#adsense

التنين الصيني وحلم النفوذ في بلاد العرب

حجم الخط

كتب الدكتور خطار أبو دياب مدير معهد الجغرافيا السياسية في باريس:

لا تزال أسماء الرئيس الصيني الجديد شي جين بينغ (منذ آذار 2013) ووزير خارجيته وانغ يي، من الأسماء المغمورة عند المتابعين من العرب.

لكن الصين، العملاق الاقتصادي والسياسي، لم تعد القوة الصامتة، ولم تعد تخفي طموحاتها، إذ إنّ سفيرها في القاهرة سونغ آيقو كتب في صحيفة “الأهرام” بتاريخ التاسع من نيسان الماضي مقالة عنوانها: “الحلم الصيني… وانطلاق الحلم المصري”، وفيها يقول: “تبحث الصين دوماً عن إسعاد شعبها وسعادة الشعوب كافة وتؤكد أن حلمها العظيم، لن يكون نتاجه مقتصراً أبداً، على الشعب الصيني بمفرده، بل هو حلم لمصر، ولكل الدول العربية، والدول النامية الصديقة كافة. ويجسد “الحلم الصيني” مساعي الصين المستمرة دولة وشعباً، من أجل بناء عالم متناغم، يسوده السلام الدائم والرخاء المشترك”. إنها الوصفة البرغماتيكية الاقتصادية وغير الإيديولوجية من بلاد الـ1.3 مليار نسمة لتسويق الحلم الصيني محل الحلم الأميركي في الشرق الأوسط.

من مصر بالذات، تأمل بكين في الانطلاق ووضع أقدامها بقوة في الإقليم. أليست مصر جمال عبد الناصر أول دولة عربية تعترف بالصين الشعبية وتخوض معها مغامرة حركة عدم الانحياز؟ ويسترجع باحث صيني حكاية “طريق الحرير العريق، الذي ربط الشعبين الصيني والمصري، برباط قوي منذ أكثر من ألفي عام. وأسهم الجانبان معاً في دفع ازدهار الحضارة البشرية وتقدمها”. وفيما يتعدى خطابات حسن النيات، تمثل مصر بموقعها الجغرافي الفريد وبشريان قناة السويس حاجة كبرى للصين المتعطشة للطاقة، وكونها بلد أفريقي كبير في إطار السياسة الصينية الهجومية في كل القارة السمراء. من جهتها، تعوّل أوساط كثيرة في النخب المصرية على البديل الصيني في حال تدهور العلاقات مع واشنطن. لكن ربما يهدف هذا التلويح إلى حثّ واشنطن على دعم خيارات الفريق أول عبد الفتاح السيسي، إذ سيكون صعباً على الولايات المتحدة تبذير الاستثمار في الجيش المصري منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد، وتركه مدار اهتمام بكين وموسكو وغيرهما. بيد أنّ الورقة الاقتصادية الصينية تبقى الورقة الأقوى، إذ وصل حجم المبادلات التجارية مع العالم العربي 112 مليار دولار في النصف الاول من عام 2012. وفي الوقت نفسه، بلغت المبادلات الصينية – الإسرائيلية في مجمل عام 2012 زهاء 8 مليار دولار. وهذا يعني أنّ عامل تصدير التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة والعسكرية إلى الصين ألقى بظله على خيارات الصين المؤيدة التقليدية للقضية الفلسطينية. وقد تطورت العلاقات العسكرية بين الصين وإسرائيل مع زيارات عدة متبادلة، آخرها زيارة رئيس اركان الجيش الصيني لإسرائيل في آب 2011. وكل هذا يعني أنّ الطموح يشمل أيضاً التأثير في إسرائيل.

إزاء التطورات المصرية المتلاحقة، يلفت النظر مقاربة المحلل السياسي لصحيفة الشعب الرسمية (فانغ يو، 10 تموز 2013) الذي يعتبر أن ما يجري في العالم العربي منذ سنتين ونصف يندرج في سياق “صراع الحضارات بين الغرب والعالم العربي منذ ألف سنة” (يذكرنا ذلك بالأميركي صكوئيل هنتنغتون)، ويذهب فانغ ليتّهم الغرب بممارسة لعبة “فرق تسد” واستغلال العامل الديني والإثني لإعادة تركيب الإقليم واستمرار نفوذه.

تُفسّر هذه المقاربة التبسيطية والممزوجة بنهكة من الواقعية الموقف الصيني من حركات “الربيع العربي”، حيث أنّ الحفاظ على الوضع القائم وعدم التدخل الخارجي وتأمين مصالح الصين الاقتصادية، هي النقاط المشتركة من ليبيا إلى سوريا ومصر. ويسري ذلك أيضاً على السودان والجزائر، وكذلك بشكل أو بآخر على إيران وتركيا حيث لبكين علاقات اقتصادية قوية.

في الملف السوري، يُكشّر التنين الصيني عن أنيابه مع حرصه على الظهور بمظهر متمسك بمبدأ الحوار والتفاوض لحل القضايا والنزاعات الإقليمية والدولية. لم يقتصر دور بكين على ممارسة حق النقض الفيتو والإسهام إلى جانب موسكو في منع مجلس الأمن الدولي من التدخل في المسألة السورية، بل وصل الأمر إلى الاستمرار في إمداد النظام بالسلاح والمعلومات، وكذلك بالدعم المالي لمواجهة العقوبات الغربية. وتفاخر المصادر الصينية بتحول دفة النزاع في سوريا وفي وصول الغرب لمأزق كبير. ويزداد النشاط الصيني في الجوار السوري، وفي لبنان تحديداً، إذ غالبا ما ترسل بكين سفيراً فرنكوفونياً للتخاطب مع نخب غربية الهوى. أما في العراق، فقد زادت المكاسب الصينية وتمركزت بكين في سوق النفط وإنتاجه. وليس بعيدا في المملكة العربية السعودية انتزعت بكين ضمانات ليستمر تدفق النفط السعودي ويغذّي احتياطها الاستراتيجي لمجابهة أي صدمة نفطية جديدة.

في ظل التراجع الأميركي والضغط على الدورين الفرنسي والبريطاني، وعدم أهلية روسيا لتستعيد مواقع الاتحاد السوفياتي، تنسج بكين شبكتها العنكبوتية في سعي لتحويل حلم نفوذها إلى واقع.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل