حالة “الستاتيكو”، مريحة جداً لجميع الأطراف، ولا يوجد في الأفق أي إشارة إلى أي محاولة لكسر هذه الحالة. ما يعزّز ذلك أنّ هدوء الجنوب يريح إسرائيل، واستقرار السلام البارد سمح للحزب بالتفرغ بقوّة في بيروت وباقي المناطق، ووفّر له الفرصة للمشاركة في الحرب ضدّ الشعب السوري المظلوم، ليكون بذلك “قوّة عسكرية اقليمية”. هذا الدور الجديد يساهم في الحذر الكبير للحزب من إغضاب و”تطفيش” قوّات “اليونيفيل”، لأنّه في اللحظة التي تقرّر الدول الأوروبية التخلي عن دورها في قوّات “اليونيفيل”، لا يعود أمام الحزب سوى الانكفاء من جديد إلى الجنوب.
هذه المعادلة التي صاغتها الوقائع الميدانية للجنوب اللبناني، تبدو حالياً وكأنّها مركونة بسلام على رفّ الهموم الكبرى لـ”حزب الله”. يؤمن “حزب الله” عكس كل ما يرى الآخرون، “أنّ تحويل بوصلة المقاومة من الجنوب في لبنان إلى القصير شمالاً، كان جزءاً من عملية دفاع واسعة عن نفسه، وأنّه لولا مشاركة “المقاومة” في معركة “القصير” لكانت دمشق قد سقطت بأيدي “التكفيريين” (لا وجود للجيش الحرّ والمسلحين السوريين في خطاب الحزب)، ووقعت الكارثة الكبرى، التي خلاصتها هزيمة معسكر الممانعة والمقاومة في الحرب وليس في معركة واحدة”.
معركة “القصير” كانت “استراتيجية”، وليست مجرّد معركة في حرب كبيرة. لقد أكّدت قدرات مقاتلي الحزب وخبرتهم الواسعة، الدليل الكبير على قبول الطرف الآخر بهزيمته أنّ الحزب كان يتوقع “ردّاً استراتيجياً” على هزيمة “القصير” لكن لم يحدث أي شيء. الردّ على الهزيمة كان أصواتاً بلا أفعال. هذا الوضع أراح الحزب وهو ايضاً رفع معنوياته خصوصاً وأنّ السوريين الأسديين أصبحوا يضعون شعار الحزب ليخيفوا به “التكفيريين” والمسلحين، وقد حصل أنّ قرى عديدة كما يروي حزبيون في منطقة حلب سقطت واستسلمت فور سماع أهاليها ومسلحيها أنّ “قوّات الحزب قادمة”.
أمّا الفرق بين الحرب والمعركة، كما يعتقد الحزب، فإنّ اختصاره في المواجهة الكبرى بين تحالفين يضم الأول: سوريا – الأسد، وإيران وروسيا وحزب الله. أمّا الثاني فيضم: الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والتكفيريين وبعض الدول العربية المموّلة للمسلحين. المواجهة “انتهت” بانتصار المعسكر الأول. الخط البياني للحالة الميدانية في سوريا يؤكد ذلك. الهزيمة ضخمة للمعسكر الثاني، ولم يعد أمامه سوى الاعتراف بهزيمته التي من بنودها الأولى بقاء الأسد في السلطة حتى تموز 2014 والمشاركة في أي انتخابات رئاسية تقرر فيما بعد، علماً أنّ فوزه فيها يبدو مضموناً، في كل ذلك أن “بيادر” الانتصار غنية ومن حق الأطراف المعنية الحصول على حصصها. الرابح الكبير في كل ذلك إيران التي سيتمدّد نفوذها من افغانستان إلى الضفة الشرقية لشرق البحر المتوسط مروراً بكل النقاط الساخنة والغنية على طول “القوس” الذي يمر حُكماً ببغداد. لم يعد ينقص، إلاّ تحديد يوم الانتصار للاحتفال به رسمياً، وما على الولايات المتحدة الأميركية سوى الاعتراف بهزيمتها ودفع الأثمان دون تردد. انتصار معسكر الممانعة، يعني انتصار الحزب وعودته قوّة تحرير لكل القوى الإسلامية والعربية، على طريق تحرير فلسطين.
أمر واحد يغيب عن قيادة “حزب الله” أو يتم تغييبه إرادياً، وهو أنّ الحرب في سوريا بالكاد بدأت، وانّ المتغيّرات هي الثابت الوحيد، أمّا الثوابت فإنّ تشكّلها ما زال بحاجة إلى الكثير من الاقتتال، فليس أفضل للأميركيين من “حرب الكفن ضدّ الكفن” بين كل القوى الأصولية السنّية والشيعية (يجب ألاّ يغيب عن كل هذا “المونديال” المحصور في “الملعب السوري” الميليشيات الشيعية العراقية المتطرّفة) واستمرار حرب الاستنزاف حتى تستنزف كل أعضاء المعسكر المضاد للولايات المتحدة الأميركية دون أي كلفة مالية وبشرية يحقّق لها مكاسب بلا حدود. في الأشهر المقبلة ستُكتب المتغيّرات بالكثير من الدماء والدمار.