكريم للمحررين:
حضرة الدكتور سمير جعحع راعي هذا الإحتفال
السيدات والسادة
شرفني منظموا هذا اللقاء بمسؤولية الإضاءة على البعد الحقوقي والتقني لموضوع المعتقلين والمححرين من منظار حقوق الإنسان،
في البداية ينبغي علينا التمييز بين عدة تعابير تعاريف لعدة أشخاص معنيين بهذا الموضوع حتى يتسنى لنا مقاربة حقوق كل منهم
أولاً برغم من أهمية موضوع اللبنانيين والأجانب الذين فقدوا خلال الحرب اللبنانية على الأراضي اللبنانية البالغ عددهم بحسب التقديرات 17500 شخص والمعرف عنهم في القانون الدولي ب “المفقودين” فانهم موضوع مختلف كلياً عن موضوعنا اليوم. يعالج موضوع المفقودين من خلال لجان مصالحة ومصارحة – لجان تقصي حقائق – وعدالة انتقالية كان من المفترض أن تحصل إثر وقف القتال في لبنان أي منذ 23 عاماً ولكن للأسف لم يحصل أي من هذا.
أما الخلط بين موضوع “الفقودين” المعقد وصعب الحل وغير الطارئ مع موضوع “المعتقلين” امر يبتغى منه تضيّع الحق وتمييع المسؤولية. هنا من الضروري إيضاح التعبير الحقوقي المعتمد وهو “المخفيين قصراً” فالمعتقل هو من ارتكب جرماً، ومن أوقف في مكان محدد، مع سجلات رسمية وكشوفات طبية وفي معظم الأحيان محاكمة ما وحكم ما. أما المخفي قصراً هو من لم يوقف رسمياً ولم يسجل في السجلات الرسمية ومن لا يعرف مكان وجوده ومن قد يكون لم يخضع لأي نوع من المحاكمة أو خضع لمحاكمات عرفية لا تضمن حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
وبينما نتمنى أن يكونوا كل المفقودين معتقلين في مكان ما سيجري تحريرهم ولكن الواقع هو أن الأعداد التي أحصتها منظمات حقوق الإنسان تتراوح حول 2000 الى 2500 مخفي قصراً منهم فقط حوالي 700 حالة موثّقة وتضم بعض الخيوط أو الإثبات.
في القانون الدولي تعبير آخر قد يكون مفيداً هو “معتقلي الحرب” الذين يخضعون لقانون الحرب / معاهدات جنيف / القانون الدولي الإنساني ولهؤلاء حقوق محددة بالتفصيل وهي ملزمة لكل دول العالم وحتى لكل الأفرقاء المتقاتلين حتى ولو لم يكونوا دولاً.
تعبير أخير أود توضيح تعريفه هو “ضحايا الإخفاء القسري” وبحسب الإتفاقية الدولية لحماية جميع الأفراد من الإخفاء القصري، يظهر واضحاً ودون أي لبس أن عائلة المخفي وكل شخص متضرر بشكل من مباشر من جراء الإختقاء هو “ضحية” وتنطيق عليه الحقوق المنصوص عنها.
أما في الحقوق فبنيغي بالتالي التمييز بين حقوق المخفيين، حقوق المعتقلين، حقوق المحررين بعد خروجهم وحقوق عائلات المخفيين.
حقوق المعتقل هي مضومنة ضمن القوانين المحلية والدولية وتشمل مروحة واسعة بدأ بالمحاكمة العادلة وكل ما تتضمنه وصولاً الى حق مراسلة الأهل وغيرها، كما أن معتقلي الحرب يفترض أن يتم تبادله مع نهاية المعارك وهذا ما لم يحص طبعاً.
حقوق ضحايا الإخفاء القصري (وهذا يشمل كما ذكرنا المخفي نفسه كما أفراد عائلته) ينقسم إلى مرحلة الإخفاء ومرحلة بعد الخروج.
أثناء الإخفاء نتكلم طبعاً وأولاً حق المعرفة: للأهل الذي يعتبر غيابه انتهاكاً للحق بالحياة والأمان فمن غاب أحد أهله تنقلب كل حياته ويعيش قلق وعدم اطمئنان لا يمكن وصفه. كما حق المعرفة للضحية بمكان وجوده بالتهم الموجهة إليه وبغيره من المعلومات التي تؤهله للدفاع عن نفسه وإحقاق العدالة.
بعد التحرر أو الخروج تشتمل الحقوق: حق الضحايا في العدالة والتعويض أو الإجبار. الجبر المشار إليه يشمل الأضرار المادية والمعنوية، وعند الاقتضاء، طرائق أخرى للجبر من قبيل: رد الحقوق؛ إعادة التأهيل؛ الترضية، بما في ذلك رد الاعتبار لكرامة الشخص وسمعته؛ و ضمانات بعدم التكرار. وهذه الحقوق نفسها تنطبق على كافة أفراد العائلة بوصفهم “ضحايا”.
