اجتماع اللجنة الوزارية الرباعية الذي عقد منذ ايام للبحث في مواجهة تداعيات تدفق النازحين السوريين والفلسطينيين من سوريا الى لبنان، كان يجب ان يحصل منذ بداية التدفق، لو كان هناك رؤية وبعد نظرلدى الحكومة المستقيلة، لأخذ تدابير وقائية سريعة تحمي لبنان امنياً واقتصادياً وسياسياً وصحياً واجتماعياً، امّا وقد عقد في نهاية الأمر، فيجب ان تكون المعالجة سريعة وفاعلة ومدروسة، على الرغم من الصعوبات التي تواجهها حتماً بسبب استفحال المشكلة وفي جميع المجالات، ما يستدعي اخذ قرارات وتدابير جذرية ومؤثرة لانقاذ اللبنانيين، وخصوصاً الشباب منهم، لاختيار مصير من ثلاثة احلاها مرّ، امّا البطالة، او الهجرة، او الخروج عن القانون، واذا عرفنا، وفق الاحصاءات الموثّقة، ان هناك سورياً مقابل كل ستة لبنانيين، واجنبياً واحداً، بين فلسطيني وغير فلسطيني، مقابل ستة لبنانيين، يبدو عندها، كم هو كبير حجم الكارثة التي يواجهها الشعب اللبناني، بوجود ثلث سكان لبنان من غير اللبنانيين، في حين ان الدول التي تحترم ذاتها وشعبها تتراوح هذه النسبة فيها بين واحد وخمسة في المائة فقط، وذلك نسبة الى مساحتها ومواردها وتوازنها الاجتماعي والسكاني، واذا كان صحيحا ما تنقله المعلومات والتحليلات الاجنبية من ان الحرب في سوريا ستستمر عشر سنوات اخرى، فهذا يعني ان الكارثة واقعة حتماً وان لبنان مقبل على متغيرات ديموغرافية قريبة ستغيّر وجهه وتركيبته ونظامه ووجوده، في غياب حكم وطنيّ قويّ شجاع ينطلق طريق المعالجة من مبدأ، لبنان اولاً واخيراً، ولا يستمع الى اتهامات من هنا وضغوطات من هناك بأن حماية لبنان هي نوع من العنصرية، فهذا قول ساقط ومشبوه وغير صحيح، والتاريخ اللبناني في هذا المجال يشرّفه ولا يدينه، فهو منذ القدم، كان وما يزال يفتح ذراعيه لكل طارق ومحتاج ولاجئ، ولكن ما العمل اذا كانت اليد قصيرة والعين بصيرة، ولبنان بلد صغير المساحة قليل الموارد، الاّ اذا كانت رائحة النفط والغاز بدأت تدفع بتجّار الموت وحيتان المال الى العمل لحرمان الشعب اللبناني من ثرواته الدفينة، ليستفيد منها شعب آخر او شعوب اخرى، وقد يكون الخبر الذي نقلته وسائل الاعلام المحلية والعربية حول نيّة الدول الاوروبية ودول اخرى، اعطاء المسيحيين السوريين تأشيرات هجرة، بداية تفكيك سوريا ولبنان، وتفريغهما من المسيحيين، على غرار ما حصل في العراق ومصر ودول المغرب العربي.
* * * * *
من المعروف تاريخياً ان اي متغيرات جذرية تحصل في بلد ما، لا تتم الاّ على الحامي، وفي ظل القتل والدمار والتهجير، الاّ اذا برزت في هذه الدول، شخصيات وقيادات وطنية تاريخية عاقلة، غير مرتهنة للخارج، فتنقذ بلادها من الدمار والموت والتمزّق، وتبتدع انظمة واقعية، تعطي فيها لكل ذي حق حقه، قبل ان تشتعل نار الطائفية اوالمذهبية او القومية، وتقضي على كل شيء، وهذا الامر حصل في تشيكوسلوفاكيا، وحصل ايضاً في روسيا، مع بعض الثغرات غير الاساسية، ولبنان اليوم بأمسّ الحاجة الى مثل هذه القيادات التي لا همّ لها سوى انقاذه من مصير اسود يتهدده، فلا تقيم الدنيا ولا تقعدها، لأن هذا الحزب لم يتمثّل بالحكومة، او ذاك الفريق لم يأخذ هذه الحقيبة الوزارية او تلك، واذا كان الكلّ مجمعاً اليوم على تشكيل حكومة، قبل بدء الحوار، وتعذّر تشكيل الحكومة، التي هي حاجة ملحّة، فليبدأ الحوار قبلها، علّ وعسى يقتنع حزب الله مثلا بنتيجة الحوار، ان تمثيله اليوم في الحكومة لا يصبّ في مصلحة لبنان، او تقتنع قوى 14 اذا بضرورة تمثيل الحزب، ولكن ان يبقى لبنان في هذه الحالة المهترئة المخيفة، المندفعة بدون ضوابط او مكابح نحو الهاوية، فهذا عيب وهذا عار، وهذه جريمة سيحاسب عليها التاريخ كل من ارتكبها او ساهم فيها.
هل يعقل يا جماعة الخير، ان ينطفئ لبنان امام أعين الجميع، ولا نقدّم له ولو شمعة تضيء له، بالممكن، طريق الخروج من هذا النفق المظلم؟
اذكروا دائماً ما قاله جون كينيدي عند تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الاميركية: «لا تقولوا ماذا قدّم لنا وطننا، قولوا ماذا قدّمنا نحن لوطننا..»