إصرار ” حزب الله ” على أنّ لديه جناحاً واحداً ، لا جناحَيْن ، يُعقّد وضعه حاضراً ومستقبلاً ، بدلاً من تخفيف أعبائه ، وتبسيط علاقاته.
وكأنّ أوروبا ، مستلهمةً تراث فلسفتها في ثنائيّة الوجود ، بدت أكثر رأفةً به من نفسه ، فاستنبطت لها وله فكرة الجناحَيْن ، كي تُبقي الباب موارباً ، والمخارج ، أو المهارب ، ممكنة .
ما صدر عن ” حزب الله ” ، أميناً عامّاً ومسؤولين ، في ” فرادة ” حزبهم وعدم تقليديّته ، وقولهم إنّه لا يشبه إلاّ نفسه ، مع استعلائهم في مخاطبة 28 دولة بعبارات هابطة مثل ” بلّوا قراركم واشربوا ميّتو ” ، وتهديداتهم ب ” تداعيات كبرى ” وعدم مرور القرار ” مرور الكرام ” ، وتخوّفهم ( المصطنع ! ) في الوقت نفسه من توفير الغطاء لحرب إسرائيليّة .. كلّ ذلك يزيد حالتهم تأزّماً وقفصهم إنغلاقاً .
ولكنّ قيادة ” حزب الله ” التي تستشعر خطر هذا الإنغلاق واشتداد التفاف الحبل حول عنقها ، بدأت تفعل غير ما تُعلن ، وتمدّ اليد إلى من يدينها ، وتفتح معه علاقات في السرّ والعلن ، في تناقض نافر بين مبدئيّة ” المقاوم ” وانتهازيّة ” المقاول ” .
هذه الإزدواجيّة في القبض والإرخاء وفي الفتح والإغلاق ، أعطت ثماراً في السابق ، وصنعت للحزب حيثيّة سياسيّة تخطّت حدود لبنان ، فبدا ، في مرحلة ما ، جسماً دولتيّاً مؤسّساتيّاً في تعامله مع الوضع الإقليمي والدولي ، وحسبت له الدول حساباً في السياسة ، وليس فقط في القوّة العسكريّة .
أمّا اليوم ، فقد تقلّص ” حزب الله ” إلى رقم عسكري صاف في لبنان وسوريّا ، وإلى ذراع إيرانيّة للرسائل الأمنيّة في العالم ، وذابت حيثيّته السياسيّة تماماً في هامش المشروع الإيراني . إذ تحوّل من صانع حكومات وانقلابات إلى متسوّل حقائب . وهذا ما يفسّر إصراره ، إلى حدّ التهديد ، على دخول الحكومة العتيدة ، تحت شعار أطلقه نصرالله نفسه : ” لا حكومة بدون حزب الله “!
ويذكّرنا هذا الشعار بآخر شبيه له قبل 5 سنوات : ” لا حكومة بدون الصهر ” ! ولكنّ الفارق كبير بين تلك المرحلة بسطوة النظام السوري ، والظروف الراهنة التي تُبقيه على قيد الحياة بالأوكسجين الخارجي .
الجميع يعرف أنّ ” حزب الله ” كان زاهداً في تسمية وزراء من صلبه .
كان يتسامح في حصّته لمصلحة حلفائه ، وكان يكتفي بوزيرين حزبيَّيْن من أصل 30، وبحقيبتيْن عاديّتيْن .
لكنّه يُلحّ الآن على دخول الحكومة ، ولا يكتم رغبته ، بين المزاح والجدّ ، في تسمية 5 وزراء شيعة ” من العسكريّين ” ، على حدّ المزحة الجادّة لنصرالله في خطابه الأخير ، ولو كان ذلك على حساب شريكه ” الأمين ” نبيه برّي ، وحليفه ” السجين ” ميشال عون .
لقد خسر ” حزب الله ” جناحه السياسي بإصرار منه أو بسوء تقدير وتدبير ، وخسر معه الغطاء السياسي . وبدلاً من أن يلتقط فرصة سانحة جاءته من أوروبّا كي يحافظ على ثنائيّته ” الخلاّقة ” ، فضّل تقديم نفسه كقوّة عسكريّة صافية ومهابة في توازنات المنطقة .
ولا ينفع استدراكه الأخير في اللعب على الحبليْن مع السفيرة الأوروبيّة التي كادت ، بحركتها الزائدة وتراكم تصريحاتها المرتبكة ، تجوّف القرار الأوروبي من معناه .
وهو يدرك قبل سواه أنّ دخوله الحكومة اللبنانيّة باللباس المرقّط ، كما اشتهى أمينه العام ، لم يَعُدْ مطروحاً. لقد قضى بنفسه على زمن ثلثه ( المعطِّل ) وثلاثيّته ( شعب ، جيش ، مقاومة ) ، ولا تنفعه المكابرة في وجه اللبنانيّين والعرب وأوروبا والعالم .
فصرير أسنان مرجعيّته ، إيران ، تحت المقاطعة الدوليّة ليس بعيداً من مسامعه .
حين كان له جناحان ، كان ” حزب الله ” يحلّق مرتاحاً . وحين كانت له قبضتان ، كان يُمسك جيّداً بقَرنَيْ الوضع اللبناني ، وبشيء من الوضع العربي ، خصوصاً تحت خدعة ” المقاومة والممانعة ” .
الآن ، كيف له أن يطير بجناح واحد ، ويرفع السقف أو يهدمه بقبضة واحدة سقط عنها ختم ” المقاومة ” ، وبهت عليها لون ” الممانعة ” ؟!
لم تخرج العنقاء من إطار الأسطورة ، ولا شمشون من أسطورة الهيكل .
ولن يخرج ” حزب الله ” من أسطورة ” الطير الإلهي ” المحلِّق بجناح واحد !