في حالة وفاة الأشخاص المختفين، يتوجب إخراج جثثهم وتحديد هويتهم وإعادة رفاﺗﻬم لعائلاتهم.
أم المسؤولية الأولى والأخيرة في تأمين هذه الحقوق تقع طبعاً على الدولة اللبنانية بالإضافة الى مسؤولية الأطراف المتقاتلين وأي شخص قد تكون لديه معلومات حول أحد المخفيين. ومسؤولية الدولة تشمل الحماية من الإخفاء القسري وهذا ما لم يتحقق حتى بعد إعادة بناء الدولة المفترض، ومعالجة الموضوع إذا ما حصل بحسب الموجبات السابق ذكرها، كما تشمل كل موضوع الجبر الذي يفترض تتطبيقه على كل المحررين بالتساوي بغض النظر عن جهة اعتقالهم وموقفهم السياسي.
للأسف فإن كل الهيئات الوطنية التي شكلت لم تصل لإية نتيجة ملموسة لعدم الجدية وعدم المقاربة التقنية بل السياسية أو لعدم التعاون من الجانب السوري. إذ اقتصر عملها هلى إحصاء الحالات ودراستها وتقديمها للجانب السوري للتفاوض. بينما الدور المطلوب من هكذا هيئة أكبر بكثير وموجه بالإتجاه الصحيح وليس بالإتجاه المعروف النتيجة. فإذا كانت نتيجة المفاوضات مع الجانب السوري معروفة فلماذا لم نقارب موضوع المحررين وإعادة تأهيلهم والتعويض عليهم، لماذا لا نفعّل بنك الحمض النووي DNA لإستعماله لاحقاً، لماذا لا نفعل موضوع البحث عن الحقائق بالتعاون مع مختلف الأفرقاء المتقالين والذي يمكن أن يعطوا معلومات قيمة حول المخفيين والمفقودين. وتشجيع أي شخص لديه معلومات على التليغ واعطاء المعلومات بسرية.
من جهة أخرى أود أن أختم بمقاربة القانون الدولي والوسائل المتاحة للدولة اللبنانية في هذا الموضوع إذا ما أرادت.
– الاتفاقية الدولية لحماية جميع الاشخاص من الاختفاء القسري. التي تشمل تعريف الإخفاء القسري، وموجبات الدول الأعضاء من حيث تجريم الإخفاء القصري، والحماية منه، ومعالجته، والجبر. وقعت حكومة الرئيس السنيورة 2007 ولكن الظروف السياسية واعتبار البعض لهذه الحكومة غير شرعية وبالتالي لم يجري المصادقة عليها في مجلس النواب وبالتالي لم تتدخل النفاذ بعد. يجب الضغط بهذا الإتجاه في مجلس النواب كي تتمكن الدولة من الإفادة من هذه الأداة.
كما تتيح الإتفاقية اللجوء الى محكمة العدل الدولية، عند نشوء أي خلاف فيما يتعلق بتفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها لا تتحقق تسويته عن طريق التفاوض أو التحكيم.
– من جهة أخرى هنالك مجموعة العمل من أجل الحد من الإخفاء القسري والمرتبطة بمجلس حقوق الإنسان. يمكن للبنان أن يتعاون معها والإفادة من خبراتها التقنية وحتى من تمويل معين قد يكون متوفر. وهنا يجدر الإشارة الى أن بعض هيئات المجتمع المدني تتواصل مع مجموعة العمل وتقدم ملفات لحالات معينة أمامها. ولكن فعالية هذه المجموعة محدودة بسب العدد الهائل من الملفات المقدمة (16000 من العراق و11000 من سري لنكا)
– ثالثاً المحكمة الجنائية الدولية، إذ تشكل ممارسة الاختفاء القسري العامة أو المنهجية، جريمة ضد الإنسانية كما تم تعريفها في القانون الدولي المطبق وتستتبع العواقب المنصوص عليها في ذلك القانون. وبالتالي فإن لبنان يمكنه اللجوء الى محكمة الجنايات الدولية إذا ما إنضم إليها وأبرم معاهدتها. وهذا أيضاً مجال للدفع باتجاهه في مجلس النواب والحكومة. على أمل أن تكون المحكمة في القريب العاجل قادرة على العمل في سوريا والتحقيق في الجرائم المرتكبة.
– ختاماً إذا كانت الأدوات الثلاثة المذكورة لكل منها نقاط ضعف وصعوبات معينة قد تحد أو تؤخر من امكانية اللجوء إليها فيمكن للبنان (كما فعلت العديد من الدول) ربط موضوع الإخفاء القصري بعدد من المعاهدات والمواثيق والأدوات الأخرى التي تعالج موضوع التعذيب والإعتقال التعسفي وجرائم الحرب وغيرها
أختم هنا لديق الوقت وأتمنى أن تكون هذه المداخلة قد أضاءت على جوانب معينة للموضوع المطروح يمكن الإفادة منها في معالجة المأساة الإنسانية وإحقاق بعض الحق في دولة نريدها دول حق وعدالة. وشكراً