
خرّجت جامعة الروح القدس – الكسليك 1230 طالبًا وطالبة من كافة كليات الجامعة وفروعها، وذلك في حفل رعاه الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، ودعا إليه رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ، الذي أطلق على المتخرجين إسم “فوج قداسة البابا فرنسيس”، في حرم الجامعة الرئيسي في الكسليك.
وألقى البطريك الراعي كلمة أعرب فيها عن سروره في”تسمية المتخرّجين والمتخرّجات “فوج البابا فرنسيس”، لما تحمل التسمية معان تعطي تخريجهم شكلاً واندفاعاً بالروح والثقافة اللَّذين ينشرهما البابا فرنسيس”. وهنّأ الجامعة، ورئيسها الأب هادي محفوظ لافتًا إلى “أن التهنئة مزدوجة: بفوج التخريج وبتجديد مدة رئاسته على الجامعة…”
وتوجّه إلى المتخرّجين بالقول: “تحملون تسمية “فوج البابا فرنسيس” في زمن لبناني ومشرقي يحمل الكثير من القلق والمآسي، وتتآكله الخلافات والنزاعات والحروب السياسة – المذهبيّة، وتذكي نارها دولٌ إقليميّة ودوليّة بدعم هذا وذاك من الأفرقاء المتنازعين والمتحاربين، بالمال والسلاح وبالمساندة السياسية، بدلاً من الكفِّ عن هذا الدعم والمساندة، والدعوة بالأحرى إلى رمي السلاح جانباً والجلوس إلى طاولة الحوار والمفاوضات، بروحٍ من المصارحة والمصالحة، لإيجاد الحلول السلميّة الرامية إلى إحلال سلام عادل وشامل ودائم. فمن أدرى بحاجات البيت مثل أهله؟ وليُدرك المتخاصمون في الوطن الواحد أنّ الإصلاحات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة، ضروريّة وملحّة. ولكنّها لا تُفرض قسراً من الخارج، ولا تتمّ عن طريق العنف والحرب والعمليّات الإرهابيّة. فهذه تولّد الحقد والانقسام وتعود بالبلاد إلى الوراء”.
وأكد البطريرك الراعي “أنه وحده البابا فرنسيس يدعو باسم الكنيسة الجامعة إلى السلام، ووقف النار، والتحاور والتفاوض على أساس من ثقافة القبول بالآخر، والسعي إلى إيجاد حلول سلميَّة، بالطرق السياسيّة والديبلوماسيّة. ويأمل البابا فرنسيس من الشباب، لكونهم مسقبل أوطانهم، أن ينشروا ثقافة العيش معاً باحترام التنوّع في الدين والعرق والثقافة والرأي، وبالانسجام بين مكوّنات النسيج الاجتماعي المتعدّدة وغير المتجانسة”.
ودعا “المتنازعون عندنا في لبنان، كما وفي سوريا ومصر والعراق، وسواها من بلدان الشَّرق الأوسط المُهدَّدة بالوصول إلى نزاعات مماثلة، ليدركوا أنّ للسلام طريقاً واحداً ذا محطّات مترابطة ومتكاملة هي العدالة والمحبة والحقيقة والحرية”، لافتًا إلى “أن العدالة تُثمر السلام، والمحبة تريد السلام غاية مطلقة، والحقيقة تقود إليه، والحرية تحرص على ديمومة السلام”.
وأضاف: “أنتم، أيّها الخرِّيجون والخرِّيجات، قد تنشَّأتم على هذه القِيم الأربع في جامعة الروح القدس – الكسليك. واليوم تنطلقون إلى مجتمع هو بأمسّ الحاجة إليكم: تتكلّمون فيه لغة السلام، أعني لغة العدالة بحيث يُعطى كلّ ذي حقّ حقّه، وتعملون على تطبيق شرعة حقوق الإنسان الأساسية، وتندّدون بكلّ ممارسة سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة منافية لها. تتكلّمون لغة المحبة التي بات يجهلها الكثيرون عندنا، تتكلّمون لغة الحقيقة الضائعة، الحقيقة الموضوعيّة التي تحرّر وتجمع. لا يمكن أن يُبنى المجتمع والوطن على لغة التكاذب والازدواجية والاستقواء والغدر، بل يُبنى على لغة الحقيقة التي قوامها: نعم نعم، ولا لا.
