ليست القضية أن دول الاتحاد الأوروبي الـ 28، بعد الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا، قررت وضع “حزب الله” على لائحة التنظيمات الارهابية، انما هي أن هذه الجهات أدرجت لبنان الدولة والوطن على لائحة الدول الداعمة، أو ربما الراعية، أو حتى الحاضنة للارهاب. والحال، أنه لا معنى لمحاولة الاتحاد تمييز الجناح العسكري للحزب، على الرغم من معرفته بعدم وجود هذا التمييز، سوى هذا المعنى. أما الهدف منه، كما حرص ممثلو الاتحاد على تكرار القول، فهو ابقاء علاقاته وقنوات اتصاله بلبنان من جهة، ولمعرفته من جهة أخرى ان هذا البلد اما عاجز عن تمييز نفسه عن أعمال الحزب، أو مغلوب على أمره، أو أنه على الأكثر يعتمد على عامل الزمن وتطورات المنطقة لحل مشكلته مع الحزب وسلاحه.
من هذه الزاوية، وليس من أية زاوية أخرى، ينبغي النظر الى القرار الأوروبي ادراج الجناح العسكري لـ”حزب الله” على لائحة الاتحاد للمنظمات الارهابية. ذلك أنه صحيح ما تقوله قيادة الحزب عن تأثير القرار الضعيف، أو ربما المعدوم، على الحزب وأجندته العملية سواء في لبنان أو في المنطقة أو في العالم. واذا كان هدف القرار التأثير سياسياً أو معنوياً على الحزب، فغني عن القول انه سبق لقيادة الحزب أن تعاملت بلامبالاة كاملة مع مواقف لبنانية وعربية مماثلة الى درجة أن أمينه العام السيد حسن نصرالله ذهب رداً على ذلك الى القول ان “لا مقاومة في العالم حظيت باجماع من شعبها”.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فلم تعد تستقيم من وجهة النظرالأوروبية، فضلاً عن القانون الدولي، وحتى الأعراف الأخلاقية عندما يكون احتلال ما، سعي “حزب الله” الى الاختباء وراء مقولة “المقاومة” التي يحرص على أن يعرف نفسه بها، بعد تدخله العلني في القتال في سوريا والى جانب النظام فيها، على افتراض أن الاتهامات التي تساق ضده حول العمليات الارهابية في بلغاريا وقبرص ونيجيريا لم تثبت بعد أو لم تصدر أحكام نهائية بشأنها.
وبهذا المعنى، فلم يعد سلاح الحزب نفسه يملك أي تبرير أوروبي أو دولي، لا في مناطق جنوب الليطاني فقط كما ينص قرار مجلس الأمن الرقم 1701، بل في لبنان كله أيضاً. واذا لم يكن الحزب قد فهم، كما يبدو حتى الآن، رسالة الدول الأوروبية الـ 28 وبعضها يشترك في قوات “اليونيفيل” التي تسهر على تنفيذ القرار المشار اليه، ولا خصوصاً معانيها وتداعياتها المستقبلية، فينبغي أن تكون الدولة اللبنانية (أو ما تبقى منها خارج سلطة “حزب الله”) قد تسلمتها فضلاً عن أن تكون قد فهمت ما تحمله من معان.
عفواً، هل يعني اتهام الحزب للاتحاد الأوروبي بأنه، من خلال هذا القرار، يعطي ضوءاً أخضر لعدوان اسرائيلي على لبنان، أنه فهم الرسالة على حقيقتها وبمعانيها كلها، وأنه كالعادة انما يحاول تبرير سلاحه بنظرية الدفاع عن لبنان في حال تعرضه مستقبلاً لمثل هذا العدوان الاسرائيلي؟.
بل هل يعني اتهام الحزب كلاً من اسرائيل والولايات المتحدة بالوقوف وراء القرار، وبأن أوروبا لم تتخذ قراراً ذاتياً بل خضعت لضغوط هاتين الدولتين، أنه يقنع الرأي العام لدى دول أوروبا، أو يكتشف البارود كما يقولون، بعد أن أشبع هذه المقولة تكراراً منذ انشائه قبل نحو ثلاثين عاماً؟. وهل يفترض عاقل أن تقف اسرائيل مكتوفة اليدين في مثل هذه الحال، ما دام الحزب والنظام الايراني معاً يرددان أن الهدف من السلاح في نهاية المطاف هو ازالة اسرائيل من الوجود؟.
أياً يكن الجواب، فالمعني في كل حال هو لبنان الوطن والدولة والأرض والشعب، وليس سلاح “حزب الله” أو وظيفة هذا السلاح التي لم يعد الحزب نفسه (بعد ايران) ينكر أنها كانت وتبقى ايرانية، بل وأنها لم تكن يوماً الا في خدمة مصالح ايران واستراتيجيتها ان في لبنان أو في سوريا أو على امتداد العالم كله.
واقع الحال، أن ما بعد قرار الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يكون كما قبله، بحسب ما يقول “حزب الله” رداً عليه، ان لم يكن بالنسبة الى الحزب فأقله بالنسبة الى لبنان ومن خلاله بالنسبة الى المنطقة كلها.
واذا كان الحزب قد تكفل بأن يكشف حقيقة أمره، ويوماً بعد يوم خلال المرحلة الماضية، فان ما قام به من عمليات ثابتة أو مفترضة في الفترة الأخيرة… من مصر الى البحرين الى بورغاس وقبرص ونيجيريا الى سوريا الآن… انما أخرج الحزب من عباءته اللبنانية التي كانت قد تمزقت من ناحيتها، ووضعه وجهاً لوجه أمام المجتمعين العربي والدولي وحقهما المشروع في الدفاع عن نفسيهما.
ذلك أنه منذ رفع شعار تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب والبقاع الغربي العام 2000، الى نظرية “الاستراتيجية الوطنية للدفاع” في الأعوام التالية، الى حرب العام 2006 وما تلاها من اتهامات لنصف اللبنانيين على الأقل بالخيانة والتآمر مع العدو، الى أخيراً مقولة “الدفاع في وجه عدوان محتمل”، لم يكن الحزب يقول عملياً الا أنه لن يتخلى عن سلاحه وأجندته الاقليمية والدولية (أجندة ايران في هذه الحالة) ولو كان الثمن التضحية بلبنان على مذبح هذا السلاح وهذه الأجندة.
أكثر من ذلك، فعندما كان الحزب يقترف جريمة موصوفة بحق اللبنانيين بالذات (غزوة بيروت والجبل في العام 2008، أو احتلال بعض أحياء برج أبي حيدر والبسطة، أو مواجهة الجيش في مار مخايل)، فانه كان يتحدث صراحة عن استراتيجيته في استخدام السلاح من أجل حماية هذا السلاح.
بماذا يختلف الأمر الآن؟.
لا يقول الاتحاد الأوروبي بقراره الأخير، كما لم يقل قبله قرار مجلس التعاون الخليجي ملاحقة عناصر الحزب ونشاطاتهم في دوله، الا أن لبنان الدولة والوطن والشعب، وليس “حزب الله” وحده، هو الذي بات تحت المراقبة الدولية.
والمحصلة، حتى وان طال الزمن، الذهاب الى توصيف لبنان: اما دولة فاشلة أو دولة مارقة… أو أنه لا دولة ولا من يحزنون!.
ومن هذه الزاوية فقط، ينبغي أن يتعامل اللبنانيون مع هذه المرحلة من النظرة العربية والدولية الجديدة الى “حزب الله” بصرف النظر عما يقال عن الجناح العسكري فيه.