لم يَشغل قرار الاتحاد الأوروبي بإدراج “حزب الله” على لائحة الإرهاب، المسؤولين في الحزب عن الأمور الداخلية للبلد، ولم يُلهِهم عن استعادة “نشاطهم” في المناورة لتشكيل حكومة، لا بل زاد ذلك من ارتفاع لغة المكابرة والتحدي في الداخل.. وذاك النشاط، لم يستبدله الحزب بالتوبة عن القتال أو الاقتتال في الخارج، وإنما انطلق من فكّ التحالف الى الحوار فالحكومة تحت وطأة التهديد والوعيد.
وليس قرار الاتحاد الأوروبي سوى قطرة من جملة ما يقوم به الحزب من ارتكابات بحقّ الشعوب العربية جمعاء، كونه يسعى الى إمحاء الشعب السوري المعارض للنظام، تماماً كما صدّق البعض أن وزير خارجية النظام وليد المعلّم ألغى أوروبا من على خارطة العالم. وإن كانت أوروبا التي تحتفظ بمكانها على الخارطة وليس لديها فرع آخر، قد استندت الى براهين وأدلة لتصنيف الجناح العسكري للحزب، كمثل نشر صور وأسماء المتّهمين في تفجير “بورغاس”، فإن رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد لم يستند الى أي دليل يثبت كلامه حول “طلب أوروبا تطوير علاقاتها مع “حزب الله” المقاوم” في المقابل..
وينطلق رعد من تهديد أوروبا قائلاً “سيضطرون عاجلاً أم آجلاً للعودة عن هذا القرار، وسيقفون بالصفّ من أجل أن يعيدوا تطوير العلاقات مع الحزب”. إذاً، فإن كل العالم سيشهد بعد فترة غير محددة تسابق الدول الأوروبية لنيل رضى “حزب الله” ولاستجداء عطفه وتحنن جناحه العسكري الطاهر.. لكن حتى الآن ليس هناك من أسباب تحتم على أوروبا السجود أمام هالة المقاومة وطلب السماح منها والاعتذار الى أجنحتها على مختلف أنواعها، إلا إذا كان هناك ما يُحاك من “تداعيات” وتهديدات..
لكن أوروبا ليست وحدها المستهدفة بالتهديدات، فالداخل قد سبقها الى نيل القسط الكبير من التهديدات المبطّنة والعلنية.. فالخطط التي تضعها قوى 8 آذار تحتوي على كل أنواع التهديد والوعيد، إن من حيث المواجهة كأحزاب منفردة أو كجبهة مجتمعة. وممّا اتّضح بعد أشهر من المناورة ومحاولة إقناع اللبنانيين بأن تحالف 8 آذار ذهب الى غير عودة، لطمأنة الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة ومن ثم اقتناص الفرصة للفوز بالثلث المعطّل..
أما وقد فشلت هذه الخطة، فقد استعاض عنها “حزب الله” بخطة الالتفاف على الحلفاء! صحيح أنهما خطتان لا تلتقيان كالخطين المتوازيين، غير أن ما يهمّ الحزب ليس إقناع اللبنانيين بما هو منطقي وعقلاني، إنما يبقى همّه الأول والأخير هو السيطرة على الساحة اللبنانية وإلغاء الفكر الآخر المعارض.. اكتشف “حزب الله” أخيراً أن ليس هناك من بديل عن جبهة قوى 8 آذار مجتمعة لدعم تعطيل تشكيل الحكومة، فيما أن الحزب بمفرده يهدد أوروبا ويؤكد أنها ستعود لترتمي بين أحضانه نادمة على ما اقترفته بحقّه من ذنوب!
ففي مواجهة الداخل، وعقاباً لقوى 14 آذار ولكل الشهداء الذين قدّمتهم في سبيل حرية واستقلال لبنان، يعطّل “حزب الله” تشكيل الحكومة لأنه، وكما لم يعهده اللبنانيون، قرر هذه المرة تطبيق الدستور! فيقول رعد “نريد المشاركة في هذه الحكومة إلى جانب كل أطياف ومكونات مجتمعنا اللبناني، لأن الدستور اللبناني ينص على أن تتمثل الطوائف في الحكومات بصورة عادلة أي بحسب حجمها التمثيلي في المجلس النيابي”. فمن كان يمثّل قوى 14 آذار في حكومة بشار الأسد في لبنان؟ وهل الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية وعلى الديموقراطية عن طريق التهديد بالسلاح في بيروت والتهديد باقتحام الجبل يمكن وصفه بالتصرف الدستوري العادل؟
يبدو أن “حزب الله”، الذي كان يهدد بمفرده، يشمل اليوم معه حلفاءه، لأنه بات يشعر أنه في عزلة داخلية وخارجية.. صحيح أن الأسباب تختلف اختلافاً جذرياً، لكن التحالف يشكل اليوم بالنسبة للحزب حاجة أساسية على شكل جبهة كمثل القول إن تحالف 8 آذار جاء “شحمة على فطيرة” في هذه المرحلة.. والجبهة من دون شكّ يقودها “حزب الله” ويتلطّى خلفها، ليبرئ نفسه من خلال التغطية التي يؤمنها له بعض الأطراف، يبقى أبرزها الطرف المسيحي.. وإضافة الى هذه المعايير التي يطالب بها الحزب ومنها التمثيل بحسب الأحجام النيابية، فإن الأمثل بينها ما قاله رعد عن اتّفاق مع الحلفاء قائلاً “اتفقنا مع حلفائنا بأن نشارك جميعاً أو أن نخرج جميعاً”.. وإن كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها “حزب الله” عن “خروج” من الحكومة، فإنه طبعاً لا يقصد بأن يجلس تحالف 8 آذار جانباً ويعمل عمل المعارضة البناءة، لأن قوى 8 آذار هي بحدّ ذاتها معارضة، إن وجدت في موقع الحكم أو المشارك فيه، لأن صيتها ذائع في معارضة نفسها بنفسها! وليس “الخروج” هنا سوى رسالة مقتضبة “خفيفة نضيفة” الى حلفاء الحزب خصوصاً من منهم لم يكفّ عن ولعه بالكراسي والمراكز، وتأتي عبارة “الخروج” هنا مناسبة لبث الإطمئنان في نفس الحليف على شكل المثل القائل “يسوانا ما يسواكم!”.
رسالة أخرى من رعد، تهديدية، صارمة، غير مطمئنة، الى من؟ طبعاً الى قوى 14 آذار من دون أن يسميهم “أما الذين يريدون أن يشكلوا الحكومة على قياس نتائج رهاناتهم، فهذا يعني أنه لن تشكل حكومة في وقت قريب، بل ربما يحين موعد الاستحقاق الرئاسي وتكون البلاد بلا حكومة وفقاً لهذا الرهان”. الويل لقوى 14 آذار إن لم تنفذ ما يريده منها “حزب الله”، فإنها ستعاقب لأنها لا ترضخ للتهديدات ولا تنصاع للأوامر! لكن الواقع بأن عقاب “حزب الله” سيرتدّ على كل الشعب اللبناني وسيؤثر انتقامه بالوضع العام..
ومقابل نصيحة رعد لقوى 14 آذار “بألا ينتظروا لأنهم سينتظرون طويلاً وسيعطلون مصالح العباد والبلاد كثيراً، ونتمنى أن يراجع الجميع حساباتهم وأن يعيدوا النظر في الضوابط التي وضعوها لتأليف الحكومة، لأن هذه الضوابط لا يمكن أن تخرج حكومة إلى حيز الوجود”.. أليست نصيحة العودة الى جذور الوطن ونصيحة الكفّ عن التعطيل أجدى وأكثر إفادة من لغة التهديد والوعيد؟.