لم يترك الحزب في لبنان فرصة ضائعة تعتب عليه.. مبادرات بالجملة لبَطها وراحَ بعيداً في خطاب المواجهة والكيد والتحدّي، وهي (مبادرات) أتته بـ”المبدأ” وليس بالتوقيت. أي أنّ اصحابها في 14 آذار طرحوها عندما كانوا في موقع متقدّم كما طرحوها عندما تراجعوا إلى الخلف بفعل التحدّيات التي واجهتهم والتي كانت بحجم جبال مرصوصة بالبارود والتفجير والتخوين والافتراء والشهود الزور الفعليين والحقيقيين.
أهم وأخطر المبادرات التي توجهت بكلمة سواء إلى ذلك الحزب، أطلقها (الرئيس) سعد الحريري من أمام البيت الأبيض في واشنطن في أواخر العام 2005 بعد لقائه الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش، وأكد فيها انّ موضوع السلاح في القرار 1559 هو شأن داخلي لبناني يُعالَج بالحوار، قاطعاً بذلك الشك باليقين، بأنّ “أوصياء الدم” ليسوا في وارد توظيف أي مُعطى خارجي في نزاعهم السياسي مع حلفاء نظام الوصاية الأسدي في لبنان.. بل هم في صدد البحث عن تسوية تضع “لبنان أولاً” وقبل (وفوق) أي شيء آخر!
هو مثال واحد، صارخ في وضوحه ونقائه، لكنه لا يغني عن أمثلة كثيرة وكبيرة قدمت المرة تلو المرة، في الانتخابات وبعدها وفي الحكومات وغيرها، “غصن الزيتون” إلى الطرف الآخر، فلم تُواجَه إلاّ بالأشواك وبالمزيد من الافتراء والصلف والاتهامات.. والتفجيرات والتهديدات وفق سياق منهجي تدخل في أساسياته جريمة 14 شباط ثم ما تلاها من جرائم.
.. وذلك في كل حال، كان “شيئاً طبيعياً”، إذ أنّ مَن ارتكب تلك الجرائم لم يفعل ذلك لتأكيد ريادته الأخلاقية ولا تفوّقه في “الأدب” العربي ولا في نظم الشعر، بل فعله في سياق لا يحتمل “المناصفة” التسووية التي حملها مشروع 14 آذار، إنّما حمل ولا يزال يحمل مشروعاً لإعادة الإمساك بالسلطة التي تشظّت بعد الانسحاب السوري من لبنان، ولتأكيد الحرص على عدم إضاعة “الاستثمار الإيراني” في لبنان الذي امتد على مدى سنوات طويلة ووصل إلى ذرى غير مسبوقة ولا شبيه لها في أي نقطة استراتيجية أخرى!.. والذي اختصرته آلة الممانعة السياسية والإعلامية تحت شعار طنّان وخادع ومزوّر هو حرب المحورين: محور الممانعة ومحور المساومة أو محور “المقاومة” ومحور المساومة!!
.. لا يحتاج البيان إلى أدلة تفصيلية أكثر لتبيان فحواه: “حزب الله” نسيج قائم بذاته. مشروعه ينطلق من لبنان لكنه أكبر من جغرافيته وسياسته و”مبادراته”.. مثل طائرة الركاب المدنية، لا يستطيع التوقف بل يحتاج إلى الاستمرار في التحليق، وذلك لا يتم إلا بوجود المناخات التوتيرية الصاخبة، وفي ظلّ دوام نمط المواجهة واختراع العداوات وتكبير الأخطار، بل استيرادها إذا تطلّب الأمر!
لن يتوقف ذلك المشروع أمام أي “مبادرة” وسطية.. لا يستطيع أن يفعل ذلك، وإلاّ تعرّض للانتكاس والضمور وبارت الأوراق المطلوبة من خلاله في أرضها. التسوية تعني إخراج لبنان من بازار التفاوض الإيراني مع الغرب (والشرق!) على الموضوع النووي وملحقاته المتصلة بطموحات الأدوار العظمى في الخليج العربي والشرق الإسلامي برمّته!
عبثاً تعب ويتعب أهل الغار والزيتون والمبادرات السلامية.. مثلما انه كان ضرباً من ضروب العبث، سعي المصريين بدءاً بالعسكر وانتهاء بخصوم جماعة “الاخوان” إلى تقديم مشاريع تجنب مصر كأس المواجهة المفتوحة وحرب الميادين المعبأة والمشحونة..
لم يصل “الاخوان” الى السلطة من أجل أن يعودوا ويتنازلوا عنها أو يتقاسموها مع غيرهم! ولم يصل “حزب الله” في مشروعه إلى ما وصل إليه، من أجل أن يعود إلى الوراء.. إلى لبنان وفكرته وروحه ودولته ومؤسساته وسرّه التسووي الكبير.
مشروع “الإخوان” لا يشبه مصر مثلما ان مشروع الحزب لا يشبه لبنان ومثلما ان “مشروع” البعث الاسدي لا يشبه سوريا، بل لا يشبه الدنيا وطبائعها كما نعرفها ويعرفها سائر البشر!