وتابع: “إنّ قداسة البابا فرنسيس، الذي يحمل فوجُكم اسمَه، ما فتئ يكلّم الناس هذه اللّغة بوجوهها الأربعة. آمل أن لا تقتصر التَّسمية على هذا الاحتفال، بل أن تكون دعوة لسماع هذا البابا، ولإغناء ثقافتكم بتعليمه، فتجعلون تعليمه دافعاً لنشاطاتكم، ومبادئه ثقافة تلجون بها مجتمعنا اللبناني والمشرقي كقوّة تجدّد وتغيير. لا تنسوا أنكم في هذا الوطن وفي هذا المشرق كفجر جديد، ودم جديد، وتحملون تطلّعات جديدة. كونوا أحراراً من كلِّ تبعيّة، وقَيِّموا الأحداث وأفعال الأشخاص والممارسات على القاعدة الخلقيّة التي تميّز الخير من الشَّر، والعدل من الظلم، والحقيقة من الكذب، والخير العام من المصالح الشخصية والفئوية، والإنماء من الاستغلال. وابنوا رأيكم وقراركم في ضوء هذا التمييز. وتميَّزوا بالشجاعة في قول الحقّ، والدفاع عن العدل، والتنديد بالبغض، ورفض الارتهان. وتذكَّروا دائماً قول بولس الرسول: “لقد حرّركم المسيح لكي لا تُستعبدوا لأحد” (غلا 5: 1)”
وشدد على أنّ هذه الخطوة الحاسمة تمكّن اللّبنانيّين، على تنوّعهم الديني والسياسي، من الذهاب الواثق والمسؤول إلى إبرام عقد اجتماعي جديد، على أساس الميثاق الوطني لعام 1943، كقاعدة ومقياس، بحيث يتجدّد ميثاق العيش معاً والمشاركة المتساوية والمتوازنة بين المسيحيين والمسلمين في الحكم والإدارة. وهذا مطلب أعرب عنه عدد من اللّبنانيين منذ سبع سنوات، ويصبح اليوم مُلحّاً في الأوضاع اللبنانيّة والإقليميّة الراهنة التي يتأثّر بالعمق فيها لبنان وكيانه وصيغته ورسالته. فميثاق 1943 هو نقطة ارتكاز واكتمال في تاريخ لبنان، إذ كوّن الصيغة اللبنانية، المعروفة بصيغة العيش المشترك، أو العيش معاً مسلمين ومسيحيين التي تبلورت في الميزات التالية:
أ. إنشاء دولة مدنيّة تعاقدية تفصل بين الدين والدولة. يتشارك في حكمها وإدارتها المسيحيون والمسلمون بالمساواة والتوازن؟
ب. دولة مدنية في لبنان تحترم الأديان، من دون أن تكون دينيّة، فتحفظ حرية المعتقد والعبادة للمواطنين، وتحفظ حقوق الطوائف وتساوي بين جميعها، بحيث لا تفرض إحداها رأيها ونفوذها على الآخرين، ولا تعيش في عداوة مع الفئات الأخرى.
ج. دولة مدنية قائمة على قيم مشتركة يتوافق عليها الجميع ويلتزمون بها.
د. دولة مدنية مركزية قويّة ذات ثقة وجذّابة وفعّالة وقادرة على حفظ الحقوق والمساواة والقيم للجميع أفراداً وطوائف، بحيث تنتفي معها الحاجة إلى حمل سلاح، خارج قوّاتها المسلّحة، ويتحوّل فيها الولاء للطائفة والحزب إلى الولاء للدولة.
ه. الولاء للدولة اللبنانية، من دون أي تبعيّة لدولة أخرى في الشّرق أو في الغرب، ما يعني حياد لبنان المنفتح على جميع الدول بروح الصداقة والتعاون والاحترام المتبادل، لبنان الملتزم قضايا المنطقة والعالم في كلِّ ما يختصُّ بالسلام والعدالة والحرّيات العامّة وحقوق الإنسان وترقّي الشعوب.
واختتم البطريرك الراعي: “أيها الخرّيجون والخرّيجات، يا فوج البابا فرنسيس، إنطلقوا رسلاً إلى مجتمعنا وعالمنا، والروح القدس، شفيع جامعتكم، الذي قاد خطاكم طوال سني دراستكم، وعلّمكم الحقيقة التي تحملون في عقولكم وقلوبكم، هو يوجّه حياتكم إلى كلّ حقّ وخير وجمال. وبقّوته اعملوا على تجديد حياتكم ومجتمعكم، هاتفين كلّ يوم: “أرسل روحك أيّها المسيح، فيتجدَّد وجه الأرض”.
وألقت كلمة الطلاب ملكة جمال لبنان رينا شيباني التي اعتبرت “أنه في هذا اليوم البهيّ، نسير على بركة الله نحو تحقيق رسالتنا ونشكُره على رعايته لنا في جميع مراحل حياتنا”. وشكرت جامعة الروح القدس، إدارة وأساتذة، “التي أعطت وأفاضت وسقَت حياتنا علما وثقافة وعلمتنا أن للنجاح قيمة ومعنى وأن لا مستحيل في سبيل الإبداع والرقي”. وقالت: “وإذا كنت قد تُوّجتُ قبل عام بتاج الجمال وحملتُ مسؤلياته فنحن اليوم نتوَّج بتاج العلم الأقوى والأبقى في الحياة. اليوم تبدأ رحلة الألف ميل في مشوار مليء بتحديات كثيرة، في وطن قدره أن يعيش على إيقاع التحديات ووقعها. إنها شهادة ننطلق بها في الوطن وليس إلى خارجه، بمهارات ممزوجة بسهر الليالي. فهل تضيق بها مساحة الوطن أم تنفتح أمامها الأبواب والفرص؟ واختتمت:”في عيوننا إشراقة أمل لمستقبل نريد أن نصنعه بأيدينا ، كل واحد منّا في اختصاصه، لا يخيفنا شيء، لأن الرب راعينا والروح القدس يظللنا”.
أما رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب هادي محفوظ فاستهل كلمته بالقول: “رأى الله أنّ ذلك حسن”. على وقع هذه الجملة في سفر التكوين، في الصفحات الأولى من الكتاب المقدّس، راحت رواية خلق الكون والإنسان تشقّ طريقها إلى كلّ قارئ…” معتبرًا “أن قمّة جمالات الخلق هي الإنسان”.
وقال: ” أيّها الخرّيجون الأحبّاء، أعلم جيّدا أنّ الكثيرين يسلّطون الضوء على حالتنا المضطربة في لبنان وعلى مشاكلنا الكثيرة على مستويات مختلفة. ولكن، لا تخافوا. لا تسمعوا لهؤلاء، بل كونوا واقعيّين ومتفائلين في الوقت عينه. نعم هناك مشاكل. ولكن لا مجتمع على الأرض بدون مشاكل كبيرة. أيّها الخرّيجون الأحبّاء، في النظر الى لبنان، أدعوكم الى سماع صوت الذين سوف اذكرهم في كلامي عن الجمال الثاني والثالث والرابع والخامس. أحبّوا لبنان كثيرا، وتعاطوا معه بكلّ ايجابيّة، ومهما حصل فيه، عودوا فانطلقوا انتم، وانطلقوا به إلى الأمام. هذا هو قدر كلّ إنسان عاقل على وجه الأرض. الانطلاق دومًا الى الأمام والانطلاق دومًا الى الأمام، فلا يستطيع أحد إيقاف التاريخ، والله سيّد التاريخ. جميل لبنان وجميلون أهل لبنان”.
أضاف: “أنتم أمل الكنيسة والعائلة والمجتمع، أنتم الجيل الذي يكوّن المواطنين المخلصين. تكون غدًا الكنيسة والعائلة والمجتمع والوطن ما أنتم عليه اليوم. أنتم المستقبل” (عدد 51). وعندما يتكلّم عن الاقتصاد، أنتم أيضا حاضرون، فهو يقول: “بالنموّ الاقتصاديّ، نخلق فرص العمل ويثبت شبابنا في ارضهم، مفجّرين طاقاتهم الإبداعيّة في لبنان دون أن يهجروه” (عدد 63). مرّة جديدة، هي دعوة إلى الإيجابيّة وإلى بنيان الذات والحياة بالانطلاق الدائم إلى الأمام. هذا هو أيضًا صوت أدعوكم إلى سماعه عندما تفكّرون بلبنان”.
ولفت إلى أنه “وفي الكنيسة المارونيّة رهبانيّة أسّست جامعتكم وهي تديرها. فانظروا إلى اسمها. في اسمها، الرهبانية، وفي اسمها لبنان، وفي اسمها المارونية. إنّها الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة. وهي موضوع كلام الجمال الرابع. جزّأت الاسم لأبيّن كليّتها. فهي رهبانيّة القدّيسين شربل ورفقا ونعمة الله واسطفان. والرهبانيّة لبنانيّة، فلبنان جزء من فئة دمها. معه ومع اللبنانيين عاشت الحلو والمرّ.
وأضاف الأب محفوض: “جلوسكم على هذه المنصّة، بهذا الشكل، معبّر جدّا. فأنتم في اوّل خطوة خارج الجامعة، فهي وراءكم الآن، وانتم منها منطلقون، مزوّدين بالعلم والتكنولوجيا وصقل الشخصيّة والقيم التي حاولت زرعها فيكم. وادارة الجامعة، بمجلسها وإدارييها، هي أمامكم مباشرة في رمزيّة محاولة مساعدتكم في الانطلاقة الحياتيّة. وأنتم أمام أهلكم وأصدقائكم وأصدقاء الجامعة، تحت أنظارهم، يرونكم تنطلقون. وفي الوقت عينه، أنتم تنظرون إلى الأفق البعيد، فانطلقوا وافرحوا ولا يحدّنّ طموحكم حدود. فهو ليس أفق الخروج من لبنان، بل هو أفق النظر الطموح في الحياة والانطلاق الدائم إلى الأمام”.
ثم قدّم الأباتي نعمة والأب محفوظ لوحة تذكارية زيتية لغبطة البطريرك من توقيع الفنان سامي أبو خير. جرى بعدها توزيع الشهادات على المتخرجين. واختتم الحفل بالتقاط الصورة التذكارية ونخب المناسبة.