للتذكير فقط: في المراحل الأولى لثورة الأرز، جال السيد وليد جنبلاط على بعض عواصم القرار لإقناعها بضرورة تسلم اللبنانيين أنفسهم معالجة الشق في القرار1559 القاضي بضرورة تسليم الميليشيات سلاحها للدولة، والمطابق لما نص أيضا» عليه إتفاق الطائف. فتلقف حزب الله هذا العرض الجنبلاطي السخي وحوّل النقاش من نقاش حول كيفية وبرمجة تسليم سلاحه إلى الدولة، إسوة بباقي السلاح غير الشرعي، إلى نقاش حول إستراتيجية دفاعية (بوجه العدو الواحد الأوحد: العدو الإسرائيلي) تبقي على سلاح «مقاومته الإسلامية».
ولا بد من التذكير أيضا» أن الحكم الأسدي كان قد وهبه «شرف» الوكالة الحصرية للمقاومة في مرحلة وصايته السيئة الذكر على لبنان، وذلك تنفيذا» لإلتزماته بالتحالف الإستراتيجي مع إيران، ومعاكسا» بذلك إتفاق الطائف ومتلطيا» وراء المقولة-الحيلة القائمة على التمييز بين سلاح الميليشيات وسلاح المقاومة.
وهكذا، أضحى عنوان الإستراتيجية الدفاعية مرادفا»، بذهن حزب الله، للإبقاء على سلاحه. فأدخل لبنان في دهليز سلسلة جلسات حوار غير بناء الذي طرح خلاله حزب الله إستراتيجيته الواضحة، والتي «لم تشأ 14 آذار مناقشتها جديا»» على حد قول السيد نصرالله في خطابه نهار الجمعة الفائت.
فطرح حزب الله واضح وبسيط! بالمختصر المفيد، إن الإستراتيجية الدفاعية بنظره، تختصر بـ «الثالوث المقدس: شعب، جيش ومقاومة». وقد سمح له ميزان القوى المختل لصالحه بحكم إمتلاك السلاح، من فرض هذا الثالوث في بيانات الحكومات المتعاقبة بهدف ما يعتقد أنه تشريعا» لسلاحه، مناقضا» بذلك إتفاق الطائف والدستور وأبسط الأسس التي تقوم عليها الدول، ألا وهي «حصرية السلاح وإستخدامه في يد الدولة».
ماذا يعني هذا الثالوث؟ ببساطة، أن حزب الله بقوة السلاح، فرض نفسه على غالبية الشعب وأخضع الدولة والجيش الذي يشكل عمودها الفقري في بسط سلطتها، لمشيئته، بهدف السير من خلال «حرب شعبية طويلة الأمد مع العدو الصهيوني»، على طريق تحقيق مشروعه الإسلامي الأممي الخاص به، القائم على ولاية الفقيه.
وفي سنة 2006، عند بدء «الحوار»، كتبت مقالا» بعنوان «إستراتيجية دفاع أو إستراتيجية شاملة للأمن القومي؟». ومما جاء فيه:
«إخترت هذا العنوان لأن استراتيجية الدفاع باتت تعني بذهن العامة كيفية مواجهة إسرائيل حصرا»، في حين أن الأخطار التي تتهدد لبنان في أمنه واستقراره متعددة متنوعة متداخلة التأثير، والخطر الإسرائيلي واحد منها، وإن كان من أهمها.
ثمة صراع دولي إقليمي يدور في منطقة الشرق الأوسط الكبير حيث تتركز فيها أهم التناقضات التي تهدد السلم والإستقرار والأمن في العالم : التناقض العربي-الإسرائيلي والإسلامي-الإسرائيلي (بكل تلاوينه)، التناقضات الدولية-الإقليمية حول السيطرة على منابع الطاقة (تحتوي المنطقة على حوالى 70 % من مخزون النفط والغاز في العالم)، التناقضات بين الحركات الإسلامية المتشددة على إختلاف مشاربها مع الغرب المسيحي خاصة والعالم غير المسلم عامة، التناقض السني-الشيعي بين دول المنطقة وداخلها، التناقضات الناتجة عن الملف النووي الإيراني وتلك التي قد تنتج عن عدم إستقرار باكستان النووية، التناقض العربي-الفارسي، التناقض بين المحور الإيراني-السوري والقوى الدولية والإقليمية التي تتزعمها الولايات المتحدة، الملف العراقي، الملف الفلسطيني…. وتطول اللائحة.».
أما اليوم، فالحاجة إلى إستراتيجية شاملة للأمن القومي، باتت أكثر إلحاحا» بعد الربيع العربي وحالة عدم الإستقرار التي تنتاب المنطقة ودول أساسية فيها، ولا سيما وخاصة سوريا، كما بعد تراكم الغيوم في سماء المنطقة بأسرها وهي تنذر بإقتراب لحظة إنفجار الحروب الطاحنة. أما لبنان، فقد وضعه حزب الله «بين مطرقة إسرائيل وسندان سوريا»، كما عنونت مقالي السبت الفائت.
لذا، العنوان الرئيسي الجدي والخلاصي لأي إستراتيجية جدية هو تسليم حزب الله لسلاحه للجيش اللبناني وقبل فوات الأوان، علما» أن حزب الله يبخر بالجيش مؤخرا» ليلا» نهارا» وبالتالي مفروض أن لا يتوجس من تسليم سلاحه لهذه المؤسسة التي يثق بها!
ولنقولها بصراحة، قوة حزب الله تجاه العدو الإسرائيلي لا تكمن «بتكتيكات حرب العصابات والتحرك في الوديان والأنفاق والحفاظ على سرية القرارات العسكرية وثقافة المقاومة وبيئة المقاومة والإحتفاظ بالقدرة على مفاجأة العدو»، تلك الأساليب القتالية غير التقليدية التي يمكن للجيش اللبناني أن ينشئ وحدات خاصة تستلهم المفيد منها، بل تكمن بإمتلاك منظومة صواريخه الضخمة التي تطال كافة الأراضي الإسرائيلية، وبالتالي تشكل قوة رادعة فعالة من حيث قدرتها على إيذاء العدو. فالحجة القائمة على مقولة أن الجيش التقليدي لا يمكنه إستخدام أساليب حرب العصابات، واهية ولا تنطبق على طبيعة السلاح الصاروخي الردعي الذي يميز الوضع العسكري القائم بين لبنان وإسرائيل.
وبحال سلم حزب الله سلاحه، يصبح قرار تحريك الصواريخ بيد الدولة، وحينها لن يعود بمقدور إسرائيل أن تعتبر أن هذه الصواريخ هي أسلحة إيرانية على حدودها، ما يشكل بنظرها مبررا» شرعيا» لإعتدءاتها المتكررة أو حروبها المتتالية على لبنان، علما» أن إستراتيجية الرعب المتبادل التي يتبعها الحزب لا تحول دون الحروب الإسرائيلية المدمرة على لبنان: فهي قد تقع حين يعتبر أحد الطرفين (إسرائيل أو حزب الله) في لحظة معينة أن من مصلحته أن يذهب إلى الحرب وأن بمقدوره أن يربحها.
لذا، لا معنى لأية جلسة لهيئة الحوار، إذا لم يكن على جدول أعمالها بند وحيد هو التوافق على إستراتيجية شاملة للأمن القومي قائمة على مرجعية إتفاق الطائف ودستور وقوانين وأنظمة الدولة اللبنانية وإعلان بعبدا والقرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، ولا سيما القرارين 1559 و1701، وعلى أن تعطى الأولوية المطلقة، للإتفاق ليس على تسليم سلاح حزب الله للجيش اللبناني الذي يفترض أن لا يكون موضع نقاش، بل على وضع برنامج عملي ورزنامة زمنية لتسليم هذا السلاح إلى الجيش.
هذا وحده ما يفتح الباب لخلاص لبنان! غير أن مشروع حزب الله يتعدى الحدود اللبنانية وبالتالي لا يسمح له بالتجاوب مع دعوات، مثل هذه، تعطي الأولوية للمصلحة اللبنانية وبالتالي تضطره إلى أن يبديها على مصلحة مشروعه الإسلامي الخاص.
ما العمل إذاً؟ لبنان مخطوف من حزب الله، إذ أن الحزب يفرض خياراته ومغامراته على اللبنانيين رغم إرادة غالبيتهم وهو سائر بالبلد إلى الخراب. كل الحلول والمخارج سيئة الآن. الجلوس مع حزب الله على طاولة الحوار دون الإتفاق سلفا» على جدول أعمال الجلسة كما أسلفت تحديده، يعني ببساطة مده بتغطية خياراته ومغامراته الكارثية على لبنان. لذا، فالأسلم أن ننتظر أن تتغير الأوضاع والموازين.