|
|
||||||
طبعاً لا مجال هنا لمقاربة المدرسة العونية بمعايير الأدب والفكر والسياسة، فالوقت لا يتسع لها والصفحات تضيق بما تفيض به مناهل الجنرال من ألفاظ “جديدة” على القاموس السياسي، بدءاً بـ”الصرمايي” الى “السقاية” و”الواطيين” و”تحت الزنار” و”اللعب بهونيك شغلة”، و”البزاق”، حيث أدخل مادة جديدة على منهاجه “المتحضّر”، فلم يقو فكره على إبتداع تعبير أكثر تحضراً من وصف المرشحين لرئاسة الجمهورية بالـ”20 زمك”، من دون أن يوضح للبنانيين المعيار في اختيار المرتبة في قائمة هؤلاء “الزمكات”، مع العلم أنه يعدّ المرشح الدائم للكرسي الرئاسي المسكون دوماً بهاجسها، والمفطور أبداً على حبّها الى حدّ الجنون، مع أن وصوله الى الكرسي أصبح على ما يبدو بعيد المنال، إن لم يكن قد أصبح مثل “حلم إبليس بالجنة”.
بعيداً عن كل هذه الأدبيات يصعب على العاقل أن يمرّ مرور الكرام على المواقف التي طبعت المؤتمر الصحافي للعماد عون في الرابيه أمس، من دون أن يصاب بالصدمة كالعادة، وأن يصل الى قناعة مفادها أن هذا الرجل بات يشكل خطراً على “معجم” الدولة والمؤسسات، لا بل على “مفردات” الكيان اللبناني عموماً والمسيحيين خصوصاً، المفارقة أن كل المسائل التي طرحها والمبادئ التي تحدث عنها ودعا إليها، هي النقيض التام لسلوك الجنرال وتياره ولمسيرته السياسية منذ عودته من “المنفى الذهبي” في العام 2005 حتى الآن. المفارقة الأكثر غرابة أن الجنرال يعرّف عن نفسه بـ”الحرّ والمتحرر من القيود والإرتهان”، ويخال له كأنه يخاطب عالماً آخر وافداً اليه من كوكب آخر، والمشكلة أن النائب عون انتقل من مرحلة الاستعلاء على الناس الى مرحلة استغبائهم والاعتقاد أنه لا يزال قادراً على تضليلهم، غير أن اللبنانيين يعرفون أن مَن ينشد الحرية والتحرر لا يكون تابعاً الى “حزب الله” والى النظام السوري الى حدّ الاستعباد، ويعرفون أيضاً أن من يوجه لهم نداء من الرابية للالتحاق به من أجل خلاص البلد، هو نفسه من أصمّ آذانهم بنداء “يا شعب لبنان العظيم” يوم كان في قصر بعبدا، ثم مغتصباً للسلطة سياسياً ومؤسساتياً ومالياً، قبل أن “يذوب الثلج ويبان مرج الحقيقة”، وينكشف الوجه الحقيقي لجنرال لم يتعب من حروبه الخاسرة في سبيل السلطة وملحقاتها.
إذا كان من حقّ أي دستوري أو رجل قانون أو رجل دولة أن يناقش دستورية أو عدم دستورية التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، إلا أنه لا يمكن إسقاط هذا الحق على الجنرال عون صاحب السجل الحافل باغتصاب السلطة، وما دام عون يتحدث عن القانون والدستور، لا بد من سؤاله ألم يكن هو من منع انتخاب رئيس للجمهورية في العام 1988، عندما قطع الطرق ومنع النواب من الوصول الى المجلس النيابي وهدد النواب، وأبقى الرئاسة شاغرة لسنة ونصف السنة على قاعدة أنا أو لا أحد؟، أليس هو من فرض تشكيل حكومة عسكرية انتقالية برئاسته وكان سبباً في اعتذار النائب الراحل بيار حلو عن قبول رئاسة الحكومة المدنية الانتقالية؟. ألم يغتصب عون السلطة في حكومة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ضباط فقط، اختصرت السلطة بكاملها؟. ألم تكن حكومته هي من أبقته على راس قيادة الجيش من دون اللبنانيين وحتى من دون رأي الجيش؟. ألم يقرر عون لوحده وبمعزل عن كل اللبنانيين خوض حرب مجنونة ضد الجيش السوري ويدمر من خلالها بيروت وجبل لبنان ويتسبب بالآلاف من الضحايا والمآسي؟. أليس هو من شنّ حرب الإلغاء التي دمرت المسيحيين وقتلت أبناءهم وهجرت أكثر من نصفهم في الداخل والخارج، وباعدت بين شرائحهم وأورثت أحقاداً وجراحاً لم تندمل حتى اليوم؟. وإذا كان عون يوهم اللبنانيين بزهده ويزعم أن السوريين عرضوا عليه رئاسة الجمهورية، لماذا لم يحققوا له طلبه هذا عندما أبدى استعداده ليكون جندياً صغيراً في جيش حافظ الأسد، شرط أن يقبلوا به رئيساً للجمهورية؟.
يستحيل الردّ بالتفصيل على كل ما جادت به العبقرية العونية أمس، لكن لا بد من التوقف عند أمرين:
الأول: إدعاء الجنرال القدرة لوحده على المضي بالتغيير والإصلاح ومحاربة الفساد، متجاهلاً أن تجاربه في الحكومة أثبتت العكس، فممارسات فريقه كانت مثالاً لتعميم ثقافة الفساد، وهنا يكفي الإشارة سريعاً الى الحال التي وصلت اليها الكهرباء منذ أن تولى مسؤوليتها صهره جبران باسيل، الذي يزيد من إغراق لبنان في الظلمة جراء سوء التلزيمات في معامل الإنتاج أو بتجربة بواخر الكهرباء التي لم تعطِ اللبنانيين الطاقة إنما أورثتهم العتمة والفاقة، وهذا ينسحب على قطاع الاتصالات الذي بلغ منحدراً تصعب أكثر فأكثر محاولات إنقاذه، كما ينسحب على السياحة التي باتت دون الصفر وكذلك في قطاعات وزارة العمل والاقتصاد وغيرها.
الثاني: أن العماد عون بدا شديد الحرص على رؤية انهيار الدولة في عكار وعبرا وعرسال، وهذا دليل ساطع على أنه لا يرى إلا بعين واحدة وأن تبعيته لـ”حزب الله” أعمت بصيرته عن حقائق ماثلة، والحقيقة أن عون يعرف تماماً أن المؤسسات الأمنية لم تنهر في عكار ولا في عرسال حيث تفرض الدولة كامل سلطتها، ولا في عبرا حتى قبل إزالة مربع أحمد الأسير، لكن المؤسف أن الجنرال يرى إنهيار الدولة وغياب الأجهزة الأمنية الكامل عن الضاحية الجنوبية وعن محميات حليفه في الجنوب حيث أسقطت طوافة للجيش وقتل قائدها النقيب الشهيد سامر حنا بدم بارد، وهو أعمى بصيرته عن غياب الدولة في البقاع وخصوصاً في حي الشراونة والدار الواسعة وعن حقول المخدرات ومصانع الكابتاغون حيث يواجه الجيش والقوى الأمنية بالنار، ولا يرى غياب الدولة أو تغييبها بالقوة عن الممرات غير الشرعية المخصصة لحليفة في المطار والمرافئ والمعابر الحدودية التي لا تخضع لجمارك ولا لرقابة ولا من يحزنون.
النتيجة التي لا بدّ من استخلاصها أن الجنرال عون يناقض اليوم كل منطق، هو يقول للبنانيين، إما تكون الدولة دولتي أو لا دولة، “وإذا ما عجبكن روحو بلطو البحر”